“المحامي مدحت كلم منى على تليفونها يا نجلاء.. وأنا اللي رديت.”
الناحية التانية سكتت فجأة.. صوت العياط المصطنع اختفى تماماً، وظهر نفس مكتوم فيه خوف. حسام كمل وقال بصوت عالي: “بتقولي كلام غير صحيح على زوجتي عشان تداري على قضاياكي ومشاكلك اللي مخبياها عننا وعن زوجك؟! بتخربي بيتي وتدخلي الشك بيني وبين زوجتي عشان خايفة تتكشفي؟! والله يا نجلاء، لو ما جيتي حالاً هنا واعتذرتي لها، لكون مكلم زوجك وقايل له على كل المشاكل اللي بتعمليها من وراه، ومش هتشوفي وشي تاني!”
قفل الخط في وشها وحط التليفون على الترابيزة وهو مضايق جداً. لف ليا وكان بينهج:
“أهي هتيجي.. هتيجي تعتذر لك يا منى، بس متمشيش وتسيبي البيت.”
بصيت له بهدوء وسحبت شنطتي وفتحت باب الشقة وقلت له قبل ما أنزل على السلم: “تيجي ولا متجيش، الموضوع مابقاش يخصني.. أنا ماشية لبيت أبويا، واللي بيني وبينك يا حسام مابقاش تليفون أو أخت.. اللي بيني وبينك ثقة اتهزت، ودي مابتتصلحش بكلمتين.”
نزلت على السلم وأنا سامعة صوته وهو بينادي عليا، بس ركبت أول تاكسي قابلني وتوجهت لبيت أهلي.. وأنا في الطريق، كنت حاسة بزعل كبير في قلبي، وعارفة إن اللي جاي مش هيعدي بالساهل، وإن رجوعي لحسام تمنه هيبقى غالي.
وصلت بيت أبويا والساعة كانت داخلة على واحدة بالليل. أول ما أمي فتحت الباب وشافت الشنطة في إيدي ووشي المتغير، شهقت وحطت إيدها على صدـ,,ـــرها: “يا ساتر يارب! في إيه يا منى؟ مالك يا بنتي؟ إنتي وحسام اتخانقتوا؟”
دخلت الصالة وحطيت الشنطة من إيدي، وجسمي كله بدأ يترعش بعد ما كنت متماسكة طول الطريق. أبويا صحي على صوتنا وخرج من أوضته وهو قلقان:
“في إيه يا منى؟ جوزك جراله حاجة؟ ولا عمل فيكي إيه؟”
قعدت على الكنبة وبدأت أعيط، وجع السنين والظلــ,,ـــــم اللي عشته في الكام ساعة اللي فاتوا طلع كله دفعة واحدة. أمي قعدت جنبي تطبطب عليا وأبويا قال بقلق: “اتكلمي يا بنتي قلقتينا! إيه اللي جابك بالليل كده؟”
حكيت لهم كل حاجة من الأول للآخر.. عن نجلاء وتفتيشها في تليفوني، وعن الخناقة، ولما قالت كلام غير صحيح على أخوها، ولحد مكالمة المحامي اللي كشفتها، وحسام اللي صدق في الأول. أبويا وعيونه باين عليها الغضب، خبط بإيده على الترابيزة وقال:
“تقول كلام غير صحيح على بنتي؟ وناس تصدق فيكي كلمة وترفع صوتها عليكي! الناس دي فاكرة بنات الناس لعبة في إيديهم؟”
أمي كانت بتدعي وتعيط من الصدمة: “حسام يعمل كده؟ حسام اللي كنا بنقول عليه عاقل وبيحبك؟ يصدق فيكي عشان كلمة من أخته؟”
أبويا بص لي وبصوت حازم قال: “ارتاحي يا بنتي في أوضتك، والبيت بيتك ومطرحك، ومحدش يقدر يزعلك طول ما أنا عايش.. والجدع ده لو جيه هنا، أنا اللي هعرفه مقام بنتي.”
وتاني يوم الصبح.. اللي حصل كان المفاجأة اللي قلبت كل الموازين.
دخلت أوضتي القديمة، نمت على السر,,ـــــير وأنا ببص للسقف.. التليفون في إيدي مكنش بيبطل رن. رسايل من حسام ورا بعض: “منى ردي عليا”، “أنا مش قادر من غيرك”، “نجلاء عندي في البيت وبتعترف بكل حاجة.. أرجوكي ارجعي عشان نخلص الموضوع قدامك”. قفلت التليفون خالص ومسحت دموعي ونمت من كتر التعب. الصبح صحيت على صوت خبط على باب الشقة بره، وصوت عالي. قمت بسرعة وطلعت الصالة.. لقيت حسام واقف ووشه في الأرض، وجنبه نجلاء واقفة مضطربة وعينيها مورمة من كتر العياط، ووراهم أم حسام (حماتي) ووشها متغير.
أبويا كان واقف قدامهم في الصالة وأخويا الكبير “أحمد” اللي عرف باللي حصل وجيه وباين عليه الضيق. أبويا قال لحسام بنبرة جادة: “إنت جاي تعمل إيه هنا يا حسام؟ وجايب معاك نجلاء ليه بعد اللي قالته في حق بنتي؟”
حسام اتكلم بصوت مكسور وقدام الكل“يا عمي.. أنا جاي أعتذر. أنا غلطت، وأختي غلطت وجاية تعترف بغلطها وتعتذر لمنى قدامكم كلكم.. أنا عرفت الحقيقة.”
أحمد أخويا قرب من حسام خطوة وقال بحدة:
“تعتذر؟ الاعتذار ده يمسح كلمة قالتها في حق أختي؟ إنت لو بتحب مراتك كنت وقفت أختك قبل ما تروح لبيت أبوها! لكن إنت جيت واتهمتها من غير دليل!”
حماتي اتدخلت وقالت بصوت واطي: “حقكم علينا يا جماعة، نجلاء غلطت والشيطان عمى عينيها عشان تداري على مشكلتها، وإحنا مش قادرين نبص في وشكم، بس عشان خاطر العشرة والبيوت المفتوحة.. سامحوها المرة دي.”
أبويا بص لنجلاء وقال لها: “قولي اللي عندك يا ست نجلاء.. إيه اللي شفتيه على تليفون بنتي؟”
نجلاء قدمت خطوة وهي بتبص في الأرض وصوتها بيترعش:
“أنا آسفة يا منى.. أنا قلت كلام مش حقيقي على حسام. منى محترمة ومفيش حاجة على تليفونها، أنا اللي كنت بستخدم تليفونها من وراكم عشان أكلم المحامي في قضية المحلات اللي رافعاها على محلات جوزي، وعشان جوزي ميعرفش، ولما منى منعتني خفت تفضحني فقلت كلام غير صحيح.. سامحيني يا منى، أرجوكي سامحيني حسام هيقول لجوزي.”
كنت واقفة بعيد، وبصيت لهم كلهم بهدوء.. الزعل كان لسه جوايا، وبصيت لحسام اللي كان مستني مني كلمة، بس الكلمة اللي طلعت مني فاجأت الكل.
قلت لهم بثبات: “أنا هسامح.. بس بشرط. تليفوني وبيتي ليهم خصوصية، واحترام متبادل. ولو اتكرر اللي حصل تاني، مفيش رجوع.” حسام وافق فوراً، ونجلاء وعدت إنها مش هتدخل بيتي إلا ضيفة محترمة، وحماتي قالت: “منى بنت أصول وتستاهل كل خير.” ورجعت بيتي مرفوعة الراس، وحسام من يومها اتعلم إن الثقة أهم من أي كلام، وإن الخصوصية خط أحمر. انتهتسكت لحظة وأنا بستوعب فكرة أحمد، وبصيت للورق اللي في إيدي وكأني ماسكة موضوع خطير. عادل طليقها هو فعلاً أكتر واحد يعرفها، وأكتر واحد شاف منها مشاكل وعارف طريقتها.
أحمد طلع تليفونه وطلب رقم عادل، ورد عليه بسرعة وجيه صوته قلقان: “أيوة يا أستاذ أحمد.. طمني، منى حكت لك على اللي نجلاء ناوية تعمله؟ لحقتوا حسام؟”
أحمد رد عليه بصوت حازم وثابت:
“لحقناه يا عادل، ومعانا دليل يثبت إن كلام نجلاء غير صحيح.. إحنا تحت مكتب المحامي مدحت حالاً، وعاوزين نقابلك في أسرع وقت وفي مكان بعيد عن الناس.”
عادل وصف لنا عنوان مقهى هادي وقريب من المنطقة، وفي ظرف ربع ساعة كنا وصلنا. قعدنا في ركن بعيد، وعادل أول ما شافنا جه بسرعة وعلامات قلة النوم والتعب باينة على وشه. قعد وبص للورق اللي أحمد حطه على الترابيزة وسأل بذهول: “إيه الورق ده؟”
أحمد فتح المدــ,,ـــــادثة وشغّل التسجيل الصوتي بتاع نجلاء وهي بتقول للمحامي: “أنا هعمل حجر عليها وآخد البيت الكبير وأخرجها هي وأخوها.. وجبت لك شهادات طبية غير صحيحة!”
عادل حط إيده على راسه واتصدم، وبص لي وقال: “لا حول ولا قوة إلا بالله.. دي ناوية تعمل مشكلة كبيرة، حجر على أمها ومشكلة لأخوها؟! طيب والعمل؟ إنتوا لو بلغتوا حسام، حسام هيعمل مشكلة كبيرة.”
أحمد مال بجسمه لقدام وقال بنبرة مليانة ذكاء: “عشان كده إحنا جينا لك إنت يا عادل.. الورق ده فيه أوراق غير صحيحة وشهادات غير سليمة، يعني نجلاء ممكن تتعرض للمساءلة القانونية. بس إحنا مش عاوزين مشاكل لحسام وأمه.. إحنا عاوزين نجلاء تبعد عن طريقنا وتنسى الموضوع ده خالص، والوحيد اللي هيعرف يقنعها هو إنت.”
عادل استغرب وسأل:
“أنا؟ إزاي وأنا مطلقها؟”
أحمد رد عليه: “بص يا عادل.. نجلاء بتحب الفلوس والملكية، والورق ده لو راح لطليقها، وطليقها نصحها إن اللي بتعمله غلط وممكن يسبب لها مشكلة كبيرة في حضانة الأولاد وحقوقها، نجلاء هتتراجع. إنت هتاخد الورق ده وتكلمها، وتقول لها إن المحامي مدحت خاف على نفسه وسلم الورق، وهتنصحها تختار بين الاستمرار في طريق غلط، وبين إنها تمضي على تنازل عن وصولات الأمانة بتاعة حسام، وتنازل عن أي قضية حجر، وتتعهد إنها متتعرضش لحسام أو مراته تاني..
وبكده، إنت هتحمي أولادك من مشاكل، وإحنا هنحمي بيتنا من غير ما حسام يعمل مشكلة كبيرة
عادل عينه لمعت، والزعل اللي كان جواه بسبب خراب بيته بدأ يتحول لطاقة ورغبة في حل المشكلة بذكاء. سحب الورق والتسجيل وقال بصوت فيه إصرار: “والله يا أحمد.. لأخليها تمضي على ورق ينهي الموضوع وتتنازل عن كل حاجة عشان ما تتعرضش للمساءلة القانونية! أنا هكلمها حالاً وأخليها تجيلي على بيت أبوها ونخلص الحكاية دي الليلة.”
ودعنا عادل وأنا وأحمد ركبنا العربية وراجعين. كنت حاسة بنوع من الراحة، بس التوتر لسه ساكن قلبي. وصلت بيتي قبل ما حسام يرجع من الشغل، غيرت هدومي وقعدت استناه.
على الساعة 6 بالليل، حسام رجع. دخل وبص لي وابتسم، بس ملامحه كانت باهتة.. قعد جنبي وحط راسه على كتفي وقال بتنهيدة مليانة تعب:
