#الكاتب_رومانى_مكرم نزلت على السلم بخطوات أثقل من الجبال، بس المرة دي ما كانش فيه دموع في عيني. الخوف اللي كان ماليني امبارح تحول لشيء تاني خالص.. تحول لبرود ووجع مكتوم وكرامة بتصرخ. أول ما وصلت الحوش، لقيت حماتي واقفة ومربعة إيدها، وبتبصلي بابتسامة نصر وقالت بنبرة شمتانة: — “أيوة كده! من بدري.. هو ده العقل والرزانة. يلا يا شاطرة، أمل جهزت المية والعلف، ادخلي معاها الزريبة واكنيسي تحت المواشي الأول وبعدين اطلعي للطيور.” أمل سلفتي قربت مني وبصتلي بنظرة كلها أسف ورجاء إن الموقف يعدي، وقالت بصوت واطي:
— “تعالي معايا يا منار.. أنا عملت نص الشغل والله، اقفي بس معايا عشان ما تعملش مشكلة.” بصيت لأمل وابتسمت لها ابتسامة خفيفة، وبعدين التفتت لحماتي اللي كانت واقفة مستنية تشوفني وأنا بمسك المقشة وبوطي رأسي. قفزت خطوتين للقدام، وبدل ما أمد إيدي للجرادل والمقشة، وقفت في نص الحوش بصدر مرفوع، وقلت بصوت واضح وقوي رن في الدوار كله:
— “أنا نزلت يا حاجة عشان أقولك كلمتين قدام ربنا وقدام أمل وسلفي اللي واقف هناك ده.. أنا بنت ناس متعلمة، دخلت بيتكم معززة مكرمة، وأبوي اشترط عليكم شرط يضمن كرامتي، وأنتو وافقتوا ورجعتوا في كلامكم من أول أسبوع. أنا مش هكسر كلمة أبوي، ومش هشتغل في الزريبة ولا هخدم البيت ده تحت الإهانة والتهديد!” حماتي اتصدمت من النبرة، وشها اتغير ولونها اتخطف من الجرأة، وعينيها برزت من الغضب: — “انتِ بتعلي صوتك في بيتي يا بت أنتِ؟ وبتقولي لأ في وشي؟ هي دي تربية البندر؟”
في اللحظة دي، كان حمايا نازل على السلم وسامح طالع من الشقة وراه على صوتي. حمايا صرخ وهو نازل بالعكاز: — “في إيه اللي بيحصل هنا؟ الصوت ده طالع ليه من الصبح؟” حماتي راحت جري على حمايا وشاورت عليا وهي بتصنع البكاء والانكسار: — “شايف يا حاج؟ شايف العروسة اللي جيبينها لسالم؟ نازلة من الصبح تعلي صوتها عليا وتغلط فيا وفي تربيتي، وتقولنا أنتم ناس معندكوش كلمة وأنها مش هتحط إيدها في حاجة في البيت ده!”
سامح جري عليا ومسك إيدي بقسوة وتوتر وقال بصوت عالي: — “منار! أنتِ اتجننتي؟ إزاي تتكلمي مع أمي كده؟ اتأسفي لها فوراً واعتذري لحاج!” بصيت لسامح ونفضت إيده عني بكل قوتي، وقضيت عليه بنظرة كفيلة إنها تقتله. قلت له بكل حسرة: — “أنت آخر واحد تتكلم يا سامح! أنت اللي اتخليت عني وعن وعدك لأبوي من أول لحظة. اتأسف على إيه؟ على إن أهلك كسروا الشرط وإهانوا كرامتي؟” حمايا رفع عكازه وضرب بيه على الأرض بصرامة هزت المكان وقال بحدّة:
— “الكلام ده ميمشيش في بيت الحاج متولي! اللي تعصى أمر البيت ده ملهاش قعدة فيه.. يا تعتذري لأمك الحجة وتنزي تطبقي كلامها، يا إما الباب يفوت جمل وترجعي بيت أباكِ زي ما جيتي!” الكلمة كانت زي القنبلة، ساد الصمت في الحوش كلنا. حماتي ابتسمت بانتصار، وأمل حطت إيدها على بقها مصدومة، وسامح وقف متسمر مش عارف يتصرف أو يتكلم، مستني مني أضعف وأبكي وأتأسف عشان ما أخربش بيتي. بس أنا بصلت لحمايا بثبات ورحت شايلا دبلتي من إيدي، وحطيتها على الطاولة اللي في نص الحوش قدامهم كلهم.
قلت لهم بصوت أهدى من الهدوء نفسه، بس كان يقطع الزجاج: — “بيت أباكِ اللي بتقول عليه ده يا عمي.. دخلته وأنا مرفوعة الرأس، وهخرج منه وأنا مرفوعة الرأس. الشرط اللي اتفقنا عليه كان هو الأمان اللي بيننا، ولما اتكسر الأمان، الجوازة دي كلها ملهاش قيمة.” التفت لسالم وقلت له: — “أنا اتجوزت راجل يفتكر وعده ويحميني، للأسف ما لقيتوش هنا.” لفيت وشي ومشيت، طلعت السلم لغاية شقتي وسط ذهول البيت كله، حماتي كانت بتزعق ورايا، وسامح بيجري ورايا على السلم وبيقول:
— “منار استني! أنتِ بتعملي إيه؟ اعقلي وما تخربيش بيتك بيدِك!” دخلت الشقة، قفلت الباب في وش سامح بالمفتاح. طلعت شنطة السفر الكبيرة من تحت السرير، ولميت فيها هدومي الأساسية وأوراقي ورسايلي، وسامح عمال يخبط على الباب بكل قوته ويزعق ويترجى مرة ويهدد مرة. أنا ما كنتش بنطق، مسكت تليفوني واتصلت ببابا. أول ما سمعت صوته الحنين وبيقول: “أهلاً يا حبيبة بابا، صباح الخير”، ما قدرتش أتمالك نفسي ودنوعي نزلت بس بصوت مكتوم. قلت له:
— “يا بابا.. تعالى خذني. الشرط اتكسر، وأنا مش هقدر أكمل هنا.” بابا ما سألش عن أي تفاصيل، ولا قال لي اصبري ولا اعقلي.. رد عليا بكلمة واحدة هزت كياني وأعادت لي ثقتي في نفسي: — “مسافة السكة يا بنتي.. جهزي حاجتك، وأنا وإخواتك جايين في الطريق.” قفلت مع بابا، وفتحت شنطتي وقفتها. ووقفت في نص الصالة مستنية وصول أبوي، وأنا عارفة إن المواجهة اللي جاية لما بابا يوصل الدوار مش هتبقي مجرد كلام.. هتبقي الحد الفاصل في حياتي كلها.
#الكاتب_رومانى_مكرم مرت ساعتان كانت الأطول في حياتي. سامح كان رايح جاي في الصالة بره الأوضة، يتوسل ويترجى مرة، ويثور ويرزع على الباب مرة تانية: — “افتحي يا منار.. بلاش تعملي فضيحة! أبوي وأمي مش يقصدوا يقللوا منك، بس دي عوائدنا! بلاش تدخلي أهلك وتكبري الموضوع!” ما كنتش برد عليه ولا بحرف. كنت قاعدة على طرف السرير، لابسة خروجي، وشنطة هدومي جنبي، وبصلي في الفراغ بثبات غريب.. ثبات الاستغناء بعد الخيبة. وفجأة، سمعت صوت العربيات وهي بتهدي قدام باب الدوار تحت، وصوت أبوي الحاسم وهو داخل الدوار ومعاه إخواتي الكبار أحمد ومحمود. الصوت اللي هز أركان البيت وأنهى كل المهزلة.
نزلت من الأوضة وفتحت باب الشقة، وسامح واقف ورايا وشه أصفر وزي الميت. نزلنا السلم سوا، ولما وصلت الحوش، كان المشهد لا يُنسى. أبوي واقف في نص الحوش بكل هيبة، وإخواتي الاثنين واقفين جنبه زي الأسود. حمايا وحماتي وسامح ومصطفى كانوا واقفين قبالهم، والجو كان مشحون بكهرباء تقطع النفس. أول ما أبوي شافني نازلة وفي إيدي الشنطة ووشي باين عليه القهر، عينه لمعت بغضب مكتوم، وقرب مني أخد الشنطة من إيدي وحط إيده التانية على كتفي وطمنّي بنظرة واحدة.
حمايا حاول يلطف الجو وبدأ الكلام بابتسامة مرتبكة: — “يا مرحب يا حاج.. خطوة عزيزة، اتفضلوا في الصالون نتشرّف بيكوا ونشرب الشاي ونتفاهم.” رد عليه أبوي بصوت زي الرعد، حاسم وواضح، وما إداش لأي حد فرصة للمناورة: — “الشاي ينشرب لما نكون داخلين بيت رجال يحفظوا العهود والوعود يا حاج! إحنا لما جينالكوا وقعدنا، حطينا إيدنا في إيدكم واشترطنا شرط صريح، وأنت بصيت في عيني وقلت لي: بنتك هي بنتي وشقتها مملكتها. طلعتوا مش قد الكلمة، ومن أول أسبوع عاوزين تكسروا نفس بنتي وتشغلوها في الأرض والزريبة تحت التهديد!”
حماتي اتدخلت بصوت عالي تحاول تدافع: — “يا حاج ده بيت عيلة والكل بيساعد، هي مش على رأسها ريشة!” أحمد أخويا رد عليها بصرامة هزت المجلس: — “الرأس اللي عليها ريشة دي رأس بنتنا المتعلمة اللي دخلت بيتكم معززة! الشغل مش عيب، بس الفرص والاتفاقات هي اللي بتحدد الأصول. أنتم وافقتوا على الشرط عشان تاخدوها، ولما دخلت بيتكوا أكلتوا العهد!” التفت أبوي لحمايا ولـسامح اللي كان واقف ورا أبوه مستخبي مش قادر يرفع عينه في عين أبوي، وقال له:
— “أنا اشتريت راجل يراعي ربنا في بنتي ويصون الاتفاق، بس للأسف طلعت بتتفرج عليها وهي بتهان ومش قادر تاخد لها حقها ولا تفي بوعدك. الست اللي أهز كرامتها في أول أسبوع عشان أرضي غيري، ما تستاهلش تشيل اسمي.”