وسنة كاملة عيلة المنشاوي بتحاول بكل الطرق ترجع الحقيقة لورا وتد.فنها من تاني.
لكن الحقيقة لما بتخرج للنور بيبقى صعب جدًا ترجع تتخبى.
وفي الآخر خسروا جزء كبير من الحاجات اللي استولوا عليها سنين طويلة.
صحيح ما خسروش كل حاجة، لأن الناس اللي عندها نفوذ وفلوس عمرها تقريبًا ما بتخسرش كل حاجة.
لكنهم خسروا حاجة كانت أهم بكتير من الفلوس.
خسروا قدرتهم على الإنكار.
وخسروا السمعة اللي فضلوا يبنوها عشرات السنين.
وخسروا حقهم إنهم يقولوا إن مريم المنشاوي ما كانتش موجودة أصلًا.
أما أنا فاسترجعت اسم أمي الحقيقي، وحقها القانوني، وكل الأوراق اللي كانت بتثبت مين هي فعلًا.
لكن رغم كل ده عمري ما قدرت أبطل أناديها فاطمة.
لأن الاسم اللي عاش معايا في كل يوم من عمري، والاسم اللي كنت بصحى وأنام عليه، والاسم اللي كنت بقوله وأنا بمسك إيديها في المستشفى، كان أغلى عندي من أي اسم مكتوب في دفاتر العائلات الكبيرة أو سجلات الحكومة.
ولما جه وقت كتابة شاهد القبر طلبت يتكتب اسمها كله
فاطمة عبدالعال، المعروفة أيضًا باسم مريم المنشاوي.
أم عظيمة.
وست شريفة.
وصاحبة حق اتأخر كتير لكنه رجع في الآخر.
ولما الفلوس أخيرًا اتحولت، واتفتحت الحسابات، واتقفلت آخر قضية، واتوقفت آخر محاولة لتعطيل التنفيذ، ما فكرتش للحظة أشتري قصر ولا عربية فارهة
ولا أعيش الحياة اللي الناس كلها كانت متوقعة إني أجري وراها.
لأن أول حاجة جت في بالي كانت صورة الجردل اللي كنا بنحطه تحت السقف كل شتوية.
وصوت المية وهي بتنقط طول الليل.
وشكل أمي وهي بتضحك وتقول إن الموضوع بسيط ويتصلح بعدين رغم إنها كانت عارفة إن معندناش تمن التصليح.
علشان كده أول حاجة عملتها كانت إني أصلح السقف بالكامل.
سقف جديد.
وقوي.
وآمن.
ولما نزل المطر أول مرة بعد التصليح قعدت لوحدي في الصالة أبص لفوق أكتر من ساعة كاملة وأستنى النقطة الأولى تنزل.
لكنها ما نزلتش.
ولا نقطة واحدة.
وساعتها قعدت على الأرض وعيطت زي الأطفال.
لأنني لأول مرة حسيت إن البيت نفسه أخد نفس طويل بعد سنين من التعب.
وبعدها بأيام اشتريت بطانية جديدة ناعمة ودافية باللون الأزرق اللي كانت أمي بتحبه.
وفرشتها على سريرها رغم إنها ما كانتش موجودة.
وفضلت واقفة أبص للمكان الفاضي وأفتكر كل مرة شوفتها فيها بتتغطى ببطانية قديمة خفيفة في عز البرد وتقول إنها مش بردانة.
وكل مرة كانت تضحك وتكدب علشان ما تحملنيش هم زيادة.
وساعتها لمست البطانية بإيدي وقلت بصوت واطي كأنها لسه سامعاني
البرد خلاص مش هيوصل لك تاني يا أمي.
وبعدين بدأت أنفذ الحاجة اللي كانت أهم عندها من الفلوس نفسها.
فبيتنا القديم ما اتباعش زي ما أوصت.
واتحول لمكان مفتوح للناس كل يوم أحد.
مكان يطلع منه الخير والأكل والدفا.
وسميناه بيت فاطمة.
لأن الاسم ده هو اللي عاش مع الناس.
وهو اللي الناس حبته.
وكل يوم أحد كانت ريحة الفطاير والقهوة والشاي والأكل السخن تملأ المكان.
وكانت تيجي ستات كبار في السن.
وأمهات شايلين الدنيا لوحدهم.
وأطفال جعانين.
وجيران من نفس الناس اللي كانوا زمان بيلموا تبرعات علشان يساعدونا ند.فن أمي.
من غير ما يعرفوا إن الست اللي بيودعوها كانت صاحبة حق بالملايين.
وعلقت على الحيطة مريلتها القديمة اللي كانت بتخبز بيها.
وعلقت جنبها المفتاح الصغير اللي كان مربوط بالشريط الأحمر.
وجنبه الصورة اللي لقيتها في الصندوق وهي لابسة الأبيض وبتبتسم ابتسامة ما كنتش شوفتها على وشها طول حياتي.
وتحت الصورة كتبت جملة واحدة فضلت تتكرر في قلبي كل يوم
ما كانتش فقيرة.
..
هم اللي فقروها.
وما كانتش لوحدها…
إحنا بس اتأخرنا.
وساعات سامح بييجي.
مش علشان ياخد حاجة.
ولا علشان يتكلم كتير.
لكنه بييجي يشيل الترابيزات أو يساعد في التنضيف أو يقعد في آخر المكان ساكت أغلب الوقت.
وأنا لحد النهارده ماعرفش إذا كنت هقدر أبصله يوم وأقوله يا أخويا من غير ما أفتكر كل اللي حصل.
لكني في نفس الوقت ما بقتش أكرهه زي الأول.
يمكن لأن أمي نفسها فضلت تحبه لآخر نفس فيها.
ويمكن لأن الحياة عاقبته بطريقة أقسى من أي عقاب كنت أقدر أعمله.
أما نهلة فما رجعتش أبدًا.
وكأنها اختفت في اللحظة اللي اختفى فيها الحلم اللي كانت بتجري وراه.
وكل فترة والتانية كانت توصلني خطابات جديدة من محامي عيلة المنشاوي.
لكن إيديا ما كانتش بتترعش زي زمان.
لأنني ما بقيتش البنت المكسورة اللي كانت قاعدة تحت سقف بينقط ومش عارفة تدفع تمن الدوا.
بقي عندي محامين ومستندات وحقوق.
لكن الأهم
من كل ده إن عندي الحقيقة نفسها.
وعندي صوت أمي وهي بتتكلم من سرير المستشفى بإيديها المتورمة وجسمها المنهك وقلبها اللي كان بيحارب لآخر لحظة.
الفلوس فعلًا كانت صدمة.
والاسم الحقيقي سحب الأرض من تحت رجلي.
لكن أكتر حاجة وجعتني كانت الحقيقة البسيطة اللي اكتشفتها في النهاية.
وهي إن أمي حرمت نفسها من كل حاجة كانت نفسها فيها.
مش لأنها ما كانتش تقدر تشتريها.
لكن لأن كل جنيه من الفلوس دي كان بيفكرها بالناس اللي حاولوا يمحوها من الدنيا.
والناس اللي اشتروا سكوتهم بسنين من عمرها ووجعها.
علشان كده كل ما أشوف أم بتقول إنها شبعت وهي لسه ما أكلتش لقمة واحدة وبتحط أحسن حاجة في الطبق قدام ابنها، بقرب منها وأحط قدامها طبق وأقولها تاكلي هي كمان.
لأن أمي عاشت عمر كامل بتتظاهر إنها مش محتاجة حاجة.
وسابتلي الملايين دي مش علشان أبقى غنية.
لكن علشان أتأكد إن مفيش ست تانية تضطر تختار بين كرامتها
وبين لقمة عيشها.
وساعات كتير بحلم بيها.
أشوفها واقفة في المطبخ بتعجن العجين بإيديها.
لكن وشها ما يبقاش فيه التعب اللي شوفته في آخر أيامها.
وما تبقاش لابسة الهدوم القديمة اللي كانت بترفض تغيرها.
بالعكس.
أشوفها لابسة بلوفر جديد بلون نبيتي جميل كانت نفسها فيه زمان.
وأشوفها بتبصلي وتضحك وتسألني إذا كان السقف لسه بينقط.
فأضحك وأقولها
لا يا أمي.
السقف بقى قوي.
والبيت بقى مليان ناس.
واسمك رجع.
فتضحك الضحكة اللي كنت أعرفها طول عمري.
لكن من غير وجع المرة دي.
ضَحكة مرتاحة.
ضَحكة واحدة أخيرًا عرفت إن تعبها ما راحش هدر.
وساعتها أصحى من النوم وأفهم إن أمي ما سابتليش ثروة ولا ميراث.
أمي سابتلي هدف أعيش عشانه.
وهو إن محدش يقدر يد.فن ست وهي عايشة لمجرد إن الحقيقة اللي معاها بتزعج أصحاب السلطة.
وطول ما باب بيت فاطمة مفتوح.
وطول ما القهوة بتتفور على النار.
وطول ما
فيه حد جعان بيلاقي طبق أكل قدامه من غير ما يمد إيده ويطلب.
هتفضل أمي عايشة.
في كل ضحكة.
وفي كل لقمة.
وفي كل ست أخيرًا قعدت تاكل من غير ما تعتذر.
وفي كل نقطة مطر بتنزل من السما وما بتلاقيش طريقها لجوه البيت
