تاني يوم الصبح، وبعد ما اتفقت مع المحامي على كل حاجة، مسكت التليفون واتصلت بيه. رد بسرعة كأنه كان مستني مكالمتي. قال بلهفة: “خير يا حبيبتي؟ في جديد؟” قلتله بصوت كله تردد: “آه… في واحد شاف الأرض وعجبته جدًا، واتفقنا على السعر تقريبًا.” سمعته يضحك من الفرحة وقال: “الحمد لله… كنت حاسس إن ربنا هيكرمنا.” سكت شوية، وبعدها كملت وكأني متوترة فعلًا. “بس في مشكلة.” قلق وقال: “مشكلة إيه؟” قلت: “الراجل رافض يحول الفلوس بنك، بيقول هيدفعهم كاش، والمبلغ كبير أوي… وأنا بصراحة خايفة أروح أقابله لوحدي أو أستلم الفلوس لوحدي.”
سكت لحظة، وكأني مستنية منه يقول إنه هيبعت حد من أهله. لكن اللي قاله أكدلي إنه مش فارق معاه غير الفلوس. قال بسرعة: “طب خدي أخوكي معاكي.” قلت: “أخويا مسافر، وبابا تعبان ومش هيقدر يتحرك.” سكت ثانية، وبعدها قلت الجملة اللي كنت مستنياها من أول ما بدأت الخطة. “أنا كنت بفكر… ما تيجي إنت؟” اتفاجئ. “أنا؟” قلت بهدوء: “آه… دي فلوسنا إحنا الاتنين، وأنا مش هبقى مطمنة غير وإنت معايا. وبعدين بقالي سنين مستنياك، حتى لو هتقعد يومين بس.”
فضل ساكت كام ثانية. واضح إنه بيحسبها. لو جه… مراته التانية هتعرف. ولو ماجاش… ممكن تضيع منه الفلوس اللي بيحلم بيها. قلت وأنا متعمدة أضغط عليه: “بصراحة أنا قولت للمشتري إني مش هسلمه الأرض ولا هقبــ,,ـــــض جنيه غير وجوزي واقف جنبي. دي أول مرة أمسك مبلغ كبير بالشكل ده، وأنا بخاف.” سمعته يتنهد وقال: “طب… اديني يوم أفكر وأشوف ظروفي.” ابتسمت وأنا عارفة إنه مش بيفكر في ظروف الشغل… هو بيفكر هيقول إيه لمراته. قلت بمنتهى البراءة: “خد راحتك، بس الراجل مستعجل، وقال لو اتأخرنا هيشتري أرض تانية.”
الجملة دي عملت مفعولها. قال بسرعة: “لا… لا، خليه يستنى يومين بس. وأنا هحاول أنزل.” قفلت المكالمة، وعلى طول كلمت المحامي وحكيتله اللي حصل. ابتسم وقال: “أنا كنت متأكد إنه هيوافق.” سألته: “ليه متأكد؟” قال بثقة: “لأن الطماع عمره ما يسيب الفريسة لما يحس إنها قربت تقع في إيده. ولو نزل مصر بنفسه، يبقى وفر علينا نص الطريق… وساعتها هيبقى لكل دــ,,ـــــادث حديث.”
تاني يوم من بدري، لقيته هو اللي بيتصل بيا. رديت بهدوء، لكنه كان واضح من أول كلمة إن دماغه مشغولة.
قال: “أنا حاولت أرتب الدنيا هنا… ولو ربنا سهل، ممكن أنزل آخر الأسبوع.” اتعمدت أبان فرحانة، وقلت: “بجد؟ يعني هشوفك؟” ضحك وقال: “طبعًا يا حبيبتي… هو أنا أسيبك في موقف زي ده؟ ده مبلغ كبير، ولازم أبقى جنبك.”
لو كان شايف وشي في اللحظة دي، كان شاف قد إيه كلامه كان بيوجعني. “لازم أبقى جنبك.” قالها بعد سنين كان سايبني فيها لوحدي في كل حاجة. قلتله: “المشتري كلمني امبارح، وقال أول ما يشوفك هيحدد معاد كتابة العقد ويسلمنا العربون، وبعدها باقي الفلوس كاش.”
سألني بسرعة: “هو معاه الفلوس جاهزة؟” ابتسمت وأنا باصة قدامي. ولا سأل مين المشتري. ولا سأل الأرض فين. ولا حتى سأل العقد هيتم إمتى. أول سؤال جه في دماغه كان… “الفلوس جاهزة؟” قلت: “آه… بيقول جاهز من كل حاجة.” قال وهو بيحاول يخبي فرحته: “تمام… خليكي متتكلميش معاه كتير لحد ما أوصل.” “حاضر.” وقبل ما يقفل، قال: “بالمناسبة… محدش يعرف بموضوع البيع ده، صح؟” قلت: “لا… حتى أهلي ميعرفوش. أنت أول واحد عرف.” تنفس براحة، وقال: “كويس… خلي الموضوع بينا لحد ما يخلص.”
قفل المكالمة. وبعد أقل من ساعة، بعتلي صورة تذكرة الطيران. كتب تحتها: “استني جوزك… المرة دي هنبدأ حياة جديدة.” بصيت للصورة، وبعدها حولتها للمحامي. رد عليا بعدها بدقايق: “احتفظي بكل حاجة، ومتنسيش أول ما يوصل تبلغيني.” قريت الرسالة، وقفلت الموبايل. وقفت قدام المراية أبص لنفسي. من كام أسبوع كنت واقفة قدام مراية الفندق في البلد الغريبة، منهارة ومش قادرة أصدق إن الراجل اللي بحبه بيعيش مع ست تانية. أما النهارده… فأنا اللي مستنية وصوله. لكن مش علشان أبدأ معاه حياة جديدة…
أنا مستنية اليوم اللي هتبدأ فيه نهايته معايا، واليوم اللي هيكتشف فيه إن الست اللي كان فاكرها أضعف من إنها تعرف الحقيقة… كانت طول الوقت بتجهزله الحساب، بهدوء، ومن غير ما يحس.
يوم وصوله، صحيت من الفجر. مش علشان كنت متحمسة أشوفه… لكن علشان كنت عارفة إن اليوم ده هيغير حياتي كلها. لبست بهدوء، واتصلت بالمحامي أطمن إن كل حاجة ماشية زي ما اتفقنا. قال لي: “خليكي طبيعية، وإوعي تبيني إنك عارفة أي حاجة. خليه هو اللي يطمن.”
بعدها بساعتين، كلمني وقال إنه نزل من الطيارة، وطلب أشوفه في كافيه قريب من المطار. روحت قبل المعاد بعشر دقايق. ولما دخل، أول ما شافني فتح دراعاته وهو بيبتسم. “وحشتيني.” بصيتله للحظة. قد إيه الإنسان ممكن يمثل؟ حــ,,ـــــضنته حــ,,ـــــضن خفيف، وأنا حاسة إن بيني وبينه عمر كامل، مش مجرد كام أسبوع. قعد قدامي، وفضل يحكيلي عن تعب الشغل، وضغط الغربة، وقد إيه نفسه يرجع يعيش معايا. كنت ببصله وأنا فاكرة حــ,,ـــــضنه لمراته التانية.
