نزلتِ السلم ورى مجدي، خطوة بخطوة، والظلــ,,ـــــمة بتاعت آخر الليل كانت بتتراجَع قدام نور الفجر اللي بدأ يشق السماء بخيط أبيض خفيف. إيديكي الملفوفة بالشاش كانت شايطة وجع، بس قلبك الحق اللي جواكي كانت أقوى من أي . الحوش تحت كان عامل زي الساحة . اللمبة الصفراء الكبيرة التعيسة التعليق في وسط البيت كانت بتعكس خيالات الرجالة على الحيطان الطين. أبو رحمة واقف في ومعاه إخواتها الاثنين، وجنبه العمدة بعبايته الكحلي، والمأذون قاعد على دكة خشب ماسك شنطته الجلد . وحامد.. أخو مجدي الكبير، واقف بسبحته العقيق، وشه متقنع بتقوى ، وعمال يهز رأسه ويتحسر بصوت عالٍ يسمع الكل:
“لا حول ولا قوة إلا بالله.. شر ووقع في البيت يا عمدة، والستات لما الغل يعمي قلوبهم بيخربوا البيوت العمار. إحنا ناس بنعرف الأصول، والست اللي تتسبب في نقطة دم أو حــ,,ـــــرق عايل، مالهاش قعدة وسطنا.” الحاجة أم جوزك كانت قاعدة على طبلية خشب قريبة من باب المطبخ، شالها الأسود ملفوف حوالين رقبتها، وعينيها مليانة كسرة وغضب، بس مش قادرة تتكلم قدام العمدة والرجالة. أول ما مجدي وطأت رجله آخر درجة في السلم وإنتي وراه، العمدة وقف ورفع إيده يهدّي الجو وقال بنبرة حاسمة:
“يا مجدي يا ابني.. إحنا جينا في وقت الفجر ده عشان نلم الشمل ونقفل باب الفتنة. نسيبك راجل طيب وحقاني، وقالك أختنا غلطت في موضوع الفلوس وإحنا أدبناها، بس مراتك برضه وقفتها قدام الفرن والموقف اللي حصل يخلي النفوس شايلة. إحنا شايفين إن الورقة تتقطع، وعلية ترجع بيت أبوها معززة مكرمة كم شهر لغاية ما النفوس تهدى، أو…” قاطعه مجدي بصوت طالع من قاع صدـ,,ـــره، صوت يرج حيطان البيت الطين: “أو إيه يا عمدة؟! أو تطلق، صح؟! أو تترجم بالباطل عشان ناس وسخة تداري على قذارتها ورخصها؟!”
المجلس كله اتكهرب! حامد اتنفض من مكانه، ورفع سبحته بغضب وصرخ في مجدي: “جرى إيه يا ولد؟! جرى إيه يا مجدي؟! إنت اتجننت ولا الست دي عملت لك عمل على كبر؟! إنت بتهين نسيبك والعمدة في بيتك؟!” مجدي ما بصش لحامد ولا رد عليه، خطى خطوات ثقيلة وجريئة لغاية ما وقف في نص الحوش، قدام العمدة وأبو رحمة مباشرة. حط إيده في جيب جلابيته، وطلع الورقة المطوية المبلولة اللي أخدها منك، ورماتها بثقة وغل في أحضان العمدة!
مجدي بص لأبو رحمة وقال بصوت زي الرعد: “اقرأ يا عمدة! اقرأ للناس الشرفاء الأصوليين العقد المبدئي اللي متبصم فيه من أخويا الكبير حامد، ومتمضي فيه من الشاهد العظيم.. نساقنا أبو رحمة!” العمدة استغرب، فتح الورقة المبلولة قربها من نور اللمبة الصفراء، ونظاراته نزلت على طرف مناخيره. أول ما عينيه وقعت على بنود العقد، ملامح وشه اتغيرت تماماً! لون وشه تحول لشفاف، وبص لحامد وبعدها بص لأبو رحمة بذهول مرعب. حامد وشه اتخطف، خطى خطوة للوراء وهو بيتأتأ: “ورقة إيه دي؟! عقد إيه؟! ده كلام فارغ وتزوير!”
العمدة رفع رأسه وبص لحامد بصوت جاف زي السم: “تزوير إيه يا حامد؟! دي بصمتك إنت! وده توقيع الحاج عبد العليم أبو رحمة بنفسه! إنت بايع ١٢ قيراط من أرض العيلة، أرض السقية الكبيرة اللي على الترعة، لتاجر المقاولات من البلد المجاورة بمليون وستمية ألف جنيه! ومستلم عربون ربع مليون جنيه إمبارح بالليل!” الحاجة أم جوزك شهقت صرخة هزت البيت كله! وقفت من على الدكة الخشب كأن ردت فيها الروح، وجرت مسكت في جلابية حامد وهي بتصرخ وتلطم على وشها:
“بايع أرض أخوك يا حامد؟! بايع شقى أباك وشقى مجدي من ورايا يا ابن الكلب؟! يا مري يا فضيحتي في وسط البلد!” الحوش انقلب جحيم في ثانية! إخوات رحمة بصوا لأبوهم بصدمة، وأبو رحمة وشه اتقلب أحمر زي الدم، وعينيه بدأت تلف في المكان من الخزي والعار. مجدي قرب من حامد، مسكه من زفارة جلابيته وعصره للحيطة وهو بيصرخ في وشه:
“كنت عاوز تطرد مراتي وتخرب بيتي وتتهمني في شرفي وديني عشان تتشغل أنا في الفضايح وإنت تهرب بالفلوس وتنفذ البيعة؟! بقى تعمل في أخوك كده يا حامد؟! تسلط الستات وتدفع لرحمة الفلوس عشان تعمل مشكلة السرقة، وتفهم نسيبك إننا ناس ظلــ,,ـــــمة، عشان البيعة تتم في الضلمة?!” حامد كان بيترعش، لسانه اتعقد وما قدرش ينطق كلمة واحدة، البصمة كانت واضحة، والعقد المبدئي دمر كل خططه في لحظة. العمدة ضــ,,ـــــرب بعصايته في الأرض بقوة وهو بيزعق: “بس إنت وهو! بس يا رجالة!”
العمدة بص لأبو رحمة وقال بنبرة ومستحقرة: “بقى إنت يا حاج عبد العليم، جاي تمثل علينا الأصول والواجب وجايب المأذون والعمدة في الفجرية، وإنت بايع أختك وبايع شرفك وقابض العربون عشان تخفي السرفة دي؟! طلعتوا متفقين على الراجل وأمه وزوجته الشريفة!” أبو رحمة ما قدرش يرفع عينيه في العمدة ولا في الحاجة. رفع إيده نفسه كف على وشه من الخزي، وإخوات رحمة هجموا على أبوهم وعمهم بغضب من اللي لبسوهالهم قدام البلد.
في اللحظة دي، سمعوا صوت فتح باب الشباك الصغير بتاع المنور، ورحمة خرجت تجري من الطرقة وهي حاضنة ابنها وبتبكي بدموع هستيرية، اترمت تحت رجلين الحاجة أم جوزك وهي بتصرخ: “أنا ماليش صالح يا حاجة! والله حامد وأبوي هما اللي أجروني وعملوا اللعبة دي! أنا لما شفت حامد هيبيع كل حاجة ويترمي علينا الفضيحة، سرقت العقد وجريت لعلية بالليل عشان أنقذ نفسي وابني! علية هي اللي حمت ابنكم من النــ,,ـــــار وهي اللي أنقذت البيت ده من !”
الكل بص لك.. الرجالة، العمدة، المأذون، الحجة، وحتى مجدي. إنتي كنتِ واقفة عند أول السلم، إيديكي المحروقة المربوطة بالشاش مرفوعة قدام صدـ,,ـــرك، عينيكي مليانة شموخ وكبرياء، بصيتي لحامد وأبو رحمة وقولتي بصوت ثابت يقطع النفس: “الأرض البور يا رحمة.. مش الست اللي مابتخلفش. الأرض البور هي القلوب السودا اللي زي قلوبكم، اللي بتاكل في شقى غيرها وتتمنى خراب البيوت عشان قيراطين طين! أنا إيدي اتسلخت في النــ,,ـــــار عشان أحمي عيل مالوش ذنب، وإنتوا كنتم بتطبخوا نــ,,ـــــاري ونــ,,ـــــار جوزي على أمل إننا ننتهي!”
مجدي بص لك بنظرة ندم وبكاء لم تريه منه طوال حياتك. مسك حامد من قفاه ورمى به برة باب الحوش على التراب قدام كل الرجالة، وصرخ بصوت زلزل الشارع: “الأرض دي مش هتتباع! وحق مراتي وحق إيديها دي هاخده منك ومن كل واحد افترى عليها بالقانون وقبل القانون بالشرع!” العمدة بص للمأذون وقال: “المأذون مش حد النهاردة.. المأذون هيستنى لما نصلح دي ونحبس الحرامية!” البيت اتقلب تماماً. أبو رحمة وإخواته أخدوا بعضهم وجروا في ضلمة الفجر من الخزي ، وحامد اترمى برة البيت زي الكلب ، ورحمة قاعدة على الأرض تحت رجلين الحاجة تبكي وتسترحم.
