منوعات

د.فنا امي

عندك حق.
أنا فعلًا ما أعرفش الناس دي بتشتغل إزاي.
وما أعرفش الصفقات اللي بتتعمل في القصور.
وما أعرفش إزاي ممكن حديد.فن بنته وهي عايشة ويكمل حياته عادي.
لكن في حاجة واحدة أعرفها.
سكت المكان كله.
أما أنا فكملت وأنا ببص في عينيه مباشرة
أمي ما سابتش وراها كلام.
أمي سابت ورق.
وسابت تسجيلات.
وسابت تواريخ.
وسابت توقيعات.
وسابت نسخ في أكتر من مكان.
وسابت الحقيقة كلها مكتوبة.
وحفظتها أكتر ما حفظت فلوسها.
وبعدين أخدت نفس عميق وقلت
وأهم حاجة إنها علمتني أعيش وأنا جعانة.

علمتني أستحمل الفقر.
وأستحمل التعب.
وأستحمل الوحدة.
لكن عمرها ما علمتني أخاف.
لا من التهديد.
ولا من الناس اللي فاكرة إن الفلوس تقدر تشتري كل حاجة.
ساد الصمت في المكتب.
صمت تقيل.
لثواني محدش اتكلم فيها.
وفجأة الباب اتفتح مرة تانية.
كل العيون اتلفتت ناحية الباب.
ودخلت الممرضة اللي كنت كلمتها في التليفون.
لكنها ما كانتش لوحدها.
كان معاها ست كبيرة في السن قاعدة على كرسي متحرك.
شعرها أبيض بالكامل.
ولبسها شيك وبسيط في نفس الوقت.

وفيها هيبة غريبة خلت كل اللي في المكتب يتجمدوا للحظة.
والله العظيم حتى عبدالرحمن نفسه اتغير وشه.
وسامح بطل يتكلم.
ونهلة سكتت.
أما عبدالرحمن فخرجت منه كلمة بالكاد اتسمعت
ستي…
رفعت الست عينيها ببطء.
وبصتلي.
وفي اللحظة دي حسيت إن قلبي اتقبض.
لأن عينيها كانوا شبه عيون أمي بشكل مخيف.
نفس النظرة. نفس الهدوء. نفس الحزن القديم.
فضلت باصة لي ثواني طويلة.
وبعدين قالت بصوت مرتعش
إنتِ هناء؟
ما رديتش. ما عرفتش أرد أصلًا. لأن الصدمة كانت أكبر من الكلام.
وفجأة لقيت الدموع بتلمع في عينيها.

وبعدين قالت أنا بهية المنشاوي أم مريم وجدتك.
والله العظيم حسيت إن الأوضة كلها بتميل بيا للحظة، واضطريت أمسك طرف الكرسي علشان أحافظ على توازني، لأن الست اللي قاعدة قدامي على الكرسي المتحرك ما كانتش مجرد ست كبيرة في السن ظهرت فجأة وسط كل الأسرار دي، دي كانت الست اللي اسمها مكتوب في الأوراق، والست اللي طول عمري ما سمعتش عنها حرف واحد، والست الغنية صاحبة القصور والأراضي والشركات، والست اللي كنت متخيلة طول الوقت إنها سمحت لبنتها تضيع وتتنسى وتم.ت لوحدها.
وقف الأستاذ شريف من مكانه وقال بهدوء
الحاجة بهية طلبت بنفسها إنها تكون موجودة النهارده.

في اللحظة دي فقد عبدالرحمن آخر جزء من هدوءه.
ولأول مرة من ساعة ما دخل المكتب شفت القناع يقع من على وشه بالكامل.
وقال بعصبية واضحة
حضرتك ما كانش المفروض تخرجي من القصر.
رفعت الحاجة بهية عينيها ناحيته.
وكان في نظرتها تعب سنين طويلة.
تعب ناس شافت أكتر مما قدرت تتحمله.
وقالت بصوت هادي لكنه حاد بشكل خلّى المكان كله يسكت
وأمك ما كانش المفروض تسرق عمر بنتي هي كمان.
لكن أهو…
عدّت سنين طويلة وأنا سايبة ده يحصل.
وقع الصمت على المكتب كله.
صمت تقيل.

صمت مليان بذكريات وأسرار وذنوب عمرها عشرات السنين.
وبعدين مدّت إيدها ناحيتي ببطء.
إيد مرتعشة من السن.
لكنها كانت ممدودة ليا.
أنا بصيت للإيد.
لكن ما اتحركتش.
ما قدرتش. لأن قلبي كان مليان أسئلة أكتر من أي حاجة تانية.
فضلت مكاني. فأنزلت إيدها بهدوء.
وقالت وهي باصة لي مباشرة أنا اللي ساعدت مريم تهرب. أنا اللي طلعتها من البيت. وأنا اللي دبرتلها الاسم الجديد والمكان اللي تبدأ فيه حياتها من أول وجديد.
سكتت لحظة. وبعدين كملت بصوت اتكسر في آخر الكلام
لكنني كنت جبانة. جبانة أكتر مما تتخيلي.

سمحت للعيلة تمحيها من حياتها علشان ما نخسرش كل حاجة. وسمحت لهم يد.فنوها على الورق وهي لسه عايشة.
ونزلت دمعة من عينها وهي بتكمل كنت ببعتلها فلوس كل سنة.
سنين طويلة. وأحاول أعوض أي حاجة قدرت عليها. لكن بنتي كانت ترفض تصرفها. كانت ترفض تلمسها وكانت بتقولي نفس الجملة كل مرة.
بلعت

ريقي وأنا سامعة.
أما الحاجة بهية فابتسمت ابتسامة موجوعة وقالت كانت بتقولي إنها مش عايزة تشتري رغيف عيش بالحلال.
في اللحظة دي حسيت إن حلقي قفل.
وحسيت بوجع مفاجئ ض.رب صدري كله.
لأن صورة أمي وهي بتعد الجنيهات القليلة قبل ما تشتري دوا الضغط رجعت قدام عيني.
صورة أمي وهي تلبس نفس الجاكيت سنين.
وصورة أمي وهي تضحك وتقول إنها بخير رغم إنها ما كانتش بخير أبدًا.
وبصيت للحاجة بهية وأنا حاسة إن دموعي بتتحرق جوا عيني.

وقلت بصوت مبحوح خارج بالعافية
أمي ماتت وهي بتقول إنها مش معاها فلوس تجيب بلوفر جديد للشتا.
قفلت الحاجة بهية عينيها ببطء.
وكأن كل كلمة قولتها كانت بتوصلها متأخرة سنين طويلة.
وقالت بصوت مكسور
أنا عارفة.
هزيت راسي وأنا حاسة إن الدموع والغضب والوجع متلخبطين جوايا بشكل مش قادرة أسيطر عليه.
وقلت
لا.
إنتِ ما تعرفيش.
ما تعرفيش يعني إيه أشوف رجليها متورمين آخر الليل وأقعد أدلكهم بإيديا علشان تعرف تنام.
ما تعرفيش يعني إيه أفضل أحسب الجنيه فوق الجنيه علشان أجيب شريط دوا.

ما تعرفيش يعني إيه أسمعها تقول إنها مش محتاجة حاجة وهي محتاجة كل حاجة.
ما تعرفيش يعني إيه أمشي ورا جنازتها وأنا مش معايا حتى مصاريف الد.فنة كاملة.
الجيران هما اللي دفعوا.
الجيران هما اللي وقفوا جنبي.
بينما أنتم…
بلعت ريقي وحاولت أكمل.
لكن المرارة كانت أكبر من الكلام.
وقلت
بينما أنتم كنتم بتحولوا مئات الآلاف علشان تضمنوا إنها تفضل ساكتة.
سكتت الحاجة بهية.
وما حاولتش تبرر.
ما حاولتش تدافع عن نفسها.
ما حاولتش تقول إن عندها أعذار.

والله العظيم يمكن دي كانت أول حاجة محترمة تتعمل في اليوم كله.
إنها سكتت.
وتركت الحقيقة تتكلم.
ونزلت دموعها في هدوء.
وقالت
معاكي حق.
في اللحظة دي اتحرك عبدالرحمن خطوة ناحيتها.
وقال بحدة
ستي…
كفاية كلام.
لكن قبل ما يكمل.
الممرضة اتحركت بسرعة ووقفت بينه وبينها.
وقالت بصرامة
ما تكلمهاش بالطريقة دي.
بصلها عبدالرحمن باحتقار واضح.
وقال
خليكي برا الموضوع.
لكن الممرضة ما اتحركتش.
ولا حتى رمشت.
مدت إيدها في شنطتها.
وطلعت فلاشة صغيرة.
ورفعتها قدام الكل.

وقالت
أنا في الموضوع من يوم ما مريم طلبت مني أحافظ على دي.
في اللحظة دي اتجمد عبدالرحمن مكانه.
وشوفت الخوف يعدي في عينيه لأول مرة.
أما الأستاذ شريف فمد إيده وأخد الفلاشة.
وبص للممرضة.
فقالت
ده تسجيل.
مريم صورته في المستشفى قبل وفاتها بتلات أيام.
والله العظيم أول ما سمعت الجملة دي حسيت إن قلبي وقف.
لأن في حاجات كتير الإنسان يقدر يستعد يسمعها.
لكن مفيش حد يقدر يستعد يسمع صوت أمه بعد ما تمو.ت.
مفيش حد يقدر يجهز نفسه للحظة زي دي.

ركب الأستاذ شريف الفلاشة في الكمبيوتر.
والكل سكت.
حتى الأنفاس بقت مسموعة.
وبعد ثواني ظهر الفيديو على الشاشة.
وظهرت أمي.
أمي فعلًا.
نايمة على سرير المستشفى.
وشها كان شاحب.
وشعرها لازق في جبينها من التعب.
وإيديها متورمين.
والمرض كان باين عليها من أول نظرة.
لكن عينيها…
عينيها كانت لسه زي ما هي.
لسه فيها نفس الحنية.
ونفس القوة.
ونفس النظرة اللي كانت تطمني بيها طول عمري.
وبعدين اتحركت على الشاشة.
وقالت
هناء…

انت في الصفحة 5 من 7 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى