منوعات

جوزى بعتلى رساله 2

وقفت في وسطة الباب وأنا بصلهم من فوق لتحت بابتسامة سخرية خلّت المحامي الضخم يتردد في خطوته. ما اتززعتش من مكاني ولا رمش لي جفن. رفعت إيدي وشاورت على الكاميرا الصغيرة المتركبة فوق الباب مباشرة وقلت ببرود يرعب: “شايف الكاميرا دي؟ دي بتسجل صوت وصورة وبتبث مباشر على سيرفر محمي. تصريحك وتهديدك ليّا بدخول جهنم متسجل كلمة بكلمة، والضغط عليّ للتربّح من عقد مزور يعتبر مشاركة صريحة في ج*ريمة ابتزاز ونصب!”

المشتري وشه اتغير وبص للمحامي بتاعه بقلق، بس المحامي حاول يتدارك الموقف وطلع ملف أسود من شنطته وقال بنبرة أهدى بس فيها مكر: “يا أستاذة إحنا ناس محترمين ومش بتوع مشاكل. موكلي رجل أعمال واتنصب عليه في مليون جنيه كاش، والشرطة قبــ,,ـــــضت على جوزك والصنعانية اللي معاه. إحنا مش جايين نهدد، إحنا جايين نعرض حل ودي. التوكيل مظبوط ومختوم، ولو دخلنا القضاء القضايا بياخد سنين والشقة هتبقى متنازع عليها ومحدش هيعرف ينتفع بيها. إيه رأيك تاخدي باقي قيمة الشقة كاش بكرة الصبح وتنهي الشروخ دي بدل ما تخسري كل حاجة؟”

ضحكت بصوت واطي ومسكت حرف الباب وقلتله: “أولاً: اللي كان جوزي بقى طليقي رسمياً من كام ساعة، وأوراقه بالكامل بقت برة حياتي. ثانياً: التوكيل اللي في إيدك مزور تزوير مفضوح، لأن الرقم القومي والختم اللي عليه يعودوا لشهر أنا اصلاً كنت فيه برة مصر ومثبت بختم الخروج والدخول في پاسبوري! يعني التوكيل ده هينزل الجلسة بكرة ويتطعن عليه بالتزوير والإنكار، وموكلك هيتحول من مجني عليه لشريك في استعمال محرر مزور وهو يعلم، خصوصاً إن المليون جنيه أتدفعت كاش في غرف أوتيل في الغردقة مش في مكتب توثيق رسمي ولا بحساب بنكي!”

المشتري أتحول لونه للأصفر، وبص للمحامي بتاعه بصدمة وقال بصوت واطي: “أنت مش قلتلي التوكيل سليّم ومفيهوش ثغرة؟!” المحامي ملقاش رد، وبدأ يتراجع خطوة لورا. كملت أنا كلامي بكل ثبات وقسوة: “لو عايز تشوف المليون جنيه بتاعتك تاني، روح أقف في طابور المجني عليهم قدام نيابة الغردقة، وارفع قضية رد مبالغ على طليقي وعلى شيرين صاحبتي السابقة. هما اللي أخدوا فلوسك وهما اللي لبسوك في الحيطة. لكن لو فكرت تحط رجلك على سلم العمارة دي تاني، أو تبعتلي أي حد يساومني، المحضر الجاي هيطلع فوراً للنيابة العسكرية والأموال العامة بتهمة التهديد والتآمر على سلب ملكية عقارية!”

المشتري زق المحامي بتاعه بغضب وهو بيزعق فيه: “ودتني في داهية يا غبي!”، ولف وضهره للباب ونزل يجر أذيال الخيبة والسلم بياخده، والمحامي يجري وراه بيحاول يبررله.
قفلت الباب وراهم، ورجعت قعدت في الصالة. الهدوء كان سيد المكان. بس تليفوني رن المرة دي برقم غريب جداً. رديت، وجالي صوت واطي، متقطع، وبيرتعش، جاي من تليفون عمومي جوة السجــ,,ـــــن أو قسم الشرطة.. كان صوت شيرين!

صوتها كان رايح تماماً من البكاء والذل: “أميرة.. أنا شيرين.. أرجوكي ما تقفليش الخط! أنا بتمــ,,ـــــوت هنا يا أميرة.. النيابة رفضت الكفالة وجددولنا ١٥ يوم على ذمة التحقيق! المشتري ده تبع ناس واصلين وهيمــ,,ـــــوتونا جوة! طليقك لبّسني أنا كل حاجة وقال للنيابة إن أنا اللي خططت وسرقت التوكيل وجرجرته ورايا! والله هو اللي كان عايز يخلص منك وبياخدني ستر عشان يبيع كل حاجة ويهربني معاه! أرجوكي سامحيني ونقذيني، أنا على استعداد أغير اقوالي وأعترف بكل البلاوي اللي عملها من وراكي طول الخمس سنين اللي فاتوا مقابل إنك تطلعي المحامي بتاعك يطالب ببرائتي!”

غمضت عيني واستطعمت لحظة سقوط الأقنعة. الخيانة بدأت تأكل بعضها جوة الزنزانة، والكل بقى مستعد ينهش في التاني عشان ينجو بجلده! قلت لها بصوت هادي وبارد كأنه طالع من مقبــ,,ـــــرة: “فاكرة يا شيرين لما كنت بتدخلي بيتي وتأكلي من أملي وتنامي على سر,,ـــــيري وأنتي بتخططي إزاي تاخدي جوزي وفلوسي؟ دلوقتي بقيتي بتترجيني؟ اعترافاتك عن طليقي تحطيها في المحضر قدام وكيل النيابة، لكن أنا مش هحرك صباع واحد عشان أنقذ رقبتك.. أنت وهو هتاكلوا بعض جوة، وده أقل ثمن للخيانات اللي زرعتوها!”

قفلت السكة في وشها قبل ما أسمع صريخها المتواصل، وقمت وقفت قدام مراية الصالة. بصيت لوشي.. لمحت ملامح ست عمرها خمسين سنة، بس عيونها فيها قوة وتحدي أصلب من الحديد. وفي اللحظة دي بالذات، جرس الباب رن تاني، بس المرة دي دقة خفيفة ومترددة.. لما بصيت من العين السحرية، شفت شخص أخير ما كنتش أتوقع إطلاقاً إنه يظهر في المشهد ده بالذات!

فتحت الباب ببطء، وعيني جات على الشخص الواقف قدامي. مكنش حد من قرايب طليقي ولا بلطجية من طرف المشتري.. ده كان “أستاذ كامل”، المحاسب القانوني القديم للشركة، الراجل اللي طليقي طرده وشتايل من شغل الشركة من سنتين عشان كان رافض يمرر أوراق مالية مشبوهة!

كان واقف ماسك في إيده شنطة جلد قديمة، وعينيه فيها مزيج من الثبات والارتياح. بصلي ونطق بنبرة وقورة: “مساء الخير يا مدام أميرة.. أنا أسف إن جيت في وقت زي ده، بس لما عرفت باللي حصل في النيابة والغردقة، عرفت إن الوقت جه عشان الأوراق دي تطلع للنور.”
وسعتله الطريق ودخل الصالة، قعد على الكرسي وحط الشنطة الجلد على الطاولة وفتحها. طلع منها ملف أزرق متين مليان مستندات وأوراق رسمية مختومة.

بصلي وقال بوضوح: “طليقك لما طردني من السنتين، كان فاكر إنه بيقفل ملف تجاوزاته. لكن أنا كمحاسب قانوني ومسؤول قدام ربنا والقانون، احتفظت بظروف وأصول المستندات اللي كان بيحاول يخليني أزورها وأمررها. الملف ده فيه كل تحويل بنكي، كل توقيع، وكل عملية غسيل أموال صغيرة كان بيعملها لحسابه الخاص من وراكي ومن ورا الضرائب والرقابة المالية، بمساعدة شيرين اللي كانت بتنسق معاه الشغل المالي من برة برة!”

مسكت الملف وأنا بقلب الأوراق بصدمة وخبرة؛ المستندات مكنتش بس تثبت التزوير، دي كانت بتثبت إن طليقي وشيرين كانوا شغالين في شبكة كاملة لإخفاء أصول ومبالغ مالية ضخمة مسروقة من عدة أطراف، وإنهم كانوا مخططين يلبسوكي إنتي الشرك بالكامل والديون قدام الدولة لما كل حاجة تتكشف!

أستاذ كامل كمل كلامه بثبات: “طليقك وشيرين مكنوش بس بيخونوكي في مشاعرك وفي بيتك، دول كانوا بيجهزوا إنك تتدخلي السجــ,,ـــــن مكانه لما الأوراق الرسمية تتكشف والضرائب تطالب بالمليارات! أنا جيت النهاردة عشان أقدم الملف ده للمحامي بتاعك، والأوراق دي كفيلة مش بس بإنها تمنع المشتري من إنه يفكر يرفع عليكي قضية واحدة، دي هتحول قضية طليقك وشيرين من مجرد استيلاء وتزوير فردي، لقضية كبرى قدام محكمة الجنايات والأموال العامة العليا!”

حسيت ببرودة بتسري في جسمي وأنا بفهم حجم الكارثة اللي ربنا نجاني منها في الوقت المناسب. السكوت اللي سكتّه، والقرارات السريعة اللي أخدتها بقفل الكروت وتغيير الكوالين، مكنوش مجرد رد فعل لخيانه زوفية.. دول كانوا السبب المباشر اللي فركش المخطط كله قبل ما يتقفل عليا المحبس!

أخدت الملف وناديت على المحامي بتاعي فوراً. وبعد ساعة واحدة، المحامي كان قاعد معايا في الصالة وهو بيقرأ المستندات وعينيه بتتوسع من الذهول: “ده مش مجرد كارت قوة يا مدام أميرة.. ده قنبلة موقوتة! الملف ده لما يتقدم بكرة الصبح لنيابة الأموال العامة، طليقك وشيرين مش هيخرجوا من السجــ,,ـــــن قبل عشر سنين على الأقل، وأي حد حاول يهددك من المشترين أو قرايبه هيتجرجر معاهم في التحقيقات!”

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى