منوعات

جوزى اول ما اتقدملى بقلم روماني

نزلت مع سامح والدنيا بتلف بيّا، حاسة إن كل خطوة على السلم بتسحب جزء من كرامتي. فوق كنت بكلم جوزي اللي اتمنيت يكون سندي، وتحت مستنيني المجلس العرفي اللي منصوب لي في أول أسبوع جواز. أول ما دخلنا شقة حماتي، لقيت حمايا قاعد على الكنبة الكبيرة ومسك العكاز في إيده، وحماتي قاعدة جنبه ووشها متجهم، ومصطفى أخو سامح واقف جنب الباب وعينه في الأرض. المكان كان يسوده صمت تقيل يرعب. سامح اتكلم بنبرة فيها توتر واضح:

— “خير يا بابا؟ في إيه؟ حضرتك طلبتني أنا ومنار ليه؟” حمايا بص لسامح بصرامة، وبعدين وجه نظره ليّ، وكانت نظرته حادة خالية من أي ابتسامة من بتوع يوم القعدة الرسمية، وقال بصوت جهوري: — “اقعد يا سامح.. وأنتِ يا عروسة اقفي مكانك واسمعي الكلمتين دول كويس.” قلبي اتنفض من الطريقة، بس حاولت أتماسك ورجعت خطوة لورا وقلت بثبات: — “أنا أسمع وحضرتك بتتكلم يا عمي، بس أظن الأصول إننا نتكلم باللي اتفقنا عليه مع بابا.”

حماتي ضربت على فخذها بصوت عالٍ وقالت بحدّة: — “أهو شايف يا حاج؟ شايف طول اللسان؟ من أول أسبوع وعاوزة تكسر كلمتي وتعمل رأسها برأسي! بتقول لأمك لأ يا سامح، وطالعة تشتكي لك وتعيط وتعمل من الحبة قبة!” حمايا رفع إيده عشان حماتي تسكت، وبص لي وقال:

— “بصي يا بنت الأصول.. اللي يتقال في القعدات والأصول يتقال عشان ندخل البيوت من أبوابها، إنما لما تقعدي في البيت ده، تبقي حتة منه! البيت ده ملوش غير كلمة واحدة، كلمة أمك الحجة هي اللي تمشي على الصغير قبل الكبير. سلفتك أمل بنت ناس وعيلة برضو ومع ذلك شايلة البيت كله ومبتقولش لأ، أنتِ مش على رأسك ريشة عشان تقعدي هانم في الدور التالت ونحنا نخدمك!” بصيت لسامح مستنية منه كلمة، مستنية يفتكر وعده، يفتكر أبوي وهو بيحط إيده في إيد أبوه، بس سامح كان باصص في الأرض وبيفرك في إيديه وبس، ما نطقش بحرف!

رديت أنا وبصوتي كان بيرتجف بس القهر هو اللي بيتكلم: — “بس حضرتك يومها قلت لبابا إن شقتي هي مملكتي ومحدش هيجبرني على حاجة ما اعرفهاش! بابا ما شرطش الشرط ده تكبُّر، بابا شرطه عشان عارف إن دنيتي غير دنيتكم وأنا ما أستحملش شغل الأرض ولا الطيور!” حماتي وقفت وقربت مني وهي بتشاور بإيدها في وشي: — “تتعلمي! زي ما اتعلمتي تقعدي على الكتب وتدخلي الجامعات، تتعلمي إزاي تشيلي اللقمة اللي بتاكليها! هنا مفيش هوانم، والبيت ده اللقمة فيه بتيجي بالشقا، واللي مش هتشقى معانا، ملهاش مكان على سفرتنا!”

الموقف كان بيزيد صعوبة، وحسيت بالحصار من كل ناحية. مصطفى سلفي حاول يهدّي الجو وقال بصوت واطي: — “يا أمي بالراحة عليها، دي لسة جديدة ومش واخدة على الطباع دي..” بس حماتي زقته بكلمة حادة: — “أنت تسكت خالص يا مصطفى! الجوازة دي لو مشيت على كيفها من أولها، بكرة تتدلع وتنسى أصلها!” هنا حمايا حسم الكلام وضرب بالعكاز على الأرض وقال بصوت قاطع: — “الكلام خلص! من بكرة الفجر، تنزلي مع سلفتك أمل، تكنسي الحوش، وتساعدي في الخبيز، وتطلعي للطيور. وسامح جوزك هو اللي هيحاسبك لو قصرتي. اتفضلوا اطلعوا على شقتكم.”

طلعت السلم وأنا مش حاسة برجلي، وسامح ماشي ورايا ساكت. أول ما دخلنا الشقة وقاد النور، قفلت الباب وبصيت له وقلت له بمنتهى الجفاء: — “أنت ساكت ليه؟ ليه ما نطقتش؟ ليه ما قلتلهمش إنك وافقت على شرط أبوي؟” سامح مسك كتفي وقال بنبرة رجاء: — “يا منار افهميني! أنا لو اتكلمت كنت هكبر المشكلة وأقف قدام أبوي وأمي! اصبري شوية وساعدي أمي ومشي الدنيا، مع الوقت هيحبوا طبعك وياخدوا عليكِ ويهدوا!” صرخت فيه والدموع بتنزل من عيني:

— “أنا مش هساعد حد تحت الإهانة والتهديد! أنت بعت شرط أبوي من أول اختبار، وسيبتهم يكسروا نفسي قدامك وأنت واقف تتفرج!” سامح اتعصب وقال: — “يعني عاوزاني أعمل إيه؟ أعمل مشكلة مع أهلي وأخرب بيتي في أول أسبوع عشان شوية شغل في البيت؟ كبري عقلك يا منار وما تخليش الشيطان يدخل بيننا!”

سيبته ودخلت اوضة النوم وقفت الباب بالمفتاح. قعدت على السرير وأنا جسمي كله بيلتعب. موبايلي كان جنبي على التسريحة، مسكته وعيني على اسم بابا.. كنت عاوزة أكلمه وأقوله “تعال خذني، الشرط اللي اشترطته اتكسر في أول أسبوع”، بس افتكرت الفرح اللي ما عدش عليه أيام، وكلام الناس، وفرحة أمي بيا. مسحت دموعي وقلت لنفسي: لو كلمت بابا دلوقتي، هتصرب مشكلة كبيرة بين العيلتين، ويمكن تكبر وتوصل للطلاق.. لكن لو سكت، هبقى خدامة طول عمري هنا.

عدت الساعات وأنا صاحية ومش عارفة أنام، ولحد ما الفجر أذن، سمعت خبط شديد ورزع على باب الشقة من بره.. خبط متواصل وبقوة تكسر الخشب، وصوت حماتي بره بتزعق في الممر: — “اصحي يا عروسة! الفجر أذن والشغل مستني فوق السطوح وفي الحوش! يلّا انزلي ورصي نفسك!” قمت من السرير، وقفت قدام المراية بصيت لوشي الشاحن، واكتشفت إن الضعف والخوف مش هينفعوني في البيت ده.. أخدت نفس عميق، وفتحت باب الأوضة، ولقيت سامح وافق في الصالة خايف ومرتبك.

بصيت لسامح وقلت له بكلام هادي وزي الثلج: — “أنا نازلة يا سامح.. نازلة المرة دي، بس عشان أوريهم منار البنت اللي دخلت بيتهم هتعمل إيه، والرد مش هسيبه لك.. الرد هيكون مني أنا.” فتحت باب الشقة ونزلت على السلم، ولما وصلت الحوش لقيت حماتي وأمل واقفين، وحماتي في إيدها المكنسة وجردل المية، وبتبصلي بابتسامة نصر وتحدي..

انت في الصفحة 2 من 4 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى