
أبو أحمد قام وهو بيمسح على وشه بقلة حيلة وقال لأمي: “يا ستي صلي على النبي، محصلش حاجة لكل ده، كلام ستات و..” أمي قاطعته بحدة: “عليه الصلاة والسلام يا حاج.. بس الكلام ده اتقال قدامك وانت مسكتش مراتك، يبقى انت راضي وموافق.” الحمى سحبت شنطتها من على الكنبة، وبصتلي أنا وأمي نظرة أخيرة وقالت بنبرة تهديد صريحة: “احنا ماشيين.. والحاجة دي هتفضل هنا عشان احنا مابنرجعش في كرمنا، بس خطوبة بنتكم دي مش هتكمل إلا لو جيتوا لحد بيتنا واعتذرتوا عن قلة الذوق دي، وعرفنا راسنا من رجلينا في كل مليم هيندفع وهيترد!”
أحمد بصلي بقلة حيلة وكأنه بيترجاني أعمل أي حاجة، بس أنا كنت واقفة متجمدة، الدموع نازلة على وشي ومفيش كلام قادر يخرج من حنجرتي. خرجوا كلهم من الباب، ورزعوا الباب وراهم رقعة هزت حيطان البيت كله.. وخلت قلبي يقع مع كل قطعة فرحة كنت بنيتها في خيالي. التفتت لأمي، لقيتها قعدت على الكنبة وحطت إيديها على وشها وانفجرت في البكاء.. جريت عليها وارتميت في ح.ضنها وأنا بصرخ من الوجع. فجأة، وتليفوني في إيدي، شاشته نورت.. وكان رقم أحمد بيرن.
شاشة التليفون كانت بتنوّر باسم أحمد، ونغمته اللي كنت بختارها زمان بفرحة، بقت دلوقتي بتضرب في وداني زي ضربات المطارق. بصيت لأمي اللي كانت لسه بتعيط وقهرتها مالية الوش، وبصيت للتليفون.. وفي لحظة غضب على وجع، كنسلت المكالمة وقفلته خالص. مش قادرة أسمع مبررات، ومش قادرة أسمع كلمة “معلش” اللي بتدوب وسط ضعفه قدام أمه. ماما رفعت راسها وبصتلي وعينيها حمرا:
“قفلتيه ليه يا ندى؟ سيبيه يتكلم.. سيبيه يقول آخرة الضعف ده إيه! أنا مش زعلانة على الأكل ولا الشنط اللي رموهالنا دي، أنا زعلانة عليكي انتِ.. زعلانة إنك كنتِ هتتحطي في بيت نسا ميعرفوش ربنا، بيت بيقيسوا فيه البني آدم بالوزن والكيلو!” حطيت راسي بين إيديا وأنا مش قادرة أستوعب إن دي “قراية الفاتحة” اللي كنت بحلم بيها. قعدنا أنا وماما في الصالة وسط الشنط والكراتين اللي حماتي سابتها.. الحاجة اللي كانت من شوية رمز للكرم، بقت دلوقتي شكلها يسد النفس وكأنها جبل تقيل كابس على نفسنا.
فجأة، جرس الباب رن تاني! قلبي دق بسرعة.. افتكرت أحمد رجع أو سابهم وجه يعتذر. جريت على الباب وفتحته بلهفة، بس الصدمة كانت لما لقيت أحمد واقف فعلاً، وباباه وراه.. لكن حماتي وأخته مش معاهم. أحمد كان وشه مخطوف، وباباه دخل وهو منكسر ووشه في الأرض. أول ما دخلوا، أبو أحمد اتجه لماما علطول وقال بصوت مليان خجل: “حقك عليا يا أم ندى.. أنا رجعت أحمد بالعافية وجيت وراه عشان أصلح اللي حصل. الست أم أحمد لسانها بيخونها ساعات، وهي مأقصدهاش تذلكم، بس طبعها حامي شوية وعايزة تأمن مستقبله.”
ماما وقفت وقالت بعزة نفس: “تأمن مستقبله على حساب كرامتنا يا حاج؟ جايين في أول يوم يدخلوا فيه بيتي يشارطوني بنتك هترد بكام في المواسم وتجيب إيه وتعمل إيه؟ دي أصول دي؟!” أحمد قرب مني وحاول يمسك إيدي، بس أنا رجعت خطوة لورا. بصلي بعيون مليانة رجاء وقال: “ندى.. عشان خاطري اسمعيني. أنا مكنتش قادر أتكلم بره عشان لو زعقت لأمي في بيتكم كانت هتبقى قلة أدب وعيب في حقها وحقكم، لكن أنا مش موافق على طريقتها والله. أنا شاري ومستعد أعمل أي حاجة عشانك، بس متخربيش البيت قبل ما يتبني.”
بصيت في عينه وقُلت والدموع بتخنقني: “والكلام اللي أختك قالتهولي جوه الأوضة يا أحمد؟ إن كل حاجة عندكم بالورقة والقلم والحساب.. وإنكم جايين تحددوا تمني الكام؟ أختك كمان لسانها خانها؟!” أحمد اتهز ومباقش عارف يرد، وبص لباباه كأنه بيستنجد بيه. باباه أخد نفس طويل وقال لماما: “يا أم ندى.. ندى بنتنا، واللي انتوا هتعملوه احنا راضيين بيه، وأنا بضمنلك ده برقبتي.. مش هنخلي أم أحمد تتدخل في تفاصيل الزيارات دي تاني، بس بلاش نقطع الحبل من أوله.”
ماما بصت لأحمد وقالتله كلمة واحدة هزت القعدة: “وانت يا أحمد.. تقدر تقف في وش أمك لو بكره وقفت لندى على الواحدة وقالتلها فين موسمك وفين حاجتك؟ تقدر تحمي بنتي في بيتك؟” أحمد سكت لثواني.. ثواني كانت كفيلة تلخص كل حاجة. كان باين في عينيه الخوف من أمه، الخوف من إنه ياخد موقف حاسم يزعلها، حتى لو كان الموقف ده هو الحق. وقبل ما أحمد ينطق ويحاول يبرر سكوته.. تليفون باباه رن بصوت عالي، وبص على الشاشة ووشه اتقلب، وقال بارتباك: “دي أم أحمد.. شكلها عرفت إننا رجعنا لكم!”
فتح الخط.. وصوت حماتي خرج من السماعة عالي وحاد وهي بتصرخ وتسمّع الصالة كلها! صوت حماتي كان طالع من سماعة التليفون زي الإعصار، لدرجة إن كل اللي قاعدين في الصالة سمعوا كلامها من غير ما أبو أحمد يفتح الاسبيكر: “انت فين يا أبو أحمد؟ واخد ابنك ورايحين فين؟ أوعى تكون رجعت لبيت الناس دول بعد ما طردونا وقللوا مننا! والله العظيم يا أبو أحمد لو عرفت إنك هناك لتكون دي آخر قعدة بيني وبينك، وابنك لو رخص نفسه وراح للي ميسووش، لا هو ابني ولا أعرفه!”
أبو أحمد قفل السكة بسرعة وهو إيده بترتعش، وعلامات الإحراج والخزي مغطية وشه بالكامل. بص لأمي وراسه في الأرض وقايل: “أنا أسف يا أم ندى.. حقكم عليا.” في اللحظة دي، أنا بصيت لأحمد.. كنت مستنية أشوف ملامحه، أشوف في عينيه أي رد فعل راجل حاسم قادر ياخد قرار حياته بنفسه. لكن اللي شوفته صرعني؛ أحمد كان واقف وشه أصفر، باصص لتليفون والده برعب، وكأن صوت أمه طفأ جواه أي شجاعة أو رغبة في التمسك بيا.
أمي ضحكت بمرارة وقفت، وشاورت على الباب وقالت بصوت قوي ومن غير دموع: “سمعت يا حاج؟ سمعت يا أحمد؟ الست الوالدة بتخيركم.. واحنا ناس بنفهم في الأصول وبنشتري راحة بالكم، ومبنحبش نخرب البيوت. اتفضلوا يا جماعة.. مع السلامة.” أحمد خطى خطوة ناحيتي وقال بصوت مهزوز: “ندى.. متسمعيش كلام أمي، أنا هصالحها وأهديها وكل حاجة هتتحل، متوافقيش على كلام والدتك!”
بصيت له وعيني مليانة وجع مش هينطفي بسهولة، وقُلت له: “تصالح مين يا أحمد؟ انت مسمعتش هي قالت إيه؟ هي شيفانا ‘مبنسواش’.. وانت واقف مكانك مش قادر حتى تقول كلمة حق. اللي متخافش من أمه في غيابك، عمرها ما هتعملك حساب في وجودك. انت مش قادر تحمي نفسك منها، هتحميني أنا إزاي؟”