منوعات

جوزى

بعدها بساعات، وبعد ما باقي الأطفال مشيوا، قعدت أنا وسلوى على بطانية في الجنينة، وميا كانت نايمة في الضل.
قالت سلوى بصوت واطي
ساعات لسه بحس بالذنب، كأني أخدت منك الحاجة دي.
بصيت لها وقلت
إنتِ ما أخدتيش مني حاجة.
قالت
بس ميا…
قاطعتها بهدوء
ميا ما كانتش بتاعتي من البداية.
قالت
جوزك كان عايزها تبقى بتاعتك.
رديت
هو ما كانش عايز يملكها لوحدها. هو كان عايز يتحكم فينا إحنا التلاتة.
بصت سلوى لبنتها وهي نايمة.
وقالت
أنا آسفة.

رديت بصراحة
أنا لسه بزعل إني ما جبتش طفل من عندي. الوجع ده مش بيختفي فجأة. بس أخيرًا فهمت إن إن حد يناديني ماما مش هو الطريق الوحيد اللي حياتي ممكن يبقى ليها معنى.
مدت إيدها وضغطت على إيدي.
وقالت
ميا بتحبك جدًا.
ابتسمت.
وأنا كمان بحبها. وعلشان كده بالذات، ما كنتش هقدر أقبلها لو كانت جايالي وهي ملفوفة في كذبة.
في المساء، ظهر إيميل من جوزي في صندوق بريدي.
كان عنوانه
المسامحة.
كتب رسالة طويلة بيتكلم فيها عن قد إيه وحشاه وجودي في حياته.

ولام أبوه وأمه على كل اللي حصل.
وادعى إنه أخيرًا فهم قيمتي الحقيقية.
وبعدين اشتكى إن مفيش حد بقى يهتم بيه زي ما أنا كنت بعمل.
قريت كل كلمة.
وبعدين ضغطت على الرد وكتبت جملة واحدة
أنا كنت فاهمة كل حاجة وقتها يا جوزي، ولسه فاهمة كل حاجة لحد دلوقتي.
وبعدها عملت حظر نهائي لإيميله.
بعد كام سنة، كانت ميا قاعدة معايا على ترابيزة المطبخ بنلوّن سوا، وفجأة سألتني سؤال خلاني أضحك.
خالتو سارة، إنتِ كنتِ عايزة تبقي ماما ليا؟
سلوى وقفت مكانها وهي كانت لسه بتتحرك ناحية الحوض.

حطيت القلم من إيدي، ونزلت على ركبتي علشان أبقى في مستوى عين ميا.
وقلت لها
أنا فعلًا كنت نفسي أبقى ماما جدًا يا حبيبتي. بس إنتِ كان عندك ماما من البداية، وماما دي بتحبك أكتر من أي حاجة في الدنيا.
ميا كرمشت وشها وهي بتفكر بجدية.
وبعدين قالت
يعني إنتِ الحاجة التانية بتاعتي.
ابتسمت.
وقلت
حاجة تانية إيه؟
قالت
زي ماما، بس مش ماما. زي الكشاف الصغير اللي بنستعمله لما النور الكبير في البيت كله يطفى.
عيني اتملت دموع.
وقلت لها
كشاف الطوارئ؟
هزت راسها بسعادة.

أيوه.
ابتسمت وقلت
عجبتني أوي.
وفجأة رمت دراعها حوالين رقبتي وح،ضنتني.
يوم ما خرجت من حياة جوزي، كنت مقتنعة إني خسرت فرصتي الوحيدة إني أعمل عيلة.
لكن الحقيقة إني خرجت من سفرة كان ناس قاسيين قاعدين عليها وبيضحكوا في وشي، لأنهم كانوا مقتنعين إن سكوتي معناه إني غبية.
ودخلت حياة جديدة.
حياة فيها دوشة وفوضى وضحك ووجع وحاجات ما كنتش مخططالها.
لكن فيها حاجة عمرها ما كانت موجودة قبل كده.
صوتي كان مسموع.
جوزي كان عنده حق في حاجة واحدة بس.
أنا فعلًا سكت فترة طويلة.
كنت بابتسم بأدب.

وبقدم الحلو.
وبسيبهم يتكلموا.
لكن السكوت مش دايمًا معناه ضعف.
ساعات الست بتكون بس بتسمع.
وساعات بتكون بتتعلم.
وساعات بتفضل ساكتة، وتجمع كل كلمة إنت بتقولها.
ولما تقرر أخيرًا ترد، بترد بنفس اللغة اللي كنت بتستخدمها علشان تحسسها إنها أقل منك.
بس المرة دي، كل كلمة بتقولها بتكون سبب في حريتها

انت في الصفحة 5 من 5 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى