منوعات

سلفتي اتهمتني في شرــ,,ــفي بقلم ندي الجمل

“حقك علينا يا أم آدم… ندى، سامحيها لو تقدرِ، الدكاترة بيقولوا إن نسبة نجاتها من العملية ضعيفة جداً، وهي مش راضية تدخل غرفة العمليات إلا لما تشوفك.” هزيت رأسي بوقار ودخلت معاها العناية المركزة. أول ما الباب اتفتح ورأيت منى ممددة على السر,,ـــــير الأبيص، الأجهزة موصلة بجسدها الضعيف، وشها كان أصفر زي الورق الميت، وعينيها غائرة. مكنتش أصدق إن دي نفس الشخصية اللي كانت واقفة قدامي قبل سنتين بكامل قواها وبتشهد زور وتحلف على المصحف عشان تدمر حياتي! سبحان من يغير الأحوال ويذل المنتاكبين.

أول ما فتحت عينها وشافتني واقفة قدامها، الدموع جرت من عينيها بغزارة، وحاولت ترفع إيدها المربوطة بالمحاليل باتجاهي وهي بتنهد بصوت طالع بالعافية ومخنوع: “ندى… أنتِ جيتي؟… الحمد لله إن ربنا أمهلني لحد ما أشوفك…” وقفت على بعد خطوات منها وقلت بصوت هادي لكنه جاد: “جيت يا منى… جيت عشان أسمعك.” منى بدأت تبكي بحــ,,ـــــرقة وتشهق، وجسمها كله كان بيرتجف على السر,,ـــــير:

“سامحيني يا ندى… أرجوكي قوليلي إنك مسامحاني! من يوم ما حلفت على المصحف كدب وأنا مش بشوف يوم حلو، النوم طار من عيني، وعيالي اتأذوا، وحياتي اتدمرت. أنا كنت جبانة… عبير هددتني بستر قديم وعيلة وحاجات تخص أهلي، وخلتني أبيع ديني وأظلــ,,ـــــمك عشان أحمي نفسي، بس اكتشفت إن الظلــ,,ـــــم نــ,,ـــــاره بتاكل صاحبها الأول! أنا خايفة أقابل ربنا يا ندى… خايفة من حلفة المصحف!” بصيت ليها وأنا حاسة بمزيج من الشفقة والأسى على العاقبة الأليمة اللي وصلت لها. قلتلها بصوت ثابت:

“اللي عملتيه فيا يا منى كان هدّام… دمرتي بيت، وحرمتي أم من عيالها ست شهور كاملين، وخليتي الكل يطعن في شرفي. الحلفة على كتاب الله مش حاجة سهلة تتنسي بكلمة. أنا مش هأكذب عليكي وأقولك إن الجرح اتمحى، لكن عشان الظروف دي، وعشان أنتِ بين إيدين ربنا… أنا هقولك إني عفوت عن حقي الشخصي في الدنيا، وسيبت حسابك وحساب عبير لعدالة ربنا في الآخرة والدنيا. أدخلي عمليتك وادعي ربنا يغفرلك، وأنا مش هدعي عليكِ تاني.”

من بين دموعها، منى رفعت إيدها وشهقت بفرحة ومغفرة وكأن جبل انشال من على صدـ,,ـــرها: “شكراً يا ندى… ربنا يجازيكي خير على قلبك الطيب… سامحيني…” خرجت من الأوضة وأنا حاسة براحة غريبة، كأن آخر عقدة سوداء من الماضي اتقصت واترمت بعيد. الممرضين أسرعوا وادخلوها غرفة العمليات فوراً. مرت ساعات الانتظار الشديدة في المستشفى. أحمد كان واقف جنبي ومتمسك بإيدي طول الوقت. وبعد حوالي أربع ساعات، خرج الدكتور ووشه مش مبشر بالخير… قرب من جوز منى وأهلها وقال بنبرة أسف:
“إحنا عملنا كل اللي نقدر عليه… لكن النزيف كان شديد جداً، والقلب متحمّليش… البقاء لله.”

الصرخات والبكاء ملأوا الممر. منى فارقت الحياة، وانطوت صفحتها للأبد، لتبقى قصتها عبرة لكل واحد بيستهين بشهادة الزور أو بيحلف بكتاب الله كذباً عشان يظلــ,,ـــــم بريء. أحمد أخدني ورجعنا البيت. كنا ساكتين طول الطريق، كل واحد فينا مستوعب قد إيه الحياة قصيرة، وقد إيه الظلــ,,ـــــم عاقبته وخيمة. بعد وفــ,,ـــــاه منى بأسابيع قليلة، العيلة اتزلزلت تاني… لكن المرة دي كانت بسبب “عبير”.

عبير لما عرفت بوفــ,,ـــــاه منى وسمعت باللي حصل في المستشفى، وبدلاً من إنها تتعظ وتتوب، الجشع والخوف عمى عينها أكتر. الراجل اللي كانت مديونة له بالفلوس المشبوهة، لما يئس إنه ياخد فلوسه منها بعد ما اطلقت وافتقرت، قرر يفضّحها رسمي. راح لأهلها وتقدّم بجميع الشيكات والإيصالات والرسائل اللي بتثبت تورطها في عمليات نِصاب وتجارة غير مشروعة من ورا العيلة كلها. أهل عبير لما عرفوا بالحقيقة كاملة ووجدوا إنها مش بس خربت بيتي وشهّرت بشرفي، بل كمان ورطت أصل عيلتها في ديون وقضايا… تبرؤوا منها رسمياً!

في يوم هادي في شقتنا الجديدة، كنت قاعدة أجهز لولادة طفلي الجديد، وأحمد جه من شغله وبدأت عليه ملامح التفكير العميق. قعد جنبي وقال: “ندى… عبير اتسجــ,,ـــــنت النهاردة.” بصيتله بذهول: “اتسجــ,,ـــــنت؟!” أحمد هز رأسه وقال: “أيوه… القضايا اللي رفيعها الراجل مع إيصالات الأمانة ثبتت عليها، وأهلها رفضوا يدفعوا لها جنيه واحد أو يوكلوا لها محامي. القاضي أصدـ,,ـــر حكم بحبسها ثلاث سنوات مع الشغل والنفاذ. العدالة الإلهية أخدت مجراها كاملاً يا ندى… اللي ظلــ,,ـــــمتك وافتترت عليكي عشان تحمي نفسها، أصبحت محبوسة ومطرودة ومفضوحة قدام مصر كلها.”

حطيت إيدي على وشي وحمدت ربنا من كل قلبي. الشرف اللي حاولوا يلوثوه، ربنا رفعه ورجّعه ناصع البياض، والبيت اللي اتهد بالظلــ,,ـــــم، ربنا عوضني بداله بيت أحدث وأهدى وأكثر أماناً. وبعد شهرين… وضعت طفلتي الجديدة، وسميتها “أمل”، لتكون رمزاً للبداية الجديدة والأمل اللي مابيمــ,,ـــــوتش أبداً طالما ربنا موجود. لكن… رغم إن كل الأعداء أخدوا جزاءهم، ورغم إن حياتي مع أحمد استقرت تماماً… إلا إن مفاجأة أخيرة كانت في انتظارنا، مفاجأة جاية من أوراق قديمة سابها حمايا قبل ما يتوفى، مفاجأة هتقلب موازين التجارة والبيت القديم كله وترجع تفتح باب لم نكن نتوقعه…

انت في الصفحة 6 من 8 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى