الجزء الثاني “عشان أحمد… أحمد مش ابنك يا سامح!” الكلمة وقعت في الأوضة وسطنا. فضلت واقف مكاني، لا قادر أتكلم ولا قادر حتى آخد نفسي. بصيت لعلا، وبعدين بصيت لأبوها وأمها، وبعدين رجعت بصيت لعلا تاني. قلت بصوت متقطع: “إنتِ… إنتِ قلتي إيه؟” علا نزلت عينيها في الأرض، ومحمد كان نايم على رجلها، وهي حاضناه كأنها بتحاول تختبئ وراه من الحقيقة. صرخت: “قوليها تاني!” عم حسنين قام من مكانه وقال: “علا… إنتِ بتقولي إيه؟! إنتِ واعية للكلام اللي بتقوليه؟”
حماتي حطت إيدها على بقها وبدأت تبكي. أما حاتم، أخو علا، ففضل واقف مكانه كأنه مش فاهم حاجة. قربت من علا خطوة وقلت: “أحمد مش ابني إزاي؟! أحمد ابن مين؟!” علا انفجرت في العياط، وقالت: “أنا مكنتش عايزة أقولك… والله ما كنت عايزة!” صرخت فيها: “أمال كنتِ ناوية تعملي إيه؟ تسيبيه يموت من غير ما أعرف ليه؟!” عم حسنين مسكها من كتفها: “بصيلي يا علا… أحمد ابن مين؟” علا سكتت. هزيتها بعيني وأنا بقول: “ردي!”
قالت بصوت واطي: “أنا… أنا غلطت.” حسيت الدنيا بتلف بيا. “غلطتي إزاي؟” قالت وهي بتبكي: “في وقت كنت فاكرة إنك مش هتخلف أبداً…” اتجمدت. “كملي.” قالت: “بعد سنين الدكاترة والعلاجات، وبعد ما كل دكتور كان يقول كلام مختلف، أنا تعبت… تعبت من الانتظار، تعبت من نظرات الناس، تعبت من كل مرة حد يسألني: لسه مخلفتوش ليه؟” قلت: “وده يفسر إيه؟” بصتلي وهي منهارة: “أنا عملت حاجة من وراك.” قلبي وقع في رجلي. “عملتي إيه؟” لكن قبل ما تكمل، حاتم صرخ:
“علا! إنتِ مجنونة؟!” بصيت له: “إنت عارف؟!” حاتم سكت. قربت منه: “إنت عارف يا حاتم؟!” قال: “والله ما أعرف حاجة!” صرخت: “يبقى ليه اتخضيت؟!” عم حسنين دخل بينا: “يا سامح اهدى، خلينا نفهم الأول.” قلت: “أنا هادي… بس أنا عايز الحقيقة كاملة.” رجعت بصيت لعلا: “اتكلمي.” مسحت دموعها وقالت: “قبل الحمل بشهور… أنا روحت لدكتور لوحدي.” قلت: “أي دكتور؟” قالت: “دكتور علاج عقم.” قلت: “وأنا كنت عارف.” قالت: “لا… المرة دي روحت من غيرك.” سكت.
“ليه؟” قالت: “كنت عايزة أعرف هل في حل تاني غير كل اللي عملناه.” قلت: “وبعدين؟” قالت: “الدكتور قالي إن فرص الحمل الطبيعي ضعيفة جداً… وإن ممكن نحتاج لتدخل طبي.” قلت: “وده برضه أنا كنت موافق عليه.” هزت رأسها: “بس أنا خفت.” “خفت من إيه؟” قالت: “خفت إننا نعمل كل ده وفي الآخر منخلفش.” قلت: “وبعدين؟” علا بدأت تتنفس بسرعة. “في نفس الفترة… اتعرفت على واحدة.” قلت: “واحدة مين؟” سكتت. قلت: “علا!” قالت: “ست كانت بتشتغل في نفس المكان اللي كنت بروحه.”
“وعملت إيه الست دي؟” قالت: “قالتلي إن عندها حل… وإن في طريقة ممكن تساعدني أحمل.” ضحكت من الصدمة: “حل؟! إيه الحل؟!” قالت: “قالتلي إنها تعرف مركز بيعمل عمليات مساعدة على الإنجاب.” قلت: “طيب وإيه المشكلة؟” قالت: “المشكلة إني… عملت الإجراء من غير ما أقولك.” سكت لحظة. قلت: “إجراء إيه؟” علا بدأت تعيط تاني. “أنا… استخدمت عينة…” وقفت. “عينة إيه؟” بصتلي في عيني لأول مرة. “عينة من متبرع.” الأوضة كلها سكتت. أنا شخصياً حسيت إني مش فاهم اللغة اللي بتتكلم بيها.
قلت: “يعني إيه متبرع؟” قالت: “يعني… حملت عن طريق حيوان منوي من شخص تاني.” كأن حد صفعني. رجعت خطوة لورا. “إنتِ بتقولي إنك حملتي من راجل تاني؟!” صرخت: “لا! مش بالطريقة دي!” قلت: “أمال بأي طريقة؟! النتيجة واحدة!” عم حسنين وقع على الكنبة وحط إيده على صدره. حماتي انفجرت في البكاء: “يا بنتي! يا بنتي عملتي في نفسك وفي جوزك إيه؟!” أما أنا، فكان عندي سؤال واحد بس. “محمد كمان من العينة دي؟” علا هزت رأسها بسرعة.
“لا.” “أمال محمد ابني؟” قالت: “أيوه.” سألتها: “وأحمد؟” هنا سكتت. قلت: “أحمد من المتبرع؟” هزت رأسها. “أيوه.” حسيت رجلي مش شايلاني. قعدت على الكرسي. فضلت باصص في الأرض. سبع سنين… سبع سنين وأنا فاكر إن ربنا أخيراً عوضني. سبع سنين وأنا بقول إن العيل ده ثمرة صبرنا. سبع سنين وأنا كنت مستعد أبيع عمري كله عشان أشوف طفل يناديني “بابا”. وفجأة اكتشفت إن واحد من الولدين اللي خرجوا للدنيا مع بعض مش ابني بيولوجياً. لكن وسط كل الصدمة، صورة أحمد وهو سخن ومرمي لوحده رجعت قدام عيني.
وقلت: “طيب.” رفعت عيني لعلا. “لو أحمد مش ابني… ليه كرهتيه؟” علا انهارت. قالت: “لأني أول ما عرفت إن الحمل نجح… كنت فاكرة إن الطفل اللي في بطني هيكون طفل واحد.” قلت: “وبعدين؟” قالت: “في الشهر التاني الدكتور قال إن في توأم.” قلت: “وده المفروض كان خبر يفرحنا.” قالت: “أنا فرحت… بس بعدها حصلت حاجة.” “إيه؟” قالت: “الدكتور قال إن واحد من الأجنة ممكن يكون من الحمل الطبيعي.” سكت. قلت: “يعني إيه؟” قالت: “يعني العملية اللي عملتها كانت فيها عينة المتبرع، لكن في نفس الفترة حصل حمل طبيعي منك أنت كمان.”
بصيت لها بعدم تصديق. “يعني؟” قالت: “يعني حصل حمل مزدوج… جنين منك، وجنين من المتبرع.” ما قدرتش أتكلم. حاتم قال: “يعني التوأم مش من نفس الأب؟” علا هزت رأسها. “أيوه.” عم حسنين قال بصوت مرتجف: “وده ممكن يحصل؟” علا قالت: “الدكتور قال إنه نادر جداً… لكنه ممكن يحصل.” أنا كنت سامعهم، لكن دماغي كانت واقفة عند حاجة واحدة. “طيب إنتِ عرفتي إمتى إن أحمد هو ابن المتبرع ومحمد ابني؟” علا سكتت. قلت: “عرفتي إمتى؟” قالت:
“في الشهر السادس.” صرخت: “في الشهر السادس؟!” قالت: “عملت فحص.” “ومن غيري؟” هزت رأسها. “أيوه.” قلت: “وعرفتي إن محمد ابني وإن أحمد مش ابني؟” قالت: “أيوه.” ضحكت ضحكة مليانة وجع. “يعني عيشتي معايا كل الفترة دي وإنتِ عارفة؟” قالت: “كنت خايفة.” “خايفة من إيه؟” قالت: “خايفة تخسرني… وخايفة تسيبني… وخايفة لما تعرف إن أحمد مش ابنك ترفضه.” قلت: “طب وإنتِ؟” سكتت. قلت: “إنتِ رفضتيه ليه؟” قالت: “لأني كنت كل يوم ببص له وأفتكر الغلطة اللي عملتها.”
هنا بدأت الصورة تتجمع في دماغي. قالت: “كل ما أبص لمحمد أقول ده ابن سامح… ده اللي ربنا عوضني بيه.” “وأحمد؟” قالت: “كنت أشوفه قدامي وأفتكر إن وجوده هيكشف كل حاجة.” قلت: “فكرهتيه؟” قالت: “أيوه.” “لدرجة إنك كنتِ عايزة تسيبيه يموت؟” قالت: “أنا مكنتش عايزة يموت.” صرخت: “أمال كنتِ عايزة إيه؟!” قالت: “كنت عايزة يختفي من حياتنا.” سكت. ثم قلت: “من حياتنا؟ ولا من حياتك؟” ما ردتش. قربت منها وقلت: “أحمد مالوش ذنب في غلطتك.”
قالت: “عارفة.” “أحمد طفل.” قالت: “عارفة.” “أحمد عمره أسبوعين.” بدأت تعيط. “عارفة.” قلت: “طب ليه عاقبتيه؟!” صرخت وهي بتعيط: “لأني كنت بخاف منه!” قلت: “بتخافي من رضيع؟!” قالت: “كل ما ألمسه كنت بحس إنه هيكشفني… كنت بحس إنه بيبصلي وبيعرف إني مش أمه الحقيقية!” عم حسنين قال: “يا بنتي ده طفل! إزاي طفل رضيع يخوفك بالشكل ده؟!” علا مسحت دموعها وقالت: “أنا عارفة إني غلطانة.” قلت: “لا… إنتِ مش فاهمة.” بصيت لها وقلت: “إنتِ غلطتي أول مرة لما عملتي حاجة من ورايا.”
سكت. “وغلطتي تاني لما عرفتي الحقيقة وخبيتيها.” سكت. “وغلطتي تالت مرة لما ميزتي بين طفلين.” ثم رفعت صوتي: “لكن أكبر غلطة عملتيها إنك خليتي أحمد يدفع تمن ذنب إنتِ اللي عملتيه!” علا انهارت في البكاء. لكن فجأة، حماتي قالت جملة خلتني أبصلها: “سامح… في حاجة تانية.” بصيت لها. “إيه؟” قالت: “علا مش حكتلك كل حاجة.” علا انتفضت: “ماما!” بصيت لحماتي: “إيه اللي مخبي؟” حماتي كانت مترددة. عم حسنين قال: “قولي يا أم محمد.” قالت: “أنا عرفت بالحكاية دي قبل الولادة.”
اتصدمت. “إنتِ؟!” هزت رأسها. “أيوه.” قلت: “وعرفتي إن أحمد مش ابني؟” قالت: “عرفت إن في مشكلة في نسب واحد من التوأم.” بصيت لعلا. “وإنتِ خليتي أمك تعرف وسكتي؟” قالت: “كنت محتاجة حد يساعدني.” قلت: “طب ليه أمك ما قالتليش؟” حماتي بدأت تبكي: “لأني خفت عليك.” قلت: “خفتِ عليا من إيه؟” قالت: “خفت إنك تعمل في بنتي حاجة.” قلت: “يعني بدل ما تحموني من الحقيقة، حميتي بنتك من نتيجة غلطتها؟” عم حسنين ضرب كف بكف: “يا سامح والله ما كنا عارفين نعمل إيه.”
قلت: “وكان الحل إنكم تسيبوا طفل بريء يتعذب؟” سكتوا. ثم فجأة، صوت محمد بدأ يعيط من الأوضة. علا قامت بسرعة ودخلت له. وقفت عند باب الأوضة وبصيت عليها. كانت شايلة محمد وبتطبطب عليه بحنان. نفس الحنان اللي حرمت أحمد منه. في اللحظة دي، موبايلي رن. كانت أختي هدى. رديت: “أيوه يا هدى.” صوتها كان مختلف. “سامح… تعالى بسرعة.” قلبي اتقبض. “أحمد ماله؟” قالت: “الحرارة رجعت تعلى.” وقفت مرة واحدة. “كام؟” قالت: “أنا قستها… عالية.” قلت:
“أنا جاي حالاً.” قفلت التليفون، وكنت هخرج. لكن قبل ما أتحرك، سمعت صوت علا ورايا: “سامح.” وقفت. بصيت لها. كانت واقفة عند باب الأوضة، محمد في حضنها. قالت: “خد محمد معاك.” اتصدمت. “ليه؟” قالت: “عشان لو أخدت أحمد للدكتور… أنا عايزة أشوفه.” قلت: “تشوفي مين؟” قالت: “أحمد.” أول مرة من ساعة ما بدأت الحكاية، شفت في عينيها حاجة مختلفة. مش كره. مش غضب. مش تحدي. كان خوف. قلت: “إنتِ خايفة عليه؟” قالت: “مش عارفة.” سكتت لحظة.
ثم قالت: “بس من ساعة ما عرفت إنك عرفت الحقيقة… أنا مش قادرة أبطل أشوف صورته قدامي.” بصيت لها. قالت: “يمكن… يمكن أنا ظلمته.” قلت: “يمكن؟” دموعها نزلت. “أنا ظلمته.” لكن الوقت ما كانش يسمح بكلام أكتر. جريت على العربية. وفي الطريق، اتصلت بهدى. قالت: “سامح، أحمد بدأ ينهج.” قلبي وقع. دعست بنزين. “خليكي معاه، أنا جاي.” وصلت البيت، طلعت أجري. لقيت هدى شايلة أحمد ووشها مليان رعب. قالت: “سامح، الولد حالته مش مريحة.” أخدته منها وخرجت أجري على المستشفى.
وأثناء ما كنت داخل الطوارئ، هدى كانت بتجري ورايا. دخلنا قسم الأطفال. الدكتور كشف عليه بسرعة. وبعد دقائق قال: “لازم يتحجز فوراً.” قلت: “هو خطر؟” الدكتور بصلي بجدية: “محتاج متابعة وعلاج سريع.” قلت: “هينجو؟” قال: “إن شاء الله، بس لازم نتصرف.” وقفت جنب السرير، مسكت إيد أحمد الصغيرة. وقلت: “سامحني يا ابني.” دموعي نزلت. “سامحني إني كنت فاكر إن كل حاجة تمام.” بصيت لوشه الصغير. “حتى لو مش من دمي… إنت ابني.” في اللحظة دي، موبايلي رن.
رقم غريب. رديت: “ألو؟” جالي صوت راجل كبير: “الأستاذ سامح؟” قلت: “أيوه.” قال: “أنا الدكتور اللي تابع حالة علا.” سكت. قال: “لازم نتكلم.” قلت: “عن إيه؟” قال: “عن الحمل.” قلت: