منوعات

حمايا 3

في اللحظة دي، الباب اتفتح على آخره ودخل جوزي وهو بينهج، ووشه مخطوف من كتر الصريخ اللي كان مسمّع لآخر الشارع. وقف في الصالة يبصلنا بذهول وهو بيبلع ريقه بصعوبة:
* “في إيه؟! صوتكم واصل لأول الحارة، الجيران ملمومة على السلم والفضايح بقت بجلاجل!”
جريت مرفت عليه ومثلت دور المظلومة اللي بتستنجد بأخوها، مسكت دراعه وبدأت تعيط بنواح مصطنع:
* “الحقني يا أخويا.. الحق مراتك جاية تطردني أنا وعيالي في الشارع! بتقولي اطلعي برا وبتفرّج عليا الصنايعية والغُرب.. بقولها نتــ,,ـــــحاسب بما يرضي الله وتديني حقي في شقتي، عايزة تاكلني عيني عينك وتاخد الشقة ببلاش!”

وحماتي كملت النمرة وهي بتسند ضهرها على الحيطة وبتنهج:
* “عاجبك كدة يا بني؟ عايزة تجيب لنا الشرطة وتبهدلنا قدام اللي يسوى واللي ما يسواش.. هي دي الأصول؟ هي دي اللي هتصونك وتصون أهلك؟”
بصيت لجوزي اللي عينه كانت مكسورة، ومستنية أشوف رد فعله بعد ما السكــ,,ـــــينة وصلت للعظم.. قولتله بصوت باكي بس طالع من بير غضب محبوس بقاله سنين:

* “سمعت يا ابن الناس؟ سمعت أختك وأمك بيقولوا إيه؟ أختك بتقولي ادفعيلي فرق الملايين يا إما مش طالعة! وبتقول الشقة لسه باسمها والعقد تبليه وتشربي ميته! انطق.. قول كلمة حق واحدة تبرأ بيها ذمتك قدام ربنا! الشقة دي اتدفــ,,ـــــن فيها دهبي وفلوس أهلي ولا لأ؟ أنت اللي دفعت بإيدك ولا لأ؟”
جوزي اتلخبط، حك جبهته وبص لأخته بعتاب باهت:
* “جرى إيه يا مرفت؟ ما كانش ده الاتفاق.. إحنا دافعين تمنها كامل من سنين، وأنتِ اللي كنتي مستعجلة تبيعي عشان تاخدي الفلوس وتمشي!”
مرفت عينيها برقت بشر، ونفضت إيدها من عليه وقالت بحدة:

* “اتفاق إيه يا بتاع الاتفاق؟! الكلام ده كان زمان.. دلوقتي أنا ليا عيال وعايزة أعيش، لو مش عاجب الهانم مراتك، تديني فرق السعر وتاخد شقتها، إنما تلووا دراعي بورقة عرفي وأنا في عمارة أبويا؟ ده السما أقربلكم!”
جوزي وطي راسه، وبصلي برجاء بارد يفرس:
* “يا سحر.. اهدي بس وخلينا نقعد نتفاهم بالعقل، مرفت برضه أختي ولحمها ودمها من لحمي، مش هينفع نشردها.. نقعد ونشوف حل وسط يرضي جميع الأطراف!”
* “حل وسط؟!” الضحكة طلعت مني مجروحة ومبحوحة، حسيت بنغزة في قلبي قسمتني نصين:
* “حل وسط على حقي أنا؟!

بعد ما ضحكتوا عليا وقولتوا يومين وبقوا سنة، وبقى لها خمس سنين سارقة شقايا، جاي تقولي حل وسط؟! إنت بعتني يا ابن الناس.. بعت دهبي وشقايا ورضيت بالذل لمراتك عشان ترضي لؤم أختك وبرود أمك!”
رجعت خطوتين لورا وبصيت للتلاتة بجمود خلاهم يسكتوا فجأة:
* “مفيش حلول وسط، ومفيش قعاد خلاص.. الورقة العرفي دي هتروح للنيابة، ودعوى صحة توقيع وطرد للغصب هتترفع بكرة الصبح، وقسماً برب العزة، لا بيتك ولا عيلتك دي كلها هتشوف وشي دقيقة واحدة بعد النهاردة إلا في المحاكم!”
لفيت ضهري وخرجت ورزعت الباب ورايا رنة هزت العمارة كلها، ودموع القهر بتغسل وشي..

بس المرة دي، كانت دموع بداية حرب، مش دموع استسلام.
لسه بلف ضهري عشان أنزل، لقيت باب شقة سلفي الكبير بيتفتح بعنــ,,ـــــف، ونزل وراه أخوه التاني على السلم، وملامح وشوشهم كانت تقطع الخميرة من البيت من كتر الغضب. الواضح إن صوت الصريخ والردح كان واصل لآخر العمارة وسامعين كل كلمة من أولها.
سلفي الكبير وقف في مدخل الشقة وسد الباب بجسمه، وبص لمرفت بنظرة كلها احتقار، وقال بصوت جهوري رجّ العمارة:
* “جرى إيه يا مرفت؟! جرى إيه يا أم لسان طويل؟ صوتك جايب لآخر الشارع وبتتبجحي عيني عينك؟!”

مرفت اتخضت للحظة، بس حاولت تستنجد بيهم زي ما عملت مع جوزي:
* “الحقوني يا إخواتي.. مرات أخوكم جاية تبلطج عليا وعايزة ترميني في الشارع أنا وعيالي وتلوي دراعي!”
أخو جوزي التاني قاطعها بصوت حاد ومكنش طايق يبص في وشها:
* “ترمي مين يا نصابة؟! مين اللي بيلوي دراع مين؟! إحنا كنا شاهدين على البيعة دي من أولها لآخرها، وحاضرين قعدتكم وقابضة الفلوس قدامنا عِد ونقد، مكنش ناقص غير نبوس على راسك عشان توافقي وتسيبي العمارة!”
حماتي اتدخلت بصوت مفزوع وعينيها بتطق شرار:
* “جرى إلكوا إيه يا ولاد بطني؟! هتقفوا مع الغريبة ضد أختكم المكسورة؟

هتاكلوا لحم أختكم عشان خاطر الهانم؟!”
سلفي الكبير زعق في وش أمه بنفاذ صبر:
* “غريبة إيه وأختنا إيه يا أمي؟! الحق أحق أن يُتبع! سحر معاها كل الحق.. الست باعت دهبها وشقا سنينها وسدت اللي عليها لقرش، وأختنا خدت الفلوس وطارت، ولما ضيعتها في الهوا جاية تتبجح وتطلب فرق ملايين؟! دي بلطجة وسرقة عيني عينك وإحنا مش هنشيل ذنب ولا هناكل حرام في بيوتنا!”
لف سلفي لجوزي اللي كان واقف مسمر في الأرض زي خيال المآتة، وزعق فيه بغل:
* “وأنت يا أستاذ.. واقف زي قلتك كدة ليه؟!

مش قادر تنطق بكلمة حق لمراتك اللي باعت شقاها عشانك؟ خايف من إيه؟ العقد اللي معاها إحنا ماضيين عليه شهود، ونشهد في أي محكمة وأمام ربنا إن الشقة دي شقتها، وإن مرفت ملهاش هنا قشاية
واحدة!”
أخت جوزي وشها جاب ألوان، الغل والغيظ اتحولوا لرعب حقيقي لما لقت ضهرها اتكشف وإخواتها اللي كانت فاكراهم هيشيلوا عنها وقفوا في وشها بالمرصاد.
بصيت لسلفتي ولإخوات جوزي، وحسيت لأول مرة من سنين إن ضهري مسنود، وإن صوت الحق بيعلى حتى لو أصحاب الدم حاولوا يدفــ,,ـــــنوه. بصيت لمرفت وقولت بثقة هزت المكان:
* “سمعتي شهودك يا مرفت؟

سمعتي إخواتك اللي كنتي فاكراهم هيبلطجوا معاكي؟ مفيش محاكم هتطول.. قدامك ٢٤ ساعة بس، تلمي كراكيبك وعيالك وتفضي شقتي، وإلا إخواتك هما اللي هينزلوا عفشك للشارع بإيديهم!”
مرفت مفرّطتش بسهولة، بدل ما تلم عزالها، شياطين الإنس ركبوها وبدأت تلعب لعبة الابتزاز الرخيص. وقفت على السلم قدام الجيران تفضح وتتبلى، وتلمح إنها هتبلغ وتشتكي وتقول إن العقد ده اتعمل تحت ضغط، وراحت بعتت رسايل تهديد لجوزي إنها هتقلب العيلة وتعمل محاضر عدم تعرض وتجرجرنا في الأقسام، فاكرة إن التهديد بالبهدلة والفضيحة هيلوي دراعي ويخليني أرميلها الفلوس اللي طلباها.

بس اللي مرفت مكنتش تعرفه، إن الست لما بيتداس على شقاها وكرامتها، الخوف بيتبخر من قلبها.
تاني يوم الصبح بدري، أخدت أصل العقد وكل وصولات الأمانة اللي كنت محتفظة بيها في الدرج، ونزلت على المحامي من ورا الكل. رفعت دعوى صحة توقيع، وعملت إثبات حالة ، وفتحت محضر رسمي بتسليم الشقة. المحامي طمني وقالي: “العقد فيه بند استلام صريح، وشهادة إخوات جوزك هتقفل القضية لصالحك في أول جلسة.”
الخبر نزل على العمارة زي الصاعقة لما وصل الإخطار على يد محضر!

ساعتها بس، حماتي شافت الجد وعرفت إن الموضوع دخل في سكة محاكم وأقسام، وإن بنتها هتخرج مطرودة بفضيحة قدام الحارة كلها وهتتحبس لو فكرت تبتز أكتر من كدة. البيت اتقلب، وإخوات جوزي اتدخلوا بكل ثقلهم.. سلفي الكبير جه وخبط على بابي وهو معاه جوزي وأخوه التاني، وقعدوا وقالوا: “حقك فوق راسنا يا سحر، وبلاش نوصل للمحاكم اللي حبالها طويله والنهاردة الموضوع ده هيتقفل نهائي.”
القعدة كانت حاسمة ومليانة شد وجذب، بس صوت الحق والورق كان حاطط السكــ,,ـــــينة على رقابهم.

في الآخر، انكسرت شوكة مرفت ورضخت للأمر الواقع بعد ما لقت إن مفيش ولا مليم هيدخل جيبها، وإن القانون واقف في صفي بنسبة مية في المية.
وانتهى الاتفاق على الحل الوحيد اللي يحفظ ماية وشهم: مرفت تلم عفشها وعيالها وتنزل تعيش مع حماتي في شقتها اللي في الدور الأرضي، والشقة تتسلم ليا بالمفتاح وعلى بياض قدام إخواتها كلهم.
يوم النقل، وقفت في مدخل الشقة، شفتهم وهما بينزلوا الكراكيب لشقة أمها.. مرفت كانت نازلة السلم عينيها في الأرض ومكسورة كسر السنين، وحماتي ساكتة ومقدرتش تنطق بحرف.

أول ما خرج آخر عيل من عيالها، مسكت المفتاح بإيدي، دخلت ورزعت الباب، ودورت الكالون تلات تكات.. قعدت على الأرض في الصالة الفاضية، وسندت ضهري على الحيطة، ولأول مرة من خمس سنين أتنفس نفس كامل من غير غصة.. الشقة رجعت لحــ,,ـــــضن صاحبتها، والابتزاز واللؤم انداسوا تحت جزمة الحق والقانون.
فضلت قاعدة على الأرض في نص الصالة الفاضية، سامعة رنة السكوت اللي مكنتش حسيت بيها من شهور طويلة. الحيطان كانت متبهدلة ومحتاجة وش نضافة، وشخابيط عيالها مالية المداخل، بس الهوا جوة الشقة كان مختلف.. كان خالي من ريحة الغل والظلــ,,ـــــم.

قومت على حيلي، وطلعت مفك ومفتاح جديد كنت شرياه وأنا راجعة من عند المحامي. أول حاجة عملتها إني غيرت كالون الباب بإيدي، شيلت القديم اللي كان مع حماتي نسخة منه وركبت قلب جديد، وحطيت المفاتيح التلاتة في جيبي.
نزلت على شقتي، لقيت جوزي قاعد في الصالة، حاطط راسه بين إيديه والهم راكبه، مش قادر يحط عينه في عيني. قربت منه بهدوء ورزعت المفتاح القديم على الترابيزة قدامه:
* “الكالون اتغير يا ابن الناس، والشقة قفلتها بضبتها ومفتاحها.. واللي حصل ده درس عمري ما هنساه، لا ليك ولا لأهلك.”
رفع عينه وبصلي بكسرة:
* “حقك عليا يا سحر..

والله ما كنت متخيل إن الأمور هتوصل لكدة، دي أختي وكنت فاكرها هتعمل حساب للدم.”
رديت بابتسامة باردة كلها وجع:
* “الدم عمره ما حمى حق يا أبو ابني.. القانون والورق والوقفة الحامية هما بس اللي بيحموا. لولا إني وقفت على رجلي وجرجرت الورق في المحاكم وكان إخواتك في ضهري بالحق، كان زمان شقايا راح في بطن أختك ولا كنت أنت هتنطق بكلمة.”
من اليوم ده، بدأت صفحة جديدة تماماً..

مرفت عايشة تحت مع أمها، تاكل وتشرب في حسها، وكل ما تشوفني طالعة ولا نازلة تدور وشها كأنها شايفة عفريت، وحماتي مكسورة ومش قادرة تفتح بقها بنص كلمة، عرفوا إن الهادية المطيعة لما بيتداس على حق ضناها بتقلب الدنيا عاليها واطيها.
أما أنا، فجبت نقاش ونضفت الشقة ودهنتها من أول وجديد بألوان فاتحة تفتح النفس، وركبت باب حديد على باب الشقة كمان للأمان. كل مسمار بدقه كان بيردلي روحي، وكل ركن بنضفه كان بيمسح أثر سنة كاملة من القهر. قفلت الشقة بالمفتاح وشيلته في أعمق حتة في دولابي..

أمان لمستقبل ابني، وشاهد حي على إن الحق المأخوذ بالقوة، مبيرجعش إلا بالعين الحمرا والقانون.
مرت السنين وتوالت الأيام، وحيطان البيت شهدت على تبديل الأحوال؛ ماتت حماتي، وفضلت مرفت قاعدة في الشقة التحتانية محبوسة في حسرتها وغلّها، تشوفني طالعة نازلة معززة مكرمة وراسها هي في الأرض،
أما ابني.. نور عيني اللي بعت دهبي وشقيت سنين عشان أضمنله سقف يستره، فكبر قدام عيني راجل يملا العين، اتخرج واشتغل وبقى ضهري وسندي اللي بيعوضني عن كل ليلة نمتها مكسورة الخاطر.
وجه اليوم اللي كان أقصى حلمي وأنا بدق أول مسمار في الشقة دي زمان.

اتفتحت أبواب الشقة على مصراعيها، بس المرة دي مش بصوت كراكيب وعياط وزعيق، المرة دي اتفتحت بالزغاريد والأنوار وريحة الورد والبخور. وقفت في نص الصالة أفرش عفش عروسته بإيدي، وأعلق الستاير معاه وهو بيضحك ويطبع بوسة على جبيني ويقولي:
* “تسلم إيدك وشقاكي يا أمي.. لولا وقفتك زمان وجدعنتك مكنش زمان ليا مكان أبدأ فيه حياتي مرفوع الراس.”
دموعي نزلت في اللحظة دي، بس كانت دموع برد وسلام مسحت كل مرار الخمس سنين والسنة اللي راحت من عمري في المحاكم والقهر.

يوم الفرح، زفيته لعروسته وطلعوا على شقتهم، وصوت الزغاريد كان مسمّع في العمارة كلها، طالع يرن في ودان مرفت تحت ويفكرها إن الباطل مهما اتفرعن آخره ينداس، وإن حق الضنا اللي حاربت عشانه أمه، رجع وصان صاحبه وعمّر بيته بالخير والستر.
وقفت على باب العمارة بالليل بعد ما المعازيم مشيوا، بصيت لشباك شقة ابني المنور بالفرحة، وحمدت ربنا ملء السما والأرض.. شقا العمر مراحش هدر، وربنا نصر الصابرة ورزقها راحة البال بعد طول عذاب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى