منوعات

جوزى

اللحظة اللي قررت فيها إني مش هكون ملكه تاني.
تاني يوم الصبح، قعدت مع المحامية هالة عبد الرحيم، وهي محامية معروفة بقوتها وخبرتها في قضايا الأحوال الشخصية، وكانت واحدة من زميلاتي في الشغل هي اللي رشحتها لي.
كانت في أوائل الستينات، وشعرها قصير وفيه خصلات فضية، وملامح وشها ثابتة بشكل غريب، ما كانتش بتبين أي رد فعل وهي بتقرأ.
قرت العقد بعناية.
وسمعت التسجيلات كلها.
وبعدين رفعت عينيها فوق نظارتها وبصتلي.
وقالت
جوزك مهمل جدًا.
سكتت لحظة وأضافت
لكن عيلته مش كده.
سألتها
إيه اختياراتنا؟

ردت بهدوء
أول حاجة، نأمّن موقف سلوى ونحميها قانونيًا. تاني حاجة، نأمّن فلوسك وحقوقك المالية. وتالت حاجة، نسيبهم يتكلموا براحتهم.
استغربت.
وقلت
ليه؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت
لأن الناس المغرورة لما تكون مقتنعة إن الست الوحيدة اللي قاعدة معاهم غبية ومش فاهمة كلامهم، بيتكلموا براحتهم جدًا.
فضلت أسبوعين كاملين أروح عزومات العيلة كأن مفيش حاجة حصلت.
كنت أعمل الحلويات.
وأخبز الفطائر.
كنت بابتسم بأدب كل ما مريم تصححلي طريقة كلامي بالإنجليزي، رغم إن الألماني هو اللغة اللي كانت بتستخدمها علشان تتريق عليّا من ورايا.

كنت بقعد ساكتة وأنا بسمع حماتي بتتكلم عن البيبي اللي لسه ما جاش للدنيا، وكأنه قطعة أثاث غالية هما طالبينها مخصوص علشان يحطوها في الصالون.
وكان جوزي يطبطب على إيدي قدامهم ويتفاخر إنه مستحيل أسيبه.
كان بيقول بثقة
دي متعلقة بيا زيادة عن اللزوم.
كنت بابتسم له من الناحية التانية من السفرة.
بس مش لفترة طويلة.
في السر، كنت بسجل كل كلمة بتتقال.
وفي نفس الوقت، كانت المحامية هالة بتساعد سلوى تتواصل مع مؤسسة قانونية محلية بتدافع عن حقوق الستات.

راجعت العقد اللي كتبه مكتب أبو جوزي، وحفظت كل التهديدات والرسائل اللي بعتوها لسلوى، وجهزت لها إنذار قانوني قوي يمنع جوزي وعيلته من الضغط عليها أو تهديدها.
أما المواجهة الكبيرة، فكانت في بيت حماتي وحمايا، في عزومة ضخمة اتجمع فيها أكتر من عشرين فرد من العيلة.
كانوا مجهزين سفرة طويلة، والأكل مالي المكان، والمشروبات الغالية متقدمة للضيوف كأنهم بيحتفلوا بانتصار كبير.
وأنا قضيت معظم الصبح في المطبخ بلعب دور الزوجة المطيعة اللي بتخدم الكل.
لأن ده بالضبط المكان اللي هما كانوا متوقعين إني أفضل فيه.
بعد الساعة واحدة بشوية، وصلت سلوى.

حماتي هي اللي كانت عازماها علشان يخلصوا الاتفاق.
كانت لابسة فستان كحلي بسيط، ووشها كان مليان خوف لدرجة إني كنت نفسي أقوم أروح لها وأقف جنبها فورًا.
لكن استنيت.
قعدوها في آخر السفرة، بعيد عن جوزي.
وهو حتى ما حاولش يبصلها.
حماتي بدأت الكلام بصوت هادي ومليان تعالي
الطفل محتاج استقرار يا سلوى.
ردت سلوى بسرعة
وبنتي هتلاقي الاستقرار ده معايا.
مريم أطلقت ضحكة ساخرة وقالت
وبفلوس مين؟
جوزي اتوتر، وكح في المنديل اللي كان ماسكه، وعمل نفسه محرج من الكلام.

لكن ما فتحش بقه علشان يدافع عن أم بنته.
أبو جوزي خبط بخفة على كوباية العصير وقال
إحنا كل اللي بنحاول نعمله إننا نتجنب فضيحة كبيرة ومشاكل مالهاش آخر. سارة ست حساسة جدًا. لو خلصنا الموضوع النهارده بهدوء، كل واحد يقدر يكمل حياته.
في اللحظة دي، خرجت من المطبخ وأنا شايلة إبريق تقيل مليان مية ساقعة.
وقبل ما أحط الإبريق على السفرة، سمعت جوزي بيتكلم بالألماني.
وقال
أول ما سلوى تمضي الورق، هقنع سارة إن التبني كان فكرتها هي من البداية. هتكون فرحانة لدرجة إنها مش هتسأل أي سؤال.

كام واحدة من عماته وأعمامه ابتسموا موافقين.
حماتي بصتلي بنظرة مليانة شفقة مصطنعة وقالت
يا حرام. بعد كل السنين دي من غير أطفال، أخيرًا هتلاقي حاجة تلعب فيها دور الأم.
سلوى وطت راسها وهي بتحاول تمنع دموعها.
أما أنا، فحسيت بهدوء غريب وبارد نزل عليّا فجأة.
حطيت إبريق المية التقيل في نص السفرة.
وبعدين، بهدوء شديد، فكيت المريلة من حوالين خصري وسيبتها تقع على الأرض.
جوزي عقد حواجبه.
وقال
سارة، إنتِ بتعملي إيه؟
بصيت له في عينه مباشرة.

وقلت
بس بتأكد إن كل اللي قاعدين على السفرة يقدروا يسمعوني كويس.
وبعدها بدأت أتكلم بالألماني.
ألماني واضح وسليم، من غير تلعثم ولا غلطة واحدة.
وفجأة، الصالة الكبيرة كلها غرقت في صمت مرع،ب.
مريم فتحت بوقها من الصدمة.
حماتي اتجمدت مكانها، وكوباية العصير فضلت مرفوعة قدام شفايفها.
أما جوزي، فكان شكله كأن الأرض اتفتحت تحته فجأة.
كملت بالألماني
أيوه، أنا بفهم ألماني كويس جدًا. وكنت فاهمة كل حاجة. النكت اللي كنتوا بتضحكوا عليها، والإهانات اللي كنتوا بتقولوها من ورايا، والبيبي، والعقد اللي عملتوه، وكل تفصيلة في خطتكم القذرة.

أبو جوزي خبط كوباية العصير على السفرة بعنف وقال
سارة، إوعي تعملي منظر هستيري في بيتي.
بصيت له وقلت
إنتوا اللي عملتوا المنظر يا أبو جوزي. أنا بس خليت المنظر يبقى قدام ناس تشوفه.
وفي اللحظة المناسبة تمامًا، باب البيت اتفتح.
ودخلت المحامية هالة، ومعاها اتنين من ممثلي المؤسسة اللي بتساعد سلوى.
سلوى قامت فورًا من مكانها، ومشيت ناحيتي ووقفت جنبي.
جوزي زق الكرسي لورا بعصبية وقال
إيه اللي بيحصل هنا؟
بصيت له بهدوء وقلت
محاميتي بتاعة الطلاق.
بصلي بصدمة وقال
إنتِ جبتي محامية؟

المحامية هالة حطت ملف تقيل على السفرة وقالت
موكلتي بدأت إجراءات الطلاق من دلوقتي. وكمان هتقدم أدلة مهمة على مخالفات مالية، وإساءة نفسية وضغط وتهديد، ومؤامرة منظمة لإجبار ست حامل إنها تتنازل عن حقوقها في طفلها.
حماتي قامت من مكانها، ووشها احمر من الغضب.
وقالت
الطفل ده ابن ابني.
رديت عليها فورًا
البيبي ده إنسان، مش ملكية. وبالتأكيد مش جاي علشان يبقى تعويض عن وجع تجربة الأمومة اللي أنا عشتها.
الكلام كان تقيل على قلبي وأنا بقوله بصوت عالي.
لكن لأول مرة في حياتي، قلته من غير أي خجل.

قلت
أنا كنت نفسي أبقى أم أكتر من أي حاجة في الدنيا. لكن مستحيل أسرق طفل من أمه علشان ابنك يخبّي خ،يانته ويمثل قدام الناس إنه راجل محترم.
جوزي أخد خطوة ناحيتي وهو شبه منهار.
سارة، بالله عليكي اسمعيني. الموضوع كله خرج عن السيطرة، وأنا ما كنتش متخيل إنه يوصل لكده.
ضحكت ضحكة قصيرة من غير أي فرحة.
وقلت
إنت كنت مخطط تديلي طفل مراتك التانية، وتستنى مني أعيط من الفرحة وأشكرك.
قال بسرعة
أنا كنت بحاول أديكي العيلة اللي طول عمرك نفسك فيها!
هزيت راسي.
لأ يا جوزي.

إنت كنت بتحاول تحافظ على الحياة اللي إنت عايزها.
شد فكه وقال
أنا بحبك.
بصيت له وقلت

انت في الصفحة 3 من 5 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى