منوعات

سلفتي اتهمتني في شرــ,,ــفي بقلم ندي الجمل

مرت عدة أشهر على ولادة ابنتي الصغيرة “أمل”، وكانت حياتنا تسير في هدوء واستقرار لم أعشه من قبل. الشقة الجديدة أصبحت ملجأنا الهادئ، وآدم وليان كبرا وبدأا يستعيدان طفولتهما الضحوكة بعيداً عن أشباح الماضي. أحمد تغير تماماً، أصبح يحرص على رضايا وعلى مشاركتي في كل صغيرة وكبيرة، وكأنه يحاول كل يوم أن يمحو خطأ الماضي بالحب والاهتمام. وفي وسط هذا الهدوء… جاء الخبر الذي زلزل العائلة من جديد.

توفي حمايا بعد صراع قصير مع المرض، حزناً على ما آلت إليه عائلته وتفكك بيته الكبيرة. وبعد انتهاء أيام العزاء، اجتمع إخوة أحمد الثلاثة في الشقة الأرضية بالعمارة القديمة لتقسيم التركة وتصفية التجارة والمحلات التي تركها حمايا. كنت قاعدة في شقتي مع الأطفال، لما دخل أحمد ووجهه شاحب، وفي إيده حقيبة جلدية قديمة ومظروف أصفر كبير مغلق بختم قديم. قعد جنبي وهو بينهف وقال بصوت مرتكب: “ندى… إحنا بنفتح خزنة أوبيا القديمة اللي في المحل، لقينا الأوراق دي… أوبيا ساب وصية وأوراق رسمية متسجلة في الشهر العقاري من سنة كاملة، قبل ما يتوفى بكام شهر.”

بصيت للمظروف باستغراب وقلتله: “وصية؟ وحاجة تخص مين يا أحمد؟” أحمد فتح المظروف وهو إيده بتترعش، وطلع منه عقد ملكية ومستندات تجارية رسمية، وقال بصوت مليان ذهول وشعور بالذنب المتردد: “أبويا كتب نص المحلات والتجارة باسمك أنتِ يا ندى! وكتب الشقة الأرضية والعمارة باسم آدم وليان بأسماء صريحة وفي بند لا يجوز البيع أو التصرف إلا بموافقتك أنتِ شخصياً!” شهقت من الصدمة وقمت من مكاني: “باسم أنا وأولادي؟! ليه حمايا يعمل كده؟ إخواتك شغالين معاه طول عمرهم في المحلات دي!”

أحمد طلع ورقة مكتوبة بخط إيد حمايا القديم، وقال: “اقرئي دي بنفسك…” سحبت الورقة، وكانت رسالة كتبها حمايا قبل وفاته، نصها كان بيقطع القلب: *(يا ندى يا بنتي… أنا بعتذرلك وأنا بين إيدين ربنا. أنا ظلــ,,ـــــمتك وظلــ,,ـــــمت شرفك وقسيت عليكي بدون وجه حق. ولأن ولادي اتساقوا ورا حريمهم وشاركوني في الظلــ,,ـــــم والعمى، أنا قررت أصلح جزء من كسر خاطرك. المحلات والتجارة دي نصها من حقك أنتِ وعيالك عشان أضمن إن محدش يقدر يجور عليكي تاني لو جرت الأيام، وعشان تسامحيني في قبــ,,ـــــري).*

الرسالة نزلت عليا زي الصاعقة. حمايا كان عايز يكفر عن ذنبه بماله وتجارته، لكنه بدون ما يقصد، فتح باب جهنم جديد بيننا وبين باقي العيلة! إخوات أحمد لما عرفوا بوجود الوصية والأوراق الرسمية، العمارة اتقلبت رأس على عقب. إخواته اللي كانوا بيستعدوا يتقاسموا التركة والمحلات، وجدوا إن الغريبة اللي طردوها واتهموها في شرفها قبل سنتين، أصبحت هي المالك الحقيقي لنصف تجارتهم والعمارة كلها!
في نفس الليلة، اتفاجأنا بخبط شديد على باب شقتنا الجديدة. فتح أحمد، وكان واقف إخوته الاتنين وجوههم محمرة من الغضب والغل.

دخل أخوه الكبير وهو بيصرخ بصوت يهز الشارع: “إيه اللعب ده يا أحمد؟! أبوك كان خرفان قبل ما يمــ,,ـــــوت؟ إزاي يكتب نص التجارة والمحلات لندى وعيالها؟ إحنا اللي طافحين الدم في التجارة دي معاه من عشرين سنة! أنت مرتك ضحكت عليه وأخدت عقله قبل ما يمــ,,ـــــوت عشان تسرق حلالنا؟!” أحمد وقف قدامهم كالسد المنيع وقال بحزم وشدة: “الزم حدودك يا أخويا! ندى ما طلبتش حاجة، وأبويا كتب ده بملء إرادته كتعويض عن الظلــ,,ـــــم والعار اللي لبستوهولها وعن بيتها اللي اتخرب! وأنا مش هسمح لأي حد يغلط في مرتي بحرف واحد تاني!”

أخوه التاني قرب مني بنظرة شرارة وقال: “أنتِ فاكرة نفسك كسبتي يا ندى؟ المحلات دي مش هتعتبيها، والأوراق دي هنطعن عليها بالحجر والبطلان! مش هنسيبلك قرش واحد من شقا عمرنا!” وقفت بثبات وصمود، وبصيت في عيونهم اللي كانت مليانة طمع وغل، وقلت بصوت هادي كالثلج: “أنا ما جرتش ورا ورث ولا طمعت في حق حد منكم… حمايا هو اللي حب يرجعلي اعتباري أمام ربنا وأمام الناس. لكن طالما بتتكلموا بالطريقة دي وبالتهديد والوعيد، فسمعوا كلامي كويس: الحق ده بقا حق أولادي آدم وليان، وأنا مش هفرط في حق ولادي لو على رقبتي!”

أحمد وقف بجانبي، وقال لإخواته بصوت قاطع: “يا تلتزموا بالقانون والأصول وتدوا كل ذي حق حقه بالمعروف… يا أما القضاء والشهر العقاري هما اللي يحكموا بيننا!” خرجوا إخواته من الشقة وهما بيتوعدوا ويهددوا إنهم هيولعوا في التجارة العائلية وفي العمارة، ولن يسمحوا لندى بأن تأخذ جنيهاً واحداً. ومن اليوم ده… بدأت حرب جديدة. حرب مال ونفوذ وقضايا بين أحمد وإخواته. إخواته حاولوا يزوروا عقود قديمة، ورفعوا قضايا حجر وبطلان وصية، وحاولوا يضايقوا أحمد في السوق والمحلات ويمنعوه من دخول تجارة أبوه.

وأنا… وجدت نفسي في مواجهة اختبار جديد. هل أتنازل عن حق أولادي وأشتري راحة بالي واستقرار بيتي اللي بنيته بالدموع؟ أم أقف في المحاكم وأحارب من أجل حق آدم وليان والوصية التي تركها حمايا للتكفير عن ذنبه؟ وفي وسط هذه المعمعة والقضايا المشتعلة… جالي اتصال هاتف غريب من رقم غير معروف. رديت بصوت متوجس: “ألو؟” جالي صوت ست ضعيف ومبحوح، صوت أظنني لن أنساه أبداً… صوت عبير من داخل السجــ,,ـــــن! قالت بصوت بيترعش وبيبكي:

“ندى… الحقيني يا ندى! إخوات أحمد متفقين مع الراجل اللي كان بيهددني زمان، ونبرموا مؤامرة جديدة عشان يتهموا أحمد في قضية تزوير ورشوة ويضيعوا المحلات منك ومن عيالك ويحبسوه… أنقذي جوزك قبل ما يروح في رجلين المؤامرة بكرة الصبح!”

انت في الصفحة 7 من 8 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى