والله العظيم أول ما سمعتها بتنطق اسمي حسيت إن قلبي وقع.
وحسيت إن روحي كلها بتترعش.
أما هي فابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت
لو بتشوفي التسجيل ده…
سامحيني.
سامحيني على كل حاجة ما قدرتش أقولهالك.
وسامحيني على كل الأسرار اللي شيلتها لوحدي.
أخدت نفسًا متعبًا.
وبعدين كملت
أنا ما كنتش فقيرة علشان الزهد.
وما كنتش فقيرة علشان الرضا.
أنا كنت فقيرة علشان الخوف.
كنت بخاف إن كل جنيه
أصرفه من الفلوس دي يبقى ثمنه روحنا.
كنت بخاف إن الفلوس تشتري اللي ما قدرتش تهزمه السنين.
كنت بخاف تشتريكي إنتِ.
ونزلت دموعي وأنا ببصلها.
أما هي فواصلت كلامها بصعوبة
إنتِ ماعليكيش أي دين ليهم.
ولا أي فضل.
ولا أي التزام.
وسامح كمان ماعليهوش.
حتى لو خذلني.
حتى لو وجعني.
أنا حبيته.
وربيته.
واعتبرته ابني.
لكن حبنا لحد…
ما يديهوش الحق يسرقنا.
ولا يسرق حقنا.
ولا يسرق تعب عمرنا بعد ما نمو.ت.
في اللحظة دي نزل سامح راسه للأرض.
وما قدرش يبص للشاشة.
أما أمي فتنفست بصعوبة أكبر.
وبعدين قالت
اسمي كان مريم.
لكن بالنسبة ليكي أنا كنت فاطمة. والاسم ده بقى اسمي الحقيقي.
لأنك إنتِ اللي قولتيه بحب.
وما تخليش عيلة المنشاوي تخليكي تحسي إنك صغيرة.
ما تخليش قصورهم تخوفك.
ولا شركاتهم ولا نفوذهم ..هم يمكن عندهم أبراج وشركات وأسماء كبيرة…
لكن إنتِ عندك الحقيقة. وساعات يا بنتي الحقيقة بتبقى أتقل من اسم عيلة كاملة.
والله العظيم أول ما سمعت كلام أمي في التسجيل حسيت إن آخر حاجة كانت ماسكاني من جوايا اتكسرت، وحطيت إيدي على بقي علشان أكتم شهقتي لكن ماقدرتش، والدموع نزلت مني غصب عني، دموع سنين كاملة من الوجع والقهر والحرمان والخوف، بينما أمي على الشاشة كانت بتتنفس بالعافية وكأن كل كلمة بتخرج منها بتاخد معاها حتة من روحها، ومع ذلك كانت مصممة تكمل لآخر لحظة.
وقالت بصوت متعب لكنه ثابت
كل حاجة سبتها ورايا تبقى لهناء… وجزء منها يروح لمؤسسة تساعد الستات اللي أهلهم اتخلوا عنهم زي ما حصل معايا.
وسكتت لحظة تاخد نفسها.
وبعدين كملت
أما البيت… مايتباعش.
والله العظيم في اللحظة دي افتكرت السقف اللي بينقط.
والحيطان القديمة.
وريحة العيش اللي كانت بتعمله بإيديها.
والكرسي اللي كانت بتقعد عليه كل عصر.
أما هي فكملت
صلحوه.
وخلوه مفتوح.
وخلوه يوم الأحد يطلع منه أكل سخن للناس.
ونزلت دموعي أكتر.
لكن اللي كسرني فعلًا كانت الجملة اللي بعدها.
لما قالت
لأن مفيش ست في الدنيا المفروض تضطر تقول إنها شبعت وهي جعانة… بس علشان ابنها أو بنتها ياكلوا.
ساعتها انهرت.
انهرت بمعنى الكلمة.
وحسيت إن رجليا مش شايلاني.
ولولا إن الممرضة مسكتني كان ممكن أقع على الأرض.
أما عبدالرحمن المنشاوي فقام فجأة وقفّل شاشة الكمبيوتر بعنف وهو بيقول
كفاية.
لكن الأستاذ شريف بصله نظرة باردة جدًا وقال
بالعكس.
إحنا لسه بادئين.
وفعلًا…
كل حاجة بدأت من اللحظة دي.
بس مش بالصريخ.
ولا بالخناق.
ولا بالمشاهد اللي الناس بتحب تشوفها.
الحرب الحقيقية بدأت بالورق.
بدأت بالمحاضر.
وبالقضايا.
وبالبلاغات الرسمية.
وبالمستندات اللي أمي كانت مخبياها سنين.
وبالوصية.
وبالنيابة.
وبملفات ضخمة اتحطت على مكاتب ناس مايعرفوناش لكن كان مطلوب منهم يشوفوا الحقيقة.
وعيلة المنشاوي حاولت تعمل كل حاجة علشان تد.فن الموضوع مرة تانية.
جابوا أغلى المحامين.
وأشهر المحامين.
وصرفوا فلوس تكفي إنها تشتري شارع كامل.
وقالوا إن أمي ماكانتش واعية وهي بتكتب الوصية.
لكن المستشفى طلعت تقارير كاملة تثبت إنها كانت بكامل قواها العقلية.
وقالوا إني أنا اللي ضغطت عليها ووجهتها.
فطلع الجيران واحد ورا التاني يشهدوا إنهم عمرهم ما شافوا حد واقف جنبها غيري.
وقالوا إن الفلوس كانت هدية عادية.
فطلع دفتر البنك والمستندات اللي مكتوب فيها بوضوح سبب التحويلات.
وقالوا إن مريم المنشاوي ماتت من سنين طويلة.
لكن الحاجة بهية وقفت بنفسها وسجلت شهادتها الرسمية.
واعترفت بكل حاجة.
واعترفت إن بنتها كانت عايشة.
وإن اللي حصل كله كان كذب.
ومع الوقت الحكاية خرجت برا المحاكم.
والصحافة بدأت تتكلم.
والناس بدأت
تعرف.
والخبر انتشر في كل مكان أسرع مما كانوا يتخيلوا.
وكل يوم كانت تظهر حقيقة جديدة.
وكل يوم كانت صورة أمي وهي بتبيع الفطاير علشان تجيب تمن الدوا تقف قدام صورة الناس اللي كانوا بيحاولوا يمحوها من الوجود.
وبعد أسابيع.
وفي يوم من الأيام.
كنت واقفة في البيت القديم.
شايلة جردل وبفضي المية اللي نازلة من السقف المكسور.
لأن البيت لسه محتاج شغل كتير.
ولسه محتاج روح أمي ترجع تدفّيه من جديد.
وفجأة سمعت حد بينادي اسمي.
لفيت.
فلقيت سامح.
واقف لوحده.
من غير نهلة.
ومن غير أي حد.
وشه كان مرهق.
وعينيه حمرا.
كأنه ماعرفش ينام من أيام.
وقال بصوت واطي
هناء…
أنا ماكنتش أعرف كل الحقيقة.
بصيتله ثواني.
وبعدين قلت بهدوء
بس كنت تعرف إن أمي محتاجة دوا.
نزل عينيه للأرض.
وقال
أيوة.
فرديت من غير ما أتردد
يبقى كنت تعرف كفاية.
وسكت.
وبعدين لأول مرة من يوم وفاة أمي شوفته بيعيط فعلًا.
مش بيتظاهر.
مش بيمثل.
بيعيط.
وقال بصوت مكسور
هي أخدتني وربتني.
قلت
أيوة.
قال
وأنا طلعت وحش.
ماعرفتش أواسيه.
وماحاولتش.
لأن في حقايق معينة الإنسان محتاج يواجهها لوحده.
من غير حد يخففها عنه.
وبعد شوية سألته عايز إيه يا سامح؟
قال ولا حاجة.
نهلة سابتني. والله العظيم كنت ممكن أضحك. لكن الحزن كان أكبر من الضحك.
فقلت طبيعي.
لأن الفلوس ماكنتش جاية ناحيتك.
هز راسه.
وبعدين قال
ممكن أزور قبرها؟
بصيتله لحظة طويلة.
وقلت
إنت مش محتاج إذني علشان تكلم واحدة ماتت. إنت كنت محتاج ضميرك يصحى وهي لسه عايشة.
ما ردش. لف ومشي. وأنا وقفت أتفرج عليه وهو بيبعد. ووقتها اكتشفت إني ما بقيتش أكرهه زي الأول.
لكن في نفس الوقت ماقدرتش أفتحله الباب تاني.
وبعد ست شهور الحاجة بهية ماتت.
لكن قبل ما تمو.ت كانت خلصت كل حاجة وقعت على كل الأوراق المطلوبة واعترفت رسميًا إن مريم المنشاوي عاشت وإن حقها اتسرق. وإن بنتها اتظلمت.
وإن أنا حفيدتها.
وعمرها ما طلبت مني أناديها يا تيتة. وعمرها ما ضغطت عليا علشان أخدها بالحضن. ويمكن كانت فاهمة إن الدم لوحده مش كفاية.
خصوصًا لما يوصل متأخر أوي بعد عمر كامل من الغياب والندم.
استمرت القضية أكتر من سنة كاملة.
سنة بحالها وأنا كل يوم فيها كنت بصحى على مكالمة من محامي، أو جلسة جديدة، أو ورقة مطلوبة، أو خبر طالع في الجرايد.