لم أكن أتخيل أن يأتي اليوم الذي أجلس فيه أمام المحامي وأطلب منه أن يكتب في وصيتي أن بيتي لن يذهب إلى أبنائي الأربعة ، بل إلى ابنتي الصغرى وحدها. وحين خرج الخبر إلى العائلة قبل أن أنطق به بنفسي ، لم يقل أحد إنني ربما أملك سببًا واحدًا يجعلني أفعل ذلك. كل ما سمعته كان جملة واحدة تتكرر على ألسنة الجميع أمك لم تعد عادلة. قال ابني الأكبر إن شقيقته غسلت عقلي حتى أكتب لها البيت.
وقالت ابنتي الثانية إنني أفرق بين أولادي في آخر العمر. أما ابني الثالث فاكتفى بالنظر إليّ طويلًا ثم قال بعد كل ما فعلناه هذا جزاؤنا؟ جلست أستمع إليهم جميعًا دون أن أقاطع أحدًا. ولو سمعهم أحد ، لظن أنني ظلــ,,ـــــمت ثلاثة أبناء من أجل ابنة واحدة لكن الحقيقة لم تبدأ عند مكتب المحامي بل بدأت قبل سنوات طويلة جدًا. أنا أم لأربعة أبناء وأقسم أنني يوم كانوا صغارًا لم أفرق بينهم في شيء.
الملابس كانت تشترى للجميع والمدارس نفسها ومن يمرض كنت أسهر عند رأسه كما أسهر عند إخوته ولم يكن في قلبي مكان أكبر لواحد منهم دون الآخر وحين كبروا وقفت بجوار كل واحد منهم بالطريقة التي استطعت بها. ابني الأكبر يوم تزوج لم يكن يملك ثمن مقدم شقته.بعت جزءًا من ذهبي وساعدته حتى يبدأ حياته وابنتي الثانية تكفلت بمصاريف زفافها حين ضاقت بها الأحوال.أما ابني الثالث فدخل مشروعًا وخسر كل ما يملك وأعطيته من مدخرات عمري حتى لا يبدأ من الصفر.
ولم أندم يومًا.كنت أقول دائمًا ما داموا أولادي فما أملكه هو لهم.
ولم أسجل شيئًا على أحد ولم أطلب من أحد أن يرد لي ما أخذ. كنت أعتبر أن سعادة أولادي هي الربح الوحيد الذي أريده من الدنيا. ومرت السنوات واستقرت حياة الجميع. كل واحد أصبح لديه بيته وأسرته وحياته التي انشغل بها.إلا ابنتي الصغرى كانت الوحيدة التي بقيت قريبة مني ولم أكن وقتها أرى في ذلك شيئًا مختلفًا لكن الأيام هي التي جعلتني أكتشف الفرق بين من يزور أمه ومن يعيش مطمئنًا لأنها بخير دون أن يسأل كيف أصبحت بخير أصلًا.
كانت ابنتي الصغرى تسكن على بعد عدة شوارع فقط. في البداية كانت تمر كل يومين لتطمئن عليّ ثم أصبحت تمر كل يوم.لم أطلب منها ذلك يومًا.بل كنت أعاتبها أحيانًا وأقول عيشي حياتك يا ابنتي لا تشغلي نفسك بي. فتبتسم وتجيب حين أنتهي من الاطمئنان عليكِ ومع مرور السنوات صارت تعرف مواعيد دوائي أكثر مني. هي التي كانت تصحبني إلى الطبيب وتنتظر معي في المستشفى ساعات طويلة دون أن تشتكي وإذا تعطلت الكهرباء أو احتاج البيت إلى إصلاح كانت هي أول من يحضر.
وحين بدأت ركبتي تؤلمني ، أصبحت تنظف البيت بنفسها وتملأ الثلاجة بالطعام قبل أن تذهب. ولم أسمع منها يومًا كلمة تشعرني أنني أصبحت عبئًا عليها. بل على العكس كانت تجعلني أشعر أن وجودي في حياتها نعمة. وفي المقابل كان أولادي الآخرون يزورونني بين حين وآخر. أفرح برؤيتهم وأدعو لهم ولم أعاتب أحدًا منهم.
كنت أعرف أن لكل واحد حياته وأسرته ومسؤولياته. لكنني أيضًا كنت أعرف من الذي كان يتركني في غرفة الطوارئ بعد انتهاء الزيارة ويعود إلى عمله
ومن الذي كان يجلس بجوار سر,,ـــــيري حتى أفتح عيني. ثم جاء اليوم الذي عرضوا فيه على ابنتي وظيفة في مدينة بعيدة. كان راتبها أكبر بكثير. وفرصة لا تتكرر.فرحت لها من قلبي وقلت لها اذهبي لا تجعلي وجودي يقف في طريق مستقبلك. ظننت أنها ستوافق.لكنها عادت بعد أيام وقالت بهدوء اعتذرت عن الوظيفة. سألتها بدهشة لماذا؟ قالت لا أستطيع أن أتركك وحدك. غضبت منها يومها وقلت إنني لا أريد أن أكون سببًا في تضييع مستقبلها.
لكنها لم تغير قرارها ومرت السنوات حتى شعرت أن الوقت حان لأرتب أموري.ذهبت إلى المحامي وأخبرته أن مدخراتي وما بقي من أموالي يُقسم بين أولادي الأربعة بالتساوي. أما البيت فأريده لابنتي الصغرى.لم أفعل ذلك لأنني أحبها أكثر ولم أفعله لأن إخوتها لا يستحقون. بل لأن الحقيقة التي يعرفها قلبي أن كل واحد منهم أخذ مني شيئًا ساعده على أن يبدأ حياته. هذا ساعدته في شراء شقته وهذا وقفت بجانبه حتى خرج من أزمته وتلك جهزتها يوم زواجها بما استطعت ولم أندم على شيء من ذلك.
أما ابنتي الصغرى فلم تطلب مني شيئًا لنفسها.بل أعطتني من عمرها ما لا أستطيع أن أعيده إليها. ولم يكن البيت ثمنًا لذلك فالعمر لا يُشترى. لكنه كان آخر شيء أستطيع أن أقول لها به شكرًا. لا أعرف كيف وصل الخبر إلى إخوتها قبل أن أخبرهم.
لكن منذ ذلك اليوم بدأ هاتفي لا يتوقف عن الرنين. الذي كان يتصل مرة في الشهر أصبح يتصل كل يوم. والذي لم يكن يجد وقتًا لزيارتي صار يأتي حاملًا أكياس الطعام والهدايا.
ثم بدأت الاتهامات.قالوا إن أختهم سيطرت عليّ وإنها أقنعتني بكتابة البيت باسمها.بل إن بعض الأقارب قالوا هذا لا يجوز أنتِ تظلــ,,ـــــمين أولادك. استمعت إلى الجميع في هدوء.ثم قلت لهم أنا لم أحرم أحدًا من نصيبه في مالي الذي سيُقسم كما أردت ولم أجبر أحدًا على شيء. والبيت بيتي وأنا أتصرف فيه وأنا على قيد الحياة بكامل إرادتي. ثم نظرت إلى أولادي وقلت لو كانت أختكم فعلت كل ذلك من أجل البيت لكانت سألتني عنه منذ سنوات. لكنها لم تذكره مرة واحدة.
وساد الصمت.أما ابنتي فبكت وقالت أمام الجميع يا أمي أنا لا أريد البيت أصلًا. إذا كان سيفرق بيني وبين إخوتي ، فأنا أول من يتنازل عنه. ابتسمت وربتُّ على يدها وعندها فقط تأكدت أنني لم أخطئ في اختياري.لأن الإنسان الذي لا يطمع فيما بين يديه هو أكثر من يعرف قيمة ما يُمنح له ولا أعلم ماذا سيحدث بعد رحيلي. ربما يرضى أولادي وربما يظل بعضهم غاضبًا.لكنني متأكدة من شيء واحد.أن العدل ليس دائمًا أن نعطي الجميع الشيء نفسه بل أن نتذكر ، قبل أن نحكم ، القصة الكاملة.
فمن ينظر إلى الصفحة الأخيرة وحدها قد يظن أنني فضلت ابنة على ثلاثة أبناء. أما أنا فكل ما فعلته أنني حاولت للمرة الأخيرة في حياتي ، أن أرد جزءًا صغيرًا من جميل إنسانة لم تطلب مني يومًا شيئًا لنفسها.
تمت.