مجدي قرب منك بخطوات بطيئة، نزل على ركبتيه قدامك على السلم، ومسك طرف جلابيتك وباسه وهو بيعيط بصوت مكتوم: “سامحيني يا عليه.. سامحيني يا أطهر ست دخلت البيت ده. أنا كنت عظيم في عين نفسي، وطلعت عمى قدام صفا قلبك وشجاعتك.” إنتي بصيتي له، سحبتي جلابيتك بالراحة من تحت إيده، وبصيتي للفجر اللي بدأ ينور الحوش كلياً، وقولتي بهدوء يرعب: “المسامحة مش كلمة بتقال يا مجدي.. البيت ينظف الأول، والكل ياخد حقه بالعدل.. وبعد كده، أقرر إذا كنت هفضل في البيت ده، ولا كفاية عليا لغاية كده.”
وفي اليوم التالي، وبعد ما حامد اتحبس ببدل التزوير والنصب، ورحمة رجعت بيت أبوه الحناح تنتظر مصيرها، والحاجة كتبت نصيب حامد باسمك أنت ومجدي تكفيراً عن اللي حصل..مجدي والحاجة بصوا لك بلهفة وخوف، والحوش كله سكت كأن على رؤوسهم الطير. مجدي قرب منك بخطوات مرتعشة، ونزل على ركبتيه قدامك ومسك طرف الكرسي اللي قاعدة عليه، وقال بصوت متلجلج: “طلباتك أوامر يا عليه.. قولي اللي إنتي عاوزاه ولو عاوزة عمري كله أكتبه باسمك وباسم المولود أنا تحت رجليكي، بس بلاش كلمة المكتوب هيبقى غير اللي فاكرينه دي.. أنا ما أستحملش أعيش يوم واحد من غيرك بعد اللي حصل!”
أنتي بصيتي له بعين ثابتة، وبصيتي للحاجة أم جوزك اللي كانت قاعدة تدعي في سرها وشايلة هم إن البيت ينخرب تاني، وقولتي بنبرة صوت حادة وأصلب من الخشب الزان:
“الأرض اللي حامد كان هيبعها من وراكم، والأرض اللي شقينا فيها أنا وإنت طول السنين اللي فاتت.. يتكتب لي فيها نصيب شرعي وقانوني باسمي وباسم اللي في بطني بعقد رسمي مسجل في الشهر العقاري! مش عشان طمع في القرشين، إنت عارفني وعارف طهري، بس عشان أعلم الكل إن الست اللي بتنزل الأرض وتتحــ,,ـــــرق إيديها عشان تحمي بيتها وتصون عرض زوجها، مش عابرة سبيل في البيت ده يُقال لها أرض بور أو يتهدد بقوتها وكرامتها في أي لحظة!”
الحاجة أم جوزك وقفت فوراً، وضــ,,ـــــربت صدـ,,ـــرها بإيدها وقالت بلهفة وفرحة: “حقك يا بنتي! والله حقك برقبتنا كلنا! الأرض أرضك والبيت بيتك، واللي يفكر يمس كرامتك بكلمة ثانية أكون أنا أول واحدة أقطع لسانه! يكتب لك مجدي اللي إنتي عاوزاه وزيادة، وده قليل على صونك لعرضنا ونقاوة قلبك!” مجدي ما استناش دقيقة واحدة؛ ثاني يوم الصبح أخدك للبندر عند أكبر محامي وكاتب عدل، وكتب لك ستة قراريط من أحسن أرض السقية باسمك بشكل نهائي، وحرر لك عقد ملكية كامل يحميكي ويحمي طفلك من أي غدر أو فتنة في المستقبل.
ومرت الأيام والشهور..وبعد تسعة أشهر.. البيت الكبير اتملى بنور جديد وزغاريد هزت الأرياف كلها! وضعتِ ولد زي القمر، حتة سكرة سميتوه “صالح”، عشان يكون الاسم على مسمى، ويكون الخلف الصالح اللي ربنا عوضكم بيه بعد الصبر والظلــ,,ـــــم. وفي يوم سبوع الولد.. كنا قاعدين كلنا في الحوش الكبير، نفس الحوش اللي شهد على الفتنة وعلى نــ,,ـــــار الفرن . كنتِ قاعدة وحاضنة ابنك “صالح” بين إيديكي، وإيديكي اللي كانت محروقة بقى فيها أثر أبيض بسيط زي العلامة والوسام على شجاعتك وطهارتك.
مجدي قرب منك، ومسك إيدك المربوطة بالأثر القديم وباسها قدام الحريم والرجالة كلهم، وقال بصوت مليان فخر: “الإيد دي هي اللي أنقذت عيلتنا من .. والإيد دي هي اللي جابت لنا الصالح ونورت بيتنا.” ابتسمتي ورفعتِ راسك لفوق، وبصيتي لابنك اللي كان نايم في بسلام، وعرفتِ إن الحق ما ، وإن طهارة النية وشجاعة القلب بيغلبوا أي غل وشر مهما كان !