منوعات

جوزى بعتلى رساله 2

في صباح اليوم التالي، وتحديداً الساعة عشرة الصبح، كنت واقفة بنفسي قدام مجمع المحاكم والنيابات. العيلة كلها كانت متجمعة برة، ومعاهم محامي جديد أجرُوه عشان يحاول يطلّع طليقهم بكفالة بعد ما عرفوا إن الجلسة اتحددت فوراً.
أول ما شافوني قربوا عليا، وإبراهيم أخوه جه يركض وهو ماسك إيدي وبيعيط بحــ,,ـــــرقة قدام كل الناس: “أميرة! المحامي قالنا إن لو دخلنا الملف ده النيابة ابننا هينتهي للأبد! أبوس رجليكي يا شيخة، ارحمي شيبتنا وارحمي أمه اللي هتمــ,,ـــــوت من الصدمة! خدي أي ضمانات، خدي شيكات بعشرة مليون، بس بلاش تبلاغ الأموال العامة!”

وقفت في نص الساحة، ورفعت رأسي لفوق وأنا بصلهم بكل جبروت وقوة امرأة استردت كرامتها وحقها بالحرف، وقلت بصوت صارم سمع القاصي والداني: “أنا ربيتكوا وعيشتكوا في خيري سنين، وكنت فاكرة إنكم عيلة حقيقية.. لكن لما قررتوا تاكلوا لحمي وتفرحوا في كسرتي مع واحدة خاينة، بعتوا الرحمة! الملف ده هيدخل حالا لوكيل النيابة، والقانون هو اللي هيحكم بيني وبينكم!” سبتهم وصراخ حماتي بيهز المكان، ودخلت مع المحامي لغرفة وكيل النيابة، وأنا بفتح الملف الأزرق وبحطه على المكتب قدام القاضي..

وبعد ساعتين بالضبط من التحقيقات المباشرة الصارمة، خرج قرار النيابة الجديد اللي زلزل كل الحاضرين وغيّر مجرى القضية كلياً! خرج وكيل النيابة من مكتبه بعد ما راجع الملف الأزرق بنفسه ودقق في كل تحويل بنكي ورقم حساب، والهدوء الصارم كان يسود القاعة. المساعد بتاعه خرج ونادى بصوت عالٍ هز الممر: “حضور المتهمين طارق عبد الرحمن وشيرين محمود من التخشيبة فوراً!”

بعد دقائق، جابوهم العساكر في وسط حراسة مشددة، متكلبشين في إيدين بعض. طليقي كان شكله يرثى له; وشه أصفر، هدومه متبهدلة، ودقنه نبتت في يومين، وعينيه مليانة ذل ورعب. وشيرين كانت بتجر رجليها وهي بتبكي بهستيريا، أول ما عينها جات في عيني حوّلت وشها للأرض من الخزي. العيلة كلها كانت واقفة ورا الحاجز، حماتي وإبراهيم ومحاميهم الجدد مستنيين القرار وشفايفهم بترتعش. دخل وكيل النيابة وقعد على منصته، وبص للمتهمين بنظرة حادة، ثم وجه كلامه للمحامي بتاعهم وللجميع وصوته يرن في القاعة:

“بعد الاطلاع على الأوراق والمستندات الجديدة المقدمة من المجني عليها وهيئة الرقابة المالية والأموال العامة، وتبين وجود شبكة التزوير واختلاس وإخفاء أموال ومحاولة سلب ملكية عقارية واصطناع محررات الرسمية.. قررت النيابة العامة الآتي: أولاً: إلغاء كافة قرارات الكفالة السابق مناقشتها.
ثانياً: حبس المتهم الأول طارق عبد الرحمن والمتهمة الثانية شيرين محمود خمسة عشر يوماً على ذمة التحقيق وتجديدها في المواعيد القانونية. ثالثاً: تحويل القضية بالكامل إلى محكمة الجنايات العليا بتهم التزوير في أوراق رسمية، واستعمال محررات مزورة، والنصب والإضرار بالمصلحة المالية لمؤسسات مسجلة.

رابعاً: التحفظ على جميع الأموال والحسابات البنكية والممتلكات الخاصة بالمتهمين لحين استيفاء الحقوق والتعويضات!” القرار نزل زي الصاعقة! حماتي صرخت صرخة هزت أركان المحكمة ووقعت أرضاً وإبراهيم والناس بيحاولوا يفوقوها. طليقي انهار في الأرض وهو بيصرخ ويدق على البلاط: “لا يا بيه! أنا اتخدعت! هي اللي جرجرتني! والله هي اللي خططت!” شيرين هجمت عليه بالكلابشات وهي بتصرخ وتضــ,,ـــــرب فيه وتتف في وشه: “أنت كذاب يا خائن! أنت اللي قلتلي هنبيع ونأمن نفسنا ونهرب برة البلد! أنت اللي دمرتني ودمرت نفسك!”

العساكر اتدخلوا بالعافية وفكوا الاشتباك بينهم وسحبوهم للداخل وهما بيصرخوا ويدعوا على بعض، والكلابشات بتصلي ببعضها في منظر ذليل قدام المحكمة والعيلة والناس كلها اللي كانت واقفة بتتفرج وتصور بالموبايلات! إبراهيم أخوه أتحرك ناحيتي ورجليه مش شايلاه، وبصلي بنظرة انكسار تام وقال بصوت مبحوح: “خلاص يا أميرة.. دمرتيهم ورُحتي؟ ارتحتي كده لما لبستيهم الجناية والكلابشات في إيديهم؟” بصيتله بمنتهى الثبات والبرود، وعدلت شنطتي على كتفي وقلتله بكلمات حاسمة: “أنا ما دمرتش حد.. هما اللي طمعوا وافتكروا إن الهدوء ضعف. ابنكم وصاحبتي اختاروا الطريق وده حصاد شغلهم. وأنتوا لو كنتوا ربطتوه ونصحتوه لما جه على حقي، مكنتوش هتقفوا الوقفة دي النهاردة!”

سبتهم ونزلت على سلم المحكمة وأنا حاسة إن الهوا يدخل صدـ,,ـــري صافي ونظيف لأول مرة من سنين. خرجت للشمس المشرقة، وركبت عربيتي وأنا عارفة إن الجلسة الأخير والنهائية في محكمة الجنايات أصبحت مجرد وقت، وإن كل واحد هياخد عقابه بالقانون وبكتاب مقفول! تليفوني رن المرة دي، وكان المتصل هو المحامي بتاعي، وصوته فيه نبرة ترقب واهتمام شديد: “أستاذة أميرة.. بخصوص الجلسة الختامية بكرة في المحكمة وتحديد العقوبة النهائية، المشتري طلب يقدم إفادة خطيرة هتغير كل

دخلت قاعة محكمة الجنايات في اليوم الموعود، والهدوء يلف المكان برهبة وجلال. القاعة كانت مليانة على آخرها؛ قرايب طليقي، الصحافة، والجيران اللي جم يتابعوا نهاية القصة اللي هزت المنطقة.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى