**الجزء الخامس** خرجت من مندرة الحاج عبد العظيم ورأسي مرفوعة للسما، وسيبت ورايا معمعة أصوات الرجال وحس محمود وهو بيكلم أبوي وأعمامي بصوت مبحوح ومكسور، بيترجاهم يثنوني عن رأيي. لكن الكلمة لما تطلع من ست صابرة ثمان سنين، بتبقى أقوى من السيف. مرت الأسابيع، والقضايا في المحكمة كانت ماشية زي الساعة. المحامي بتاعي مشي في إجراءات التمكين ونفقة الصغار، وكل الجلسات كانت بتنزل لصالحي بفضل التقارير الطبية وشهادة الشهود من الجيران اللي شافوا خروجي في نص الليل بشنطة هدومي وعيالي المرضى.
في الناحية الثانية، الشقة عندهم تحولت لجحيم! سليمان—أخو محمود وجوز سلفتي—لما عرف بالرسائل وباللي حصل وبالجلسة العرفية اللي اتفضحت فيها العيلة قدام المنطقة، نزل إجازة طارئة من الكويت وهو على آخره. أول ما حط رجله في البيت، وبدل ما يلاقي الشقة متوضبة والست الهانم متستتة، لقى بيته يضــ,,ـــــرب يقلب، وأمه قرفانة ومتنكدة، ومراته قاعدة بتتأفف ومبتعملش لقمة أكل لنفسها! سليمان ما طقش الموقف، وزعق في أمه ومراته بصوت سمع العمارة كلها:
ـ “أنا مغترب وبشقى وبحولكم دم قلبي عشان تعيشوا معززين، تقوموا تطردوا مرات أخويا اللي كانت شايلة البيت وأمي، وتعملولنا جرسة في البلد؟! هي هانم وأنا مش عارف ولا جايبها ملكة جمال مصر تتسند على الكنب وأختنا تخدمها؟!” سلفتي حاولت تعيط وتتدلع وتتمسكن زي عادتها وتلعب بديلها: ـ “يا سليمان أنا تعبانة وحامل في الشهر السادس وما أقدرش أتحرك…” سليمان ما بلعش الطعم المرة دي، رد عليها بصوت زي الرعد: ـ “حامل زي كل الستات اللي بيحملوا وبيخدموا بيوتهم! أمي اللي جابتك تعيشي عندها هي اللي دلعتك، ودلوقتي شيلوا شيلتكم! أنا مش جايب أخت الناس تشيل قذارتك!”
محمود بقى عايش في الشقة زي الغريب، أمه كل يوم تنكد عليه وتقوله “شوفلك حل.. الشقة متبهدلة وأنا كبرت ومش قادرة ومفيش حد يطبخ ولا يغسل”، وسلفتي قاعدة زعلانة في أوضتها، وسليمان أخد جنب من أخوه وأمه ومبقاش يكلمهم بسبب الفضيحة. في يوم، ووسط كل الضغوط دي، محمود جاني بيت أبوي. كنت واقفة في البلكونة بأكل ابني اللي كان صحته تحسنت والحمد لله، اتفاجأت بيه واقف تحت البلكونة، وشحه شاحب، ودقنه خفيفة ومش متظبطة، وباين عليه الهم والتعب.
رفع رأسه وبصلي بنظرة رجاء واستعطاف عمره ما بصها لي في حياته، وناداني بصوت واطي: ـ “انزلي يا أم فلان.. عايز أكلمك كلمة واحدة بس من غير محاكم ولا رجال.” أبوي كان جوة، خرج وقالي: “عايزة تنزلي تسكيتي حسّه يا بنتي ولا أطلع أطرده؟”
قولتله بثبات: “لا يا أبوي.. أنا هنزل، عشان أحط النقط على الحروف وأخليه يفهم إن اللي اتكسر مبيتصلحش بالطريقة دي.” نزلت وقفت على باب العمارة، حاطة إيدي في وسطي، وبصيتله ببرود تام:
ـ “خير يا محمود؟ أوراق المحكمة بتوصلك أول بأول.. جاي هنا ليه تاني؟” محمود قرب خطوة، وصوته بيترعش: ـ “أنا آسف.. حقك عليا وعلى رأسي من فوق. أنا أكلت نفسي بالندم يا بنت الناس، البيت من بعدك يفتح النفس على المــ,,ـــــوت، أمي زهايمر النكد ركبها، وأخويا نزل من الكويت ومقطعني، وسلفتك طلعت على حقيقتها ومش طايقة تدعك كوباية! أنا عرفت قيمتك وعرفت إنك أنتِ اللي كنتِ شايلة البيت والستر كله.. ارجعي وبيتك هيبقى ملكك وما حدش يقدر يكلمك كلمة نص!”
بصيتله وأنا حاسة بقرف من التناقض بتاعه، ابتسمت ابتسامة سخرية وقولتله: ـ “دلوقتي عرفت قيمتي؟ لما سلفتك طلعت مش طايقة تخدم، ولما بيتك اتقلب مزبلة، ولما أخوك هزءكم؟ أنت مش زعلان عليا ولا ندامان عشان ضــ,,ـــــربتني وهنتني.. أنت ندمان عشان الخدامة المجانية اللي كانت شايلتكم ثمان سنين مشيت وسابتلكم القذارة اللي كنتم مغطيينها بيا!” محمود مسك إيدي بلهفة: ـ “والله العظيم لأغير كل حاجة! شقتي فوق مش هيدخلها حد، وأمي مش هتدخل في حياتنا تاني، بس ارجعي عشان خاطر العيال!”
سحبت إيدي من إيده بقوة وشدة زلزلته، وبصيت في عينيه بثبات: ـ “العيال هيرجعوا شقتهم بحكم التمكين اللي الصادر من المحكمة.. الشقة دي حقهم وحقي ثمن ثمان سنين خدمة وقهر. بس أنت.. مالكش مكان في حياتي تاني يا محمود. اللي يمد إيده على مراته عشان يرضي طمع أمه ودلع سلفتها، ميتأمنش على بيت ولا كرامة!” محمود اتسمر مكانة وعينيه اتملت دموع عجز وغل، ولما استوعب إني مش راجعة، بدأ صوته يعلى تاني بيحاول يمارس قوته القديمة:
ـ “يعني إيه؟! هتعيشي في شقتي وأنا برة؟! أنتِ فاكرة المحكمة هتسيبك تخلعي مني بالساهل؟!” رديت عليه وأنا بلف ضهري وطلعة السلم بخطوة واثقة: ـ “القانون بيننا يا محمود.. واللي عملته بإيدك تحمل نتايجه!” سيبته واقف في الشارع زي المجنون، ودخلت بيتنا وأنا حاسة إن نــ,,ـــــاري بردت، وإن بداية حقدي وحقي عادلي.. بس القصة لسة مخلصتش، لأن قرار التمكين كان هيتنفذ الأسبوع الجاي بحضور قوة من الشرطة، وده اللي كان هيقلب العيلة رأسًا على عقب!
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم **الجزء السادس** خرجت من مندرة الحاج عبد العظيم ورحت بيتنا، وكانت الأحداث طالعة ونازلة في المنطقة زي الموج، والقضايا اللي رفعتها ماشية في سكتها القانونية بثبات. التقارير الطبية وإثبات حالة الضــ,,ـــــرب وتقرير سخونية الواد جعل موقف محمود وأمه ضعييف جداً قدام المحكمة.