منوعات

ابن سلفتي 4

مرت سنتين على يوم السبوع اللي اتملى فيه البيت بالزغاريد والفرحة. كبر صالح وبقى طفل شقي جميل، صوته وضحكته بيملاوا الحوش الكبير حياة، وكل ركن في البيت بقى على بداية جديدة بعد سنين من الوجع. البيت كان عايش في هدوء. مجدي بقى أهدى وأحن، بيراعي ربنا فيكي وفي ابنه، والحاجة أم جوزك كبرت في السن، وبقت أغلب أيامها تقضيها على سجادة الصلاة، تدعي لكِ ولصالح وتطلب من ربنا يحفظ البيت من كل شر. لكن بيوت العيلة الكبيرة عمرها ما بتنسى بسهولة.

الشر، حتى لو صاحبه غاب، ساعات بيسيب وراه أثر. وفي يوم شتوي هادي، كانت الشمس لسه بتطلع على استحياء وتدفّي حوش البيت، وإنتِ خارجة من ، حاطة شالك على راسك، وماسكة إيد صالح الصغير. وفجأة… خبط شديد ومتواصل هز الباب الخارجي. مجدي كان في الأرض بيتابع المية، والحاجة كانت جوه بتتوضى لصلاة الظهر. قربتي من الباب، وفتحتي الدلفة بحذر. أول ما شوفتي اللي واقف قدامك، وشك اتغير. كان حامد. أخو جوزك الكبير. الرجل اللي خرج من السجــ,,ـــــن بعد ما قضى جزء من عقوبته، مستفيدًا من حسن السلوك ووساطة بعض كبار البلد.

كان شكله اتغير تمامًا. جسمه خِس، وشعره شاب، ووشه بقى مليان تجاعيد، لكن عينيه… عينيه ما كانش فيهم ندم. كان فيهم غل مكتوم. وكان واقف جنبه ست غريبة، لابسة عباية سودا، وعلى دراعها طفلة رضيعة. بص لك حامد بابتسامة باردة وقال: “إيه يا مرات أخويا؟ مش هتقولي لأخوك الكبير حمد لله على السلامة؟ ولا العز والست قراريط نسوكي أصول البيت؟” ضمّيتي صالح ناحيتك، ورديتي بهدوء: “اللي يدخل بيتنا باحترام، يا حامد، له كل احترام. إنما اللي داخل شايل خصومة وشر، فالأفضل له يرجع من نفس الباب اللي دخل منه.”

الست اللي واقفة جنبه تقدمت خطوة وقالت بعصبية: “إحنا مش جايين نستأذن يا حلوة! إحنا جايين ناخد حقنا. البيت ده بيت جوزي، والأرض دي أرضه، وإنتِ فاكرة إن كام ورقة كتبهم لمجدي يخلوكي صاحبة المكان؟” قبل ما تردي، خرجت الحاجة من جوه وهي ساندة على عصايتها. أول ما شافت حامد، اتسمرت مكانها. “حامد؟!” حامد بص لها من غير ما يتحرك ناحيتها. قال ببرود: “أيوه يا أمي. خرجت.” الحاجة قربت منه وهي بتترعش: “خرجت… ورجعت ليه؟ عشان تفتح علينا باب الشر تاني؟”

ضحك حامد بسخرية، وأشار للست اللي جنبه: “دي مراتي. اتجوزتها وأنا في السجــ,,ـــــن بعد ما رحمة انتهت قصتها. ودي بنتي.” ثم رفع رأسه وقال: “أنا جاي آخد حقي في ورث أبويا.” الحاجة شهقت: “حقك؟! هو لسه لك عين تقول حق؟!” حامد رد بقسوة: “الحق ما بيسقطش يا أمي. وإنتِ كتبتي أرضي لعلية ومجدي.” الست الجديدة تدخلت بسرعة: “وإحنا مش هنخرج من هنا! شقة حامد فوق، وإحنا هنقعد فيها. واللي عنده كلمة يقولها قدام المحكمة.” في اللحظة دي، اتفتح الباب بعنــ,,ـــــف.

دخل مجدي. كان راجع من الأرض، وإيده ماسكة الفأس، ولما شاف أخوه والست الغريبة وأمه واقفة قدامهم، الدم غلى في عروقه. قرب من حامد وقال: “إنت رجعت البيت ده عشان إيه؟! خرجت من السجــ,,ـــــن ولسه ما اتعلمتش؟!” حامد ما تراجعش. رفع صباعه في وش أخوه وقال: “إنت اللي هتتعلم يا مجدي. الأرض اللي أخدتها وكتبتها باسم مراتك مش هتفضل ليك. المحامي بتاعي هيبدأ إجراءات دعوى بطلان للعقد، وكمان هيرفع دعوى حجر على أمي.” الحاجة حطت إيدها على صدـ,,ـــرها.

“حجر؟!” قال حامد: “أيوه. هثبت إنك كبرتي في السن ومبقتيش في كامل أهليتك، وإن علية استغلتك وخدعتك عشان تاخد الأرض.” الكلمة كانت أقسى من أي ضــ,,ـــــربة. الحاجة بدأت تتنفس بصعوبة، ورجليها خانتها. جريتي عليها قبل ما تقع، وسندتيها بين إيديكي. “يا مجدي! ألحق أمك!” مجدي اندفع ناحية حامد، لكنك صرختي: “سيبه يا مجدي! ما تخليش أخوك يجرّك لغلط هو عايزه!” أخدنا الحاجة جوه، وبعد دقائق كان الحكيم عندها. فضلت الحاجة ماسكة إيدك، ودموعها نازلة: “يا عليه… أنا خايفة. حامد عاوز يرميني في دار مسنين ويحرمني من أرضي قبل ما أمــ,,ـــــوت.”

بصيتي لها بثبات، ومسكتي إيدها: “طول ما أنا عايشة، محدش هيقدر يعمل فيكي حاجة. واللي داخل علينا بالقانون، هنواجهه بالقانون.” خرجتي للصالة، ولقيتي مجدي قاعد ورأسه بين إيديه. قربتي منه وقلتي: “قوم يا مجدي.” رفع عينيه: “هنعمل إيه؟” قلتي: “نفتكر حاجة كنت سايباها للوقت المناسب.” مجدي عقد حاجبيه: “إيه هي؟” ابتسمتي بثقة: “الورقة اللي أبوك سابها عند الأستاذ عبد المجيد.” مجدي انتفض: “ورقة؟!” قلتي: “قبل وفــ,,ـــــاه أبوك بشهرين، راح بنفسه للمحامي وسجّل إقرار رسمي. كان عارف حامد كويس، وعارف إنه ممكن يطمع في حقك وفي شقا أمك.”

مجدي قرب منك: “إقرار بإيه؟” رديتي: “إن حامد كان استوفى نصيبه من أملاك أبوه قبل الوفــ,,ـــــاه، وإن جزءًا من الأموال والأملاك اتكتب باسمه وهو مسافر، وإنه تنازل رسميًا عن أي مطالبة في الأرض اللي فضلت معاك ومع أمك.” سكت مجدي للحظات. ثم قال: “وإنتِ كنتِ عارفة؟” هزيتي رأسك: “أيوه.” “ليه ما قولتيليش؟” بصيتي له بهدوء: “كنت مستنية أشوف السجــ,,ـــــن هيغيّره ولا لأ. كنت أتمنى يرجع ندمان، وساعتها كنا هنفتح له بابنا من غير ما نكسره بالورق. لكن هو رجع بنفس الطمع، وقرر يرفع قضية على أمه نفسها.”

تنهدتي: “يبقى دلوقتي جه وقت الحقيقة.” وفي صباح اليوم التالي، كانت القرية كلها بتتكلم. حامد وقف قدام البيت ومعاه محاميه ومراته الجديدة، وفضل يصرخ وسط الناس: “أنا صاحب حق! أمي ومجدي ومراته حرموني من ورثي! وأنا هرفع عليهم قضايا!” العمدة كان واقف يحاول يهديه: “يا حامد، دي أمك يا ابني.” لكن زوجته صاحت: “القانون مالهش أم ولا أخ! اللي له حق ياخده!” وفجأة… الباب الخارجي اتفتح. خرج مجدي. ووراه خرجتي إنتِ، حاضنة صالح. وجنبكم الأستاذ عبد المجيد، شايل حقيبته الجلد.

اتجمع الناس أكتر. حامد ابتسم بثقة: “أهو المحامي وصل. خلي القانون يقول كلمته.” الأستاذ عبد المجيد ما ردش عليه فورًا. فتح حقيبته بهدوء، وطلع مستندات قديمة مختومة وموقعة. وقال: “القانون فعلًا هيقول كلمته يا حامد.” ثم رفع الورقة: “وده إقرار رسمي مسجل من والدك قبل وفاته.” وشّ حامد اتغير. المحامي اللي معاه مد إيده وأخذ الورقة. قرأ السطور. ثم قلب الورقة. وبص إلى التاريخ والأختام. وبدأت ملامحه تتجمد. الأستاذ عبد المجيد قال: “المستند ده بيثبت إن حامد استوفى نصيبه من تركة والده قبل الوفــ,,ـــــاه، وتنازل رسميًا عن حقوقه في الأرض محل النزاع.”

سكت. ثم أضاف: “ولو موكلك أصر على دعوى الحجر أو بطلان العقد، المستند ده هيكون أول ورقة تتقدم للمحكمة، ومعاه باقي المستندات اللي تثبت إن أمه كانت كاملة الأهلية وقت تحرير العقد.” المحامي بص لحامد: “إنت ما قلتليش الكلام ده.” حامد ارتبك: “كنت… كنت فاكر الورقة دي مالهاش قيمة.” المحامي هز رأسه: “دي ورقة رسمية. والقضية بالشكل ده هتكون عليك.” ثم قفل حقيبته ومشى. مرات حامد وقفت مصدومة. بصت له وقالت: “يعني إنت كنت عارف إنك واخد حقك؟!”

حامد سكت.صرخت: “وجاي تجرجرني ورا سراب؟!” أخدت بنتها ومشيت، وسابته واقف وسط أهل البلد. حامد لأول مرة ما لاقاش كلمة يقولها. مجدي قرب منه. كان ممكن يشمت. كان ممكن يردهاله. لكنه اكتفى يقول: “أبوك كان عارفك يا حامد. حتى بعد مــ,,ـــــوته، حاول يحمي البيت منك.” سكت لحظة، ثم قال: “كان ممكن نفتح لك بابنا. كان ممكن نساعدك تبدأ من جديد. لكنك اخترت الطمع.” حامد نزل عينيه للأرض. ومشى. مش مطرود من البيت بس… كان مطرود من الثقة.

دخلتم البيت، ولقيتم الحاجة قاعدة على سجادة الصلاة. أول ما شافتكم، سجدت لله وهي بتبكي. وبعدها مسكت إيدك وحطتها على خدها: “ربنا يرضى عنك يا بنتي. إنتِ مش مرات ابني بس… إنتِ سندي.” مرت الأيام. ورجع الهدوء للبيت. الأرض خضرت، والمحصول زاد، ومجدي بقى أكثر حرصًا على إن كل حق يبقى موثق ومحفوظ. وصالح كبر. كبر وهو شايف أمه مش مجرد ست نجت من النــ,,ـــــار… لكن ست وقفت قدام الظلــ,,ـــــم بعقلها وصبرها. وبعد سنوات، رحلت الحاجة أم جوزك في ليلة هادئة.

كانت ماسكة إيدك، وبتردد الدعاء لصالح ولمجدي، لحد ما سكنت أنفاسها الأخيرة. رحلت، لكن دعواتها فضلت عايشة في البيت. أما صالح، فكبر وبقى شابًا يعتمد عليه. كان يخرج مع أبوه للفجر، ويتعلم منه الزراعة، ويعود بملابس مليانة تراب، لكنه كان دائمًا يفتخر بأمه. وفي يوم من أيام الحصاد، جلس مجدي في الحوش، وحط قدامك نصيبك من الخير. وقال: “ده حقك يا علية. مش منّة مني. ده حق الست اللي وقفت يوم الكل اتراجع.” ابتسمتِ. نظرتِ لإيدك.

العلامة القديمة كانت لسه موجودة. لكنها ما كانتش بتوجعك. بالعكس… بقت ذكرى. ذكرى اليوم اللي اتغير فيه كل شيء. وفي ليلة صيف هادئة، كنتِ قاعدة في الحوش جنب مجدي وصالح. صالح مسك إيدك المحروقة، وبص للعلامة وسألك: “يا أمي… إزاي دخلتي إيدك في النــ,,ـــــار عشان تنقذي طفل، رغم إن أمه كانت ظلــ,,ـــــمتك؟” ابتسمتِ، وبصيتِ للسماء. وقلتي: “لأن يا ابني، الإنسان ما ينفعش يبيع إنسانيته عشان ينتقم.” سكتِ لحظة، ثم كملتي: “الطفل ما كانش له ذنب في كلام أمه، ولا في أخطاء أهله. لو كنت سيبته يمــ,,ـــــوت، كنت هخرج من النــ,,ـــــار بإيد سليمة، لكن بقلبي مكسور.”

