منوعات

سلفتي اتهمتني في شرــ,,ــفي بقلم ندي الجمل

قلتله بجدية ووضوح، وكل كلمة طالعة من قلبي بثبات: “أول شرط يا أحمد… إن شقتنا الجديدة دي تكون مملكتي الخاصة، مفيش أي كائن من كان يتدخل في حياتنا أو في تربية أولادنا. لا كلمة تتقال من ورايا، ولا حكم يتفرض عليا. ثانياً، كرامتي وثقتك فيا خط أحمر، لو حسيت في يوم واحد بس بنظرة شك أو عدم احترام من غير ما تسمعني، هلم هدومي وآخد عيالي وأمشي فوراً وبدون رجعة. وثالثاً… عبير ومنى مالهمش أي وجود في حياتنا أو حياة أولادنا نهائياً، حتى لو الصدفة جمعتنا في أي مكان، وجودهم زي عدمه.”

أحمد بصلي ودموعه نازلة من الفرحة، مسك إيدي وباسها بحرارة وقال بصوت يرتجف من التأثر: “والله العظيم يا ندى كل شروطك على راسي من فوق! أنا اتعلمت الدرس، والدرس كان قاسي أوي عليا وعلى عيالي. أنتِ تاج راسي، والثقة اللي اتكسرت أنا مستعد أقضي باقي عمري كله أرمم فيها لحد ما ترتاحي وتتأكدي إن أحمد بقى راجل تاني خالص.”

وبالفعل… نقلنا الشقة الجديدة. كانت شقة واسعة، يدخلها الشمس والخير من كل مكان، بعيدة تماماً عن عمارة العيلة وعن كل الذكريات السوداء اللي عاشت فيها روحي شهور في عذاب. الشقة اتكتبت باسمي رسمياً زي ما أحمد وعد، وبدأنا نأثسها وحدة وحدة بحب وهدوء، وكأننا بنبني حياتنا من جديد من نقطة الصفر. رجوعي لأحمد مكنش مجرد رجوع لزوج، كان بداية مرحلة جديدة بقيت فيها أنثى أقوى، عارفة حقها وكرامتها، ومفيش قوة على الأرض تقدر تكسرها تاني. آدم وليان دخلوا مدارسهم، وضحكتهم رجعت تنور البيت، وأحمد بقى بيحاول بعوضني عن كل لحظة ألم عشتها بعيد عنه.

أما بيت العيلة القديم… فصار شبه مهجور وحزين. حماتي بعد ما خرجت من المستشفى بقت ست مكسورة، كبرت في السن عشر سنين قدام. الشك والظلــ,,ـــــم اللي حصل في بيتها خرب طعم العيشة فيه. عمارة العيلة اللي كانت مليانة دوشة وستات وطبيخ سوا، بقت فاضية وساكتة كأنها مقبــ,,ـــــرة للذكريات.

عبير… عاشت في بيت أهلها مطرودة، محاصرة بكلام الناس ونظرات الاتهام. الراجل اللي كانت بتتعامل معاه في السر بدأ يطالبها بأصل المبالغ اللي كانت واخدة منها، ولما أهلها عرفوا بالحقيقة كاملة وبحجم الديون، الفضيحة كبرت وجوزها الـسابق رفع عليها قضايا عشان يحمي حقوقه وحقوق أولاده منها، وبقت حياتها عبارة عن محاكم وجلسات ونبذ من المجتمع كله.

أما منى… فكان عذابها أصعب بكثير. الذنب كان بياكل في جسمها ونفسيتها. كل ما تحاول تقرب من عيالها عند حماتها، كانوا بيعاملوها بجفاء، وزوجها فضّل هارب منها ومن التعامل معاها. كانت تبعثلي رسائل وتتوسل لإخواتي عشان أسامحها، وتقول إنها مش عارفة تنام ولا تذوق الطعم للعيشة بسبب اليمين الكاذب اللي حلفته على المصحف.
في يوم من الأيام، وبعد مرور حوالي سنة ونصف على انتقالي للشقة الجديدة، وكنت وقتها حامل في طفلي الثالث من أحمد… جالي خبر هز العيلة كلها من جديد.

تليفون رن على أحمد وهو قاعد معايا ومع الأولاد، أول ما رد، وش أحمد اتغير ووقف بذهول وهو بيسمع الكلام، وبعد ما قفل بصلي وقال بصوت واطي: “ندى… منى حصلها دــ,,ـــــادثة صعبة أوي وهي راجعة من المستشفى، وحالتها حَرِجة جداً بين الحياة والمــ,,ـــــوت… وطلبت طلب واحد بس قبل ما تدخل العمليات…” بصيت لأحمد بذهول وقلتله: “طلبت إيه؟” أحمد بلع ريقه وقال: “بتترجاكي تروحي لها… بتقول مش قادرة تقابل ربنا وهي شايلة ذنبك وشهادة الزور!”

سادت حالة من الصمت الرهيب في الصالة. أحمد كان باصصلي ومستني رد فعلي، وعينيه مليانة تساؤلات وخوف من إن الطلب ده يفتح جروح قديمة كنا بنحاول ندمالها. بصيت لآدم وليان وهما بيلعبوا حواليا، وبعدين حطيت إيدي على بطني المليانة بالطفل الجديد اللي جاي ينور حياتنا. قلبي اتعصر من الصراع الداخلي… الجزء الإنساني والتربية اللي اتربيت عليها كانت بتقولي: “دي ست بين إيدين ربنا وممكن تفارق الحياة في أي لحظة”، والجزء المكتوي بالنــ,,ـــــار كان بيفتكر ليلة الطرد، وحلفة المصحف الزور، ودموعي اللي نزلوا في الشارع وأنا حافية ومحرومة من ولادي.

أحمد قرب مني بهدوء، وطبطب على كتفي وقال بصوت حنين: “القرار قرارك يا ندى… محدش يقدر يجبرك على حاجة، ولو مش عايزة تروحي أنا هقدر ده تماماً. منى أذتك أذية كبيرة، واللي عملته كان قاسي وميتغفرش بسهولة.” تنهدت بوجع وقلتله: “أنا مش رايحة عشانها يا أحمد… أنا رايحة عشان ربنا، وعشان أبقى عملت اللي عليا وما يشيلش قلبي غل ولا قسوة وأنا حاطة طفل جديد في أحشائي. الست اللي بين الحياة والمــ,,ـــــوت حسابها مع اللي خلقها، لكن أنا مش هبقى السبب إن حد يمــ,,ـــــوت وهو حاسس إن باب الرحمة اتقفل في وشه.”

أحمد بصلي بنظرة إعظام وإجلال، وكأن الهيبة والكرامة اللي فيا كبروا في عينيه أكتر وأكتر. نزلنا فوراً وأخدني بالسيارة للمستشفى المركزي اللي كانت منى مقيمة فيه في غرفة العناية المركزة. أول ما وصلنا المستشفى، كانت الريحة مليانة بمطهرات وأجهزة طبية وصوت أجهزة القلب المنتظم المنتشر في الممرات. أهل منى وجوزها كانوا واقفين بره الأوضة، ووشوشهم مجهزة بالغم والهم. أول ما شافوني جاية مع أحمد، الكل اتنحى جانباً ونكسوا رؤوسهم في الأرض من الخجل. جوزها قرب مني بخطوات ثقيلة وقال بصوت مكسور:

انت في الصفحة 5 من 8 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى