أحمد بص للبنزين اللي مدلوق على الأرض وبص للولاعة اللي في إيدي، وصوته طلع زي الرعد اللي هز جدران العمارة كلها
هناء؟! أنتِ لسة شيطانة ومبتتوبيش؟! كنتِ عايزة تموتينا؟!
مسكني من رقبتي بكل قوته وزقني على الحيطة وهو بيزعق وعروقه هتنفجر، وفي نفس اللحظة باب الشقة اتفتح ومريم خرجت تجري على الصوت، وأول ما شافتني صرخت بأعلى صوتها ورجعت لورا برعب..
أحمد لف لمريم وقالها وهو كابس على نفسي
ادخلي جوة واقفي الباب عليكي يا مريم! الكلبة دي حسابها معايا ومع الحكومة هينتهي النهارده ومفيش رحمة!
أنا بدأت أرفس برجلي وأحاول أفك إيده من على رقبتي وأنا بضحك ضحكة جنان وبقوله بصوت مخنوق
مش هسيبكم تتهنوا يا أحمد.. يا أنا يا أنتوا النهارده!
وفجأة وأنا بزقه بكل قوتي، الولاعة اللي كانت في إيدي ولعت من غير ما أقصد ووقعت على الأرض المليانة بنزين.. والنار شبت في ثانية بيني وبينه وحاصرتنا إحنا الاثنين في الممر الضيق!
النار شبت في ثانية، ولسان اللعب ضرب لفوق زي المارد. البنزين اللي كان مغرق الأرض وتحت ولع كله في لحظة واحدة، والممر الضيق اتحول لفرن جهنمي.
أحمد ساب رقبتي بفزع ورجع لورا وهو بيصرخ مريم!! الباب!!
النار
كانت حجزت باب الشقة تماماً، ومريم جوة بتصرخ بهستيريا وصوتها جايب آخر الشارع من الرعب. الدخان الأسود الكثيف ملا الممر في ثواني، وحسيت بنار بتأكل في رجلي وهدومي. الغل اللي كان عميني اتقلب في لحظة لرعب وجودي.. أنا كنت هموت محروقة!
أحمد مكنش شايفني أصلاً، قلع الجاكيت بتاعه وبدأ يضرب بيه النار اللي مغطية الباب وهو بيكح من الدخان وبيزق النار برجليه، وصرخ بأعلى صوته
اوعي تقربي من الباب يا مريم! ادخلي البلكونة واقفي باب الأوضة عليكي! أنا جايلك يا قلب أخوكي!
أنا جريت ناحية السلم وأنا بصرخ، هدومي كانت ماسكة فيها النار، قعدت أتقلب على سلم العمارة وأنا بصرخ من الوجع لحد ما النار انطفت في هدومي، بس الحروق كانت بتاكل في جسمي. نزلت أجر في نفسي وأنا بسمع صوت الجيران وهم بيفتحوا الأبواب ويصرخوا حريقة! حريقة في الدور الثالث! اطلبوا المطافي!.
خرجت من بوابة العمارة وأنا بزحف، ووقعت على الرصيف برة وأنا ببص لفوق. الشقة كانت الدخان خارج من شبابيكها، والناس بتتجمع. في وسط الزحمة، شوفت عربيات المطافي والشرطة بتوصل بسرعة البرق للشارع.
أحمد قدر يكسر الباب ويدخل وسط النار، وطلع شايل مريم في حضنه وهو مغمي عليها من الدخان، وهدومه هو كمان محروقة ومتبهدلة. المسعفين جريوا عليه وخدوا مريم وحطوها على جهاز الأكسجين، وأحمد نزل على ركبه في الشارع وهو بيكح ودموعه نازلة، بس عينيه كانت بتدور في الزحمة.. لحد ما عينه جت عليا وأنا مرمية على الرصيف.
أحمد شاور للشرطة عليا وهو بينهج وصوته حشرجة
هي.. هي اللي ولعت في الشقة.. هناء.. اتقبضوا عليها..
الظابط والعساكر جريوا عليا وأنا مش قادرة أتحرك من حروق رجلي وجسمي.
حطوا الكلابشات في إيدي للمرة الثانية، بس المرة دي وأنا بنزف وصرخاتي مسمعة الشارع كله من الوجع.
بعد مرور ستة أشهر..
المكان محكمة جنايات الإسكندرية.
أنا قاعدة في قفص الاتهام، على كرسي متحرك، بجسم مشوه من الحروق، ووش ضاعت كل ملامحه القديمة. الحقد والغل ملوش أي أثر دلوقتي.. مفيش غير انكسار وندم بياكل في قلبي.
القاضي كان واقف وبيقرا حكم تاريخي وهز أركان القاعة
حكمت المحكمة حضوريًا على المتهمة هناء بالسجن المؤبد مع الشغل والنفاذ، بتهمة الشروع في القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد، وإشعال حريق عمدي يعرض حياة المواطنين للخطر.
صوت الشاكوش نزل كأنه رصاصة في قلبي. بصيت برا القفص، لقيت أحمد واقف، ماسك إيد خطيبته بنت سويلم اللي كانت واقفه بتدعي لمريم، ومريم واقفة جنبهم، وشها رجع فيه الدم، ولابسة فستان جميل، وبتبصلي بنظرة مفيهاش خوف.. فيها شفقة على حالي.
أحمد بصللي نظرة أخيرة، نظرة واحد قفل كتاب قديم ورماه في الزبالة. لف ضهره وخد أخته وخطيبته وخرجوا من القاعة للهوا والنور.. سابوني ورايا القضبان، بجسم مشوه وعمر ضايع، عشان أقضي بقية
حياتي في ظلمة السجن، بدوق ثمن الظلم والغل اللي زرعته بإيدي.