بص صالح لك باهتمام. قلتي: “افتكر دايمًا يا صالح… إن الحق مش معناه إنك تبقى قاسي. وإن التسامح مش معناه إنك تسيب حقك. خليك رحيم، لكن خليك واعي. سامح لما تقدر، وخد حقك من غير ظلــ,,ـــــم، وما تسمحش لحد يهينك أو يسلبك حقك.” بصيتِ لإيدك مرة ثانية: “النــ,,ـــــار حــ,,ـــــرقت إيدي يا ابني… لكنها كشفت الحقيقة.” ابتسم مجدي، وقام وباس رأسك قدام ابنه. وقال: “أشهد ربنا إنك كنتِ خير زوجة، وخير أم، وخير سند.” ابتسم صالح.

وكان واضح في عينيه إنه فهم الدرس. درس مش عن الأرض، ولا الفلوس، ولا الورث… لكن عن الأصل. عن إن الإنسان ممكن يخسر مال، ويخسر أرض، ويخسر ناس… لكن لو خسر أخلاقه وإنسانيته، يبقى خسر نفسه. وهكذا، أُغلقت حكاية علية. الست اللي دخلت النــ,,ـــــار بإيديها عشان تنقذ طفلًا، وخرجت منها وهي أقوى. الست اللي اتقال عليها “أرض بور”، فأثبتت الأيام إنها كانت الأرض الخصبة اللي زرعت فيها الرحمة، والصبر، والحق. أما النــ,,ـــــار التي أرادوا لها أن تكون نهايتها…

فكانت هي نفسها بداية نجاتها. وظل أهل القرية يحكون قصتها للأجيال: إن الخير ممكن يتأخر، والحق ممكن يتعب صاحبه، لكن طول ما الإنسان متمسك بأصله، فالظلــ,,ـــــم عمره ما بيكون النهاية. لو حابة، أقدر كمان أعمله بأسلوب أقوى وأشد تشويقًا مناسب لفيديوهات القصص على السوشيال ميديا، مع بداية خطّافة ونهاية تخلي الناس تستنى الجزء اللي بعده.
نكمّل من لحظة كشف الحقيقة، ونرفع مستوى الغموض والتشويق: الكتابة البيت كله سكت. حتى صوت الهوا اللي كان بيخبط في شجر الجميز اختفى كأنه هو كمان مستني يسمع الحقيقة.

علية بصت للأستاذ عبد المجيد، وصوتها خرج ضعيف رغم محاولتها تثبته: “يعني إيه الحــ,,ـــــريقة كانت متدبرة؟ ومين كان عايز يولع في البيت؟” الأستاذ عبد المجيد حط الملف على الترابيزة، وقعد ببطء. “قبل ما أقولك مين… لازم تعرفي ليه.” مجدي قرب منه، وعينيه مليانة غضب: “اتكلم يا أستاذ. سنين وإحنا عايشين على أسرار. المرة دي مش هتسكت.” فتح عبد المجيد الملف. “أبوك يا مجدي كان عليه خلاف قديم مع أخوه منصور. الخلاف كان على الأرض، لكن الموضوع ما كانش مجرد ورث.”

طلع ورقة قديمة. “قبل وفــ,,ـــــاه جدك، كان فيه جزء من الأرض متسجل باسم والدك، وجزء تاني عليه عقد بيع قديم. منصور حاول يطعن في العقد، لكن أبوك قدر يثبت حقه.” مجدي قال: “وده معناه إيه؟” “معناه إن منصور خسر القضية… لكنه ما استسلمش.” علية سألت: “وإيه علاقة حامد؟” الأستاذ عبد المجيد تنهد. “حامد كان أداة.” مجدي ضــ,,ـــــرب بإيده على الترابيزة: “أداة لمين؟!” عبد المجيد بص له مباشرة: “لشخص كان عايز الأرض دي بأي تمن.” سكت لحظة.

ثم قال: “تاجر كبير من البندر.” علية عقدت حاجبيها. “نفس التاجر اللي حامد كان بيبيع له الأرض؟” عبد المجيد هز رأسه. “بالضبط.” مجدي اتراجع خطوة. “يعني حامد ما كانش لوحده؟” “لأ.” قلب المحامي ورقة أخرى. “منصور مات، لكن علاقته بالتاجر فضلت موجودة. ولما حامد كبر، بدأوا يقربوا منه واحدة واحدة. فلوس، ووعود، وشغل، لحد ما أقنعوه إن الأرض دي لازم تخرج من إيدكم.” علية قالت: “بس الحــ,,ـــــريقة حصلت قبل موضوع البيع.” عبد المجيد بص لها.

“وده أهم جزء.” أخرج صورة قديمة للحــ,,ـــــريق. “الحــ,,ـــــريق كان الهدف منه يخوفكم ويخلي مجدي يبيع.” مجدي اتصدم. “يبيع إيه؟” “الجزء اللي كانوا عايزينه.” علية حطت إيدها على صدـ,,ـــرها. “يعني أنا…” قاطعها: “إنتِ ما كنتيش الهدف يا علية.” ثم سكت. “لكن وجودك غيّر كل حاجة.” مجدي سأله: “إزاي؟” قال عبد المجيد: “لأنهم كانوا متوقعين إن يخلي البيت ينهار، وإن مجدي يخاف على أمه وزوجته ويبيع الأرض بأي تمن. لكن اللي ما حسبوش حسابه إنك تدخلي النــ,,ـــــار وتنقذي الطفل.”

علية بصت لصالح.الطفل اللي أنقذته يومها. واللي كبر قدامها. واللي كان سببًا في تغيير كل شيء. فجأة، الست اللي كانت واقفة في الخلف بدأت تبكي. علية التفتت لها: “إنتِ كنتِ عارفة؟” هزت رأسها. “أنا عرفت جزء من الحقيقة بعد ما هربت من حامد.” مجدي قال: “إنتِ مين أصلًا؟” ردت: “اسمي سعاد.” ثم بصت لصالح. “وأنا أخت منصور.” سادت لحظة صمت ثقيلة. مجدي قال: “عمي؟” “أيوه.” ثم أضافت: “وأنا جيت النهارده عشان أقول لكم إن منصور ما كانش صاحب الخطة كلها.”

علية شعرت بقشعريرة. “مين كان فوقه؟” سعاد نظرت إلى عبد المجيد. المحامي لم يرفع عينيه. فهمت علية. “إنت كنت عارف.” عبد المجيد قال بهدوء: “كنت شاكك.” “وشاكك في مين؟” رفع عينيه. “في شخص أقرب لكم مما تتخيلي.” في اللحظة دي، صالح تكلم لأول مرة: “هو مين؟” عبد المجيد لم يرد. فجأة، سمعوا خبطًا على الباب. ثلاث خبطات. متتالية. قوية. مجدي اتجه للباب. علية مسكت دراعه: “استنى.” لكن الخبط اتكرر. عبد المجيد وقف بسرعة، ولأول مرة ظهر الخوف على وشه.

مجدي لاحظ. “إنت خايف من مين يا أستاذ؟” عبد المجيد قال بصوت منخفض: “لو هو اللي جه… يبقى عرف إن الملف ظهر.” فتح مجدي الباب. لم يكن هناك أحد. فقط ظرف بني موضوع على الأرض. مجدي انحنى وأخذه. فتحه. وقعت منه صورة. علية قربت. كانت الصورة قديمة. فيها أبو مجدي. ومنصور. ورجل ثالث. علية بصت للرجل الثالث… ثم تجمدت. قالت: “ده…” مجدي أخذ الصورة من إيدها. وشه شحب. الرجل الثالث كان… والد رحمة. أبو رحمة.

لكن الصورة كانت أقدم من زواج رحمة وحامد بسنين طويلة. وعلى ظهر الصورة كانت مكتوبة جملة واحدة: “اللي بدأناه زمان… لازم ينتهي.” مجدي رفع عينيه ناحية عبد المجيد. “يعني أبو رحمة كان شريكهم؟” عبد المجيد قال: “كان واحد منهم.” سعاد بكت وقالت: “وفي شخص رابع.” علية همست: “مين؟” سعاد بصت ناحية الباب. “الشخص اللي كان بيمول كل حاجة.” وفجأة، سمعوا صوت عربية بتقف أمام البيت. ثم صوت رجل من الخارج: “يا مجدي!” مجدي فتح الباب نصف فتحة.

وتجمد مكانه. كان رجلًا عجوزًا ينزل من سيارة فارهة. وراءه رجلان. رفع الرجل رأسه وقال: “لسه فاكرني يا ابن عبد التواب؟” مجدي لم يستطع الرد. علية وقفت خلفه. الرجل ابتسم. “أنا جاي آخد حقي.” عبد المجيد اقترب من الباب، ولما شافه قال: “كنت عارف إنك هتظهر.” الرجل رد بابتسامة باردة: “وأنا كنت عارف إنك هتخبي الورق لحد ما أمــ,,ـــــوت.” ثم نظر إلى علية. وقال: “بس ما كنتش متوقع إن الست دي هي اللي هتفسد كل خططنا.”

علية ثبتت عينيها فيه. الرجل اقترب خطوة. وقال: “إنتِ أنقذتي الطفل يومها…” ثم ابتسم ابتسامة مخيفة: “بس اللي ما تعرفيهوش إن الطفل ده نفسه عنده مفتاح الأرض كلها.” صالح بص إليه باستغراب. “أنا؟”عبد المجيد صرخ: “امشِ من هنا!” ضحك الرجل. “لسه بدري يا أستاذ.” ثم أخرج من جيبه ورقة قديمة، ولوّح بها أمامهم. “لأن الورقة دي… بتثبت إن الأرض اللي عايشين عليها مش ملككم أصلًا.” مجدي اندفع ناحيته: “كذاب!” الرجل ابتسم. “بكرة الصبح المحكمة هتعرف مين الكذاب.”

ثم عاد إلى سيارته. تحركت السيارة واختفت في آخر الطريق. مجدي ظل واقفًا مكانه. علية قربت منه: “إيه الورقة دي؟” عبد المجيد أغلق الملف بسرعة. وقال: “دي مش ورقة ملكية.” علية نظرت له: “أمال إيه؟” قال: “دي ورقة تثبت إن أبوك نفسه…” توقف. مجدي صاح: “أبوك إيه؟!” عبد المجيد رفع عينيه وقال: “أبوك كان شاهد على اتفاق سري.” علية شعرت أن الأرض تميد تحت قدميها. “اتفاق إيه؟” عبد المجيد أجاب: “اتفاق كان المفروض يختفي من عشرين سنة.”

ثم نظر إلى صالح. “لكن وجودك يا صالح… ممكن يكون السبب الوحيد اللي يخلي الحقيقة تظهر.” وفي تلك اللحظة، خرج صالح من البيت وهو ماسك الصورة القديمة. كان بيبص للرجل الثالث فيها. ثم قلبها. ولما قرأ الجملة المكتوبة خلفها، رفع عينيه لأمه وقال: “يا أمي…” سكت. ثم قال: “هو ليه اسم أبويا مكتوب تحت الصورة؟” علية خطفت الصورة من إيده. وتوقفت أنفاسها. لأن تحت الجملة كان مكتوب بخط واضح: “مجدي يعرف الحقيقة… لكنه لا يعرف أنه يعرفها.”

رفعت علية عينيها لزوجها. ومجدي نفسه لم يفهم شيئًا. لكن عبد المجيد… كان قد شحب وجهه تمامًا. وقال كلمة واحدة: “انتهى وقت السكوت.” ثم أغلق الباب خلفهم. “لازم نحكي لمجدي الحقيقة اللي أبوه أخفاها عنه يوم اتولد.”
نكمّل، ونكشف السر تدريجيًا مع الحفاظ على نفس اللهجة والجو الدرامي: الكتابة الليل نزل على البيت تقيل. ولا واحد فيهم قدر ينام. مجدي كان قاعد في صدـ,,ـــر الحوش، قدامه الصورة والملف القديم، وكل شوية يبص لعبد المجيد كأنه مستني منه كلمة تنهي الحيرة اللي أكلت دماغه.

علية كانت قاعدة جنبه، وصالح نايم في أوضته، لكن إحساسها كان بيقول إن الليلة دي مش هتعدي زي أي ليلة. مجدي أخيرًا انفجر: “اتكلم يا أستاذ عبد المجيد! أنا تعبت من الأسرار. إنت بتقول إن أبويا كان شاهد على اتفاق سري، وإن في حاجة اتخبّت عني من يوم ما اتولدت. إيه هي؟” عبد المجيد مسح وشه بإيده، وقال: “أبوك قبل ما يتوفى بشهور، طلب مني أحفظ سر ما كنتش أتمنى في يوم إني أضطر أطلعه.”

“سر إيه؟” “أبوك كان عارف إن أخوه منصور دخل في شراكة مع تاجر أراضي كبير. الشراكة دي كان هدفها السيطرة على جزء كبير من أملاك العيلة.” مجدي قاطعه: “وده عرفناه.” عبد المجيد هز رأسه: “لأ… اللي ما تعرفوش إن أبوك اكتشف إن التاجر ده كان بيزوّر عقود قديمة، وبيشتري ذمم ناس في البلد عشان يثبت ملكية أراضي مش ملكه.” علية قالت: “يعني أبو مجدي كان بيحاول يفضحه؟” “بالضبط.” ثم أخرج ورقة أخرى. “وقبل ما يقدم المستندات للنيابة، حصلت حاجة.”

مجدي قال: “إيه؟” “أبوك مات.” سكت الجميع. مجدي تنفس ببطء. “هو مات ميتة طبيعية.” عبد المجيد بص له طويلًا. “ده اللي اتقال لكم.” علية شعرت بقلبها يقفز. “تقصد إن مــ,,ـــــوته…” المحامي رفع يده: “أنا ما عنديش دليل يقول إنه ات.. وما ينفعش أتهم حد من غير دليل. لكن عندي حاجة واحدة مؤكدة.” “إيه؟” “أبوك كان خايف.” مجدي سكت. عبد المجيد فتح الملف وأخرج ورقة بخط يد قديم. “دي آخر رسالة كتبها لي.” ناولها لمجدي. بدأ مجدي يقرأ.

وبعد أول سطر، إيده بدأت ترتعش. علية قربت منه: “اقرأ بصوتك.” مجدي ابتلع ريقه: “يا أستاذ عبد المجيد… لو حصل لي شيء، ما تسلمش الورق لحد من إخواتي. الورق يتسلم لمجدي وحده عندما يبلغ سن الرشد.” سكت. ثم أكمل: “وإن اضطررت، احفظه لحد ما يظهر الشخص اللي أقدر أثق فيه.” مجدي رفع عينيه: “أنا كنت طفل وقتها.” عبد المجيد قال: “أيوه.” “وأبويا كان بيكتب لي أنا؟” “كان شايف فيك حاجة ما شافهاش في حامد.” علية بصت لزوجها.

لكن مجدي كان لسه بيقرأ. ثم توقف عند آخر سطر. وشه اتغير. علية سألته: “في إيه؟” مد لها الورقة. قرأتها. وكان مكتوب: “احذر من الرجل الذي سيأتي بعد مــ,,ـــــوتي مدعيًا أنه صاحب الحق. لا تثق في كلامه، مهما كان معه من أوراق.” علية رفعت رأسها. “هو نفسه الرجل اللي جه النهارده؟” عبد المجيد قال: “أيوه.” مجدي وقف. “مين هو؟” المحامي قال: “اسمه كامل السعدني.” مجدي كرر الاسم: “كامل السعدني…” ثم ضــ,,ـــــرب كفه على جبهته. “أنا فاكره.”

علية سألته: “مين ده؟” قال مجدي: “رجل كان بييجي لأبويا زمان. كنت صغير، بس فاكر إنه كان كل مرة يدخل معاه الأوضة ويقفل الباب.” عبد المجيد هز رأسه: “لأنه كان بيحاول يشتري الأرض.” سكت لحظة. “وأبوك رفض.” علية سألت: “طب وصالح؟ إيه علاقته بالموضوع؟” هنا عبد المجيد تغيرت ملامحه. “دي أخطر نقطة.” مجدي قرب منه: “اتكلم.” قال المحامي: “صالح هو السبب اللي خلاني أحتفظ بالملف كل السنين دي.” علية قامت من مكانها. “ابني؟” “أيوه.” “ليه؟”

عبد المجيد أخرج ورقة صغيرة. “يوم الحــ,,ـــــريق، قبل ما يحصل بدقائق، كان فيه شخص شاف حامد وهو بيخرج من المكان.” مجدي قال: “مين؟” “طفل.” “طفل؟” “ولد صغير كان بيبيع شاي في الشارع.” علية سألت: “وقال إيه؟” “قال إنه شاف رجلًا كبيرًا واقف عند باب المخزن، وبعده بدقائق النــ,,ـــــار اشتعلت.” مجدي قال: “يعني كامل؟” عبد المجيد هز رأسه: “الولد ما كانش يعرف اسمه. لكنه وصفه.” ثم فتح ملفًا قديمًا. “ولما قابلت الولد بعد سنين، اكتشفت إنه كان يعرف معلومة أخطر.”

علية همست: “إيه؟” “قال إن الرجل كان ماسك ورقة، وعلى الورقة اسم طفل.” مجدي اتوتر: “اسم مين؟” عبد المجيد نظر إلى علية. ثم قال: “صالح.” علية شعرت بدوار. “مستحيل.” “أنا نفسي قلت مستحيل.” مجدي اقترب: “يعني الحــ,,ـــــريق كان بسبب ابني؟” عبد المجيد رد: “مش عشان ي.وه.” ثم صمت. “كانوا عايزين يخطفوه.” سقطت الكلمات على البيت كالصاعقة. علية وضعت يدها على فمها. “يخطفوا صالح؟!” “أيوه.” مجدي قال بعصبية: “ليه؟!” عبد المجيد أخرج آخر ورقة. “لأن صالح، من ناحية نسب قديم، له حق في جزء من الأرض محل النزاع.”

مجدي حدق فيه. “إيه الكلام ده؟” قال المحامي: “أم صالح…” سكت. علية قالت: “أم صالح أنا.” “مش قصدي إنتِ.” مجدي تجمد. عبد المجيد نظر إليه. “أنا بتكلم عن أم صالح في الأوراق.” مجدي فهم أن هناك شيئًا أخطر. “مين؟” عبد المجيد قال: “أبوك كان متجوز قبل أمك.” علية شهقت. مجدي تراجع خطوة. “إيه؟” “كان له زوجة أولى.” “ومين هي؟” عبد المجيد سكت طويلًا. ثم قال: “سعاد.” علية التفتت ناحية المرأة التي كانت تقف في آخر الحوش.

سعاد كانت تبكي. مجدي بص لها بصدمة. “إنتِ؟!” سعاد هزت رأسها. “أنا أخت منصور… وأختك.” سقط الصمت. مجدي لم يستوعب. “أختي؟” سعاد اقتربت منه. “أيوه يا مجدي.” ثم قالت: “وأنا كنت الطفل اللي أبوك أخفاه عن العيلة… مش أنا بس.” علية همست: “في طفل تاني؟” سعاد نظرت إلى صالح. ثم قالت: “أيوه.” “مين؟” سعاد مسحت دموعها. “إنت يا صالح.” الولد كان واقفًا عند باب الغرفة، وقد سمع آخر جملة. بص للجميع. “أنا؟” سعاد اقتربت منه.

“أبوك مش مجرد صاحب الأرض اللي أنت عايش فيها.” ثم نظرت إلى مجدي. “وأنت مش مجرد ابنه.” وأخرجت من حقيبتها شهادة قديمة. “أنت وريث السر اللي أبوك دفــ,,ـــــنه قبل ما يمــ,,ـــــوت.” مجدي أخذ الشهادة. قرأها. ثم رفع عينيه بذهول. لأن الاسم المكتوب في أعلى الورقة كان: “إقرار نسب وملكية…” وتحت الاسم مباشرة… كان اسم صالح. وفي أسفل الورقة توقيع والد مجدي. لكن قبل ما حد يقدر يتكلم… جاء صوت طرق عنيف على الباب. مرة. مرتين.

ثلاث مرات. ثم صوت رجل من الخارج: “يا مجدي! افتح!” علية عرفت الصوت. كان كامل السعدني. لكن المرة دي، صوته ما كانش فيه تهديد. كان فيه خوف. صرخ من خلف الباب: “افتح يا مجدي! لو الورقة وصلت لك، يبقى لازم تعرف إن في حد تاني داخل اللعبة!” مجدي بص لعبد المجيد. عبد المجيد قال: “ما تفتحش.” لكن الصوت رجع أقوى: “أنا مش عدوك يا مجدي!” ثم سكت لحظة. وقال: “عدوك الحقيقي… واقف جوه بيتك من سنين.”

علية بصت ناحية كل الموجودين. وسألها الخوف قبل عقلها: “مين؟” ولأول مرة… كامل السعدني قال اسمًا من خلف الباب. اسمًا جعل مجدي نفسه يتراجع خطوة. وقال: “الحاجة اللي كانت أمك بتخاف منها طول عمرها…” ثم نطق الاسم: “الوصية الأصلية لأبوك.” وساد الصمت. لأن عبد المجيد كان قد أخفى الوصية عنهم كل هذه السنين… ولأن الحقيقة التي ستظهر في الصباح… ستغيّر كل شيء من جديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى