منوعات

أنا من محافظة وجوزى من محافظة 2

والرسايل كانت واضحة وصريحة: “طمنيني أول ما تدخلي بيت أحمد، أمه هتقف في ضهرك ومش هتسيبك، ندى هتمشي في نفس اليوم، وساعتها أسهم الشركة هتقع لما الموضوع يتعرف وأنا هشتري نصيبه برخص التراب! “أحمد بص للشاشة، وأنفاسه بقت سريعة كأنه وحش مربوط بسلاسل وهيقطعها: “مش بس وسخة وخاينة… ده انتوا مخططين تسرقوا شقا عمري، تكسروا مراتي وتاخدوا الشركة كمان!”سارة كانت بتبكي وتترجاه: “سيبني أمشي والله العظيم ما هتشوف وشي تاني، أنا هسقط الجنين وهمشي ومش عايزة حاجة، بس بلاش بوليس وفضايح، أهلي في الصعيد لو عرفوا هيدبحوني!”أحمد بص لأمه وأبوه، وبصوت بارد ومتحجر قال: “أنا مش هسيب حد.

لا البنت دي، ولا طارق، ولا أي حد شارك في المهزلة دي. البوليس والنيابة هما اللي هيفرزوا الورق ده والابتزاز ده. “لكن قبل ما أحمد يرفع التليفون عشان يتصل بالشرطة، باب الشقة فجأة اتهبد عليه من بره بعنف، وصوت رجالي حاد كان بيزعق من ورا الباب بصوت عالي سمعه الجيران في العمارة: “افتح يا أحمد! افتح متعملش فيها راجل وتقفل على البنت، أنا عارف إنك مش هتقدر تعمل حاجة، والورق اللي معايا الليلة هيخليك تبيع كل اللي حيلتك برضاك!

“الصوت كان صوت طارق بنفسه، جاي وراهم عشان يقفل اللعبة على مزاجه، وهو ميعرفش إن القنبلة انفجرت جوه البيت ووشوش الكل اتعرت قبل ما يدخل. الخبط على الباب كان بيهز العمارة كلها، ومع كل دقة كان صوت طارق بيعلى بوقاحة وغرور ملوش حدود: “افتح يا أحمد! متعملش فيها دور المصدوم والراجل المثالي اللي مفيش زيه! افتح خلينا نخلص الحكاية دي ودي بدل ما الفضايح تملى الجرايد والبورصة بكرة الصبح وأسهم شركتك تنزل للأرض! “سارة أول ما سمعت الصوت، انكمشت على نفسها تحت الترابيزة زي الفار المذعور، حاطة إيديها الاتنين على ودنها وبتبكي من غير صوت، خايفة من الاتنين:

خايفة من بطش أحمد وخايفة من غدر طارق اللي ورطها وسابها في وش المدفع. حماتي كانت قاعدة على الكنبة بتنهج وصوت نفسها طالع بصعوبة، حاطة إيدها على قلبها والدموع بتجري على تجاعيد وشها لأول مرة بندم حقيقي مش تمثيل. بصت لابنها بصوت مبحوح ومكسور: “يا ابني… يا أحمد متفتحش… طارق ده شيطان، ده عايز يخرب بيتك وياخد شقاك… استر علينا الله يرضى عليك، الفضيحة هتبقى في العيلة كلها لو الجيران اتفرجوا علينا!”حمايا وقف ومسك عكازه اللي كان ساند بيه ضهره، وعروق جبهته ناطرة من شدة القهر: “سيبه يفتح يا أم أحمد! سيبيه يدخل الكلب ده برجله!

ده دمه من دمي، ومربيه على إيدي بعد ما أبوه مات، وفي الآخر جاي يطعن ابني في شرفه وضهره عشان ورث وفلوس؟ والله ما هيطلع من هنا سليم الليلة!”أحمد مشي نحوي الأول، بص في عيني للحظة واحدة، ومسك إيدي وباسها قدامهم كلهم، نظرة واحدة منه كانت كافية تقولي إنه مش خايف، وإنه جهز لكل حاجة. همس في ودني: “حقك هيرجعلك مضاعف الليلة دي يا ندى، وكرامتك اللي داسو عليها عشر سنين هتبقى هي الراية اللي ن.ك.سر بيها عينهم كلهم.

“أنا مسكت موبايل سارة اللي كان لسه مفتوح وفيه الرسايل والشيك، وشغلت تسجيل الفيديو في موبايلي الشخصي وحطيته بزاوية خفية بين كتب المكتبة المطلة على الصالة، ورجعت قعدت مكاني بنفس الهدوء والبرود، ووشي خالي من أي انفعال. أحمد مشي لباب الشقة، حط المفتاح في الكالون ولَفّه ببطء، وفتح الباب على مصراعيه مرة واحدة. طارق كان واقف في الممر، لابس بدلة كاملة ومتشيك، وعلى وشه ابتسامة صفرا مليانة شماتة وثقة عميا، وفي إيده ملف جلدي أسود. أول ما الباب اتفتح، زق الهوا ودخل خطوتين جوه وهو بيعدل أكمام قميصه: “إيه يا بو حميد؟ مكنتش عايز تفتح ليه؟

مكنتش متخيل إن الصدمة هتبقى تقيلة عليك كده! بس يلا، الشرع محلل أربعة، والبنت دي شايلة ابنك، وإحنا مش بتوع فضايح…”كلامه وقف فجأة في حلقه. عينه وقعت على الصالة وشاف المشهد اللي مكنش متوقعه في أسوأ كوابيسه: سارة قاعدة على الأرض منهارة وحاجتها متبعثرة، عمه باصصله بنظرة كره واحتقار عمره ما شافها، ومرات عمه بتلطم على وشها بخزي، وأنا قاعدة حاطة رجل على رجل وببتسم في وشه بسخرية. أحمد قفل الباب وراه بالمفتاح تكة تانية، وسند ضهره على الباب وربع إيديه على صدره: “أهلاً يا طارق… نورت بيتي.

كنت بتقول إيه بقى عن الشرع والفضايح والورق اللي معاك؟”طارق وشه بهت لثواني، وحاول يداري ارتباكه، فبص لسارة وزعق فيها بحدة: “إنتِ قاعدة كده ليه يا بت؟ قومي اقفي! مش قولتلك تيجي تقولي الحقيقة وتستني لما أجي معاكي عشان نضمن حقك وحق اللي في بطنك؟”سارة رفعت وشها اللي مليان دموع وكحل سايح، وصرخت فيه بصوت هستيري فضح كل المستور: “حرام عليك يا طارق! حرام عليك دمرتني ورمتني للنار! أحمد بيه عارف كل حاجة، أحمد بيه مستحيل يخلف أصلاً من عشر سنين!

إنت ضحكت عليا وقولتلي مش هيقدر ينكر عشان مكسوف من عيلته، قولتلي الفلوس والشركة هيبقوا في جيبنا وندى هتطرد بره الشارع وهاخد نصيبها! إنت دمرت شرفي وشرف عيلتي عشان شوية أسهم وفلوس حرام!”الكلمات نزلت على طارق زي مية مغلية. عيونه وسعت برعب، وبص لأحمد اللي كان باصصله بابتسامة متشفية وباردة. طارق رجع خطوة لورا بخوف: “إنت… إنت بتقولي إيه يا مجنونة؟ أنا مالي بيكي؟ إنتِ اللي جيتي تعيطيلي في المكتب وقولتيلي سلفني فلوس عشان واقعة في مشكلة! دي كدابة يا أحمد! دي بتتبلى عليا عشان تنقذ نفسها بعد ما اتمسكت!”حمايا قرب من طارق ورفع الشيك في وشه بإيد مرتعشة من الغيظ:

“والشيك ده يا بن أخويا؟! التوقيع ده بتاع مين يا طارق؟ الربع مليون جنيه اللي دافعهم عربون عشان تخرب بيت ابن عمك وتطعنه في عرضه، دول كمان سلفية لوجه الله؟! ده أنا اللي مربيك بعد أبوك، ده أنا اللي مدخلك الشركة وسايبك تاكل مع ابني في طبق واحد، تطلع بالخسة والندالة دي؟ !”طارق لقى كل الخيوط بتتقطع حواليه، وحس إن الفخ اللي نصبه لأحمد اتقفل على رقبته هو. الغرور اتحول لجنون، وملامحه بانت على حقيقتها، رمى الملف الجلدي على الأرض وصرخ بصوت واطي ومسموم: “أيوة! أيوة هو ابني! وكنت عايز أخلص منه ومنكم كلكم! اشمعنى أحمد؟!

اشمعنى هو اللي ياخد الإدارة والاسم والشهرة والأسهم الأكبر وأنا أفضل طول عمري رقم اتنين تحت جناحه؟ عشر سنين وهو عايش ملك، واخد الست هانم الممثلة اللي الكل بيحكي عن جمالها وعايشين في تباهي، وأنا شقيان في الدفاتر والحسابات! كنت عايز أكسره، كنت عايز أخليه يدفع تمن كل لحظة كان بيتعامل فيها معايا كأنه صاحب الفضل عليا!”حماتي قامت وصرخت فيه بقهرة: “صاحب الفضل غصب عنك يا ناكر الجميل! ده هو اللي شالك لما خسرت في البورصة زمان وستر على سرقتك من الخزنة ومقالش لعمك! ده إنت لحم كتافك من خيره!

“أحمد مشي بهدوء لحد ما وقف قدام طارق، وطى لمستوى الملف الجلدي اللي طارق رماه، ومسكه بإيده وفتحه. كان فيه عقود تنازل عن أسهم وتوكيلات جاهزة للإمضاء بالضغط والابتزاز. أحمد ابتسم بنصف شفة، وقطع الورق ده نصين ورماه في وش طارق: “كنت فاكرني غبي يا طارق؟ كنت فاكر إني نايم على وداني ومش حاسس بحركاتك في الحسابات بقالك ست شهور؟”طارق اتسمر مكانه وبص لأحمد برعب: “حسابات إيه؟”أحمد طلع من جيب البدلة فلاشة صغيرة ومستند رسمي عليه أختام حمرا، وحطه في إيد أبوه: “الملف ده فيه كل مليم طارق اختلسه من الشركة في السنتين اللي فاتوا.

ستة مليون جنيه محولهم لحسابات وهمية باسمه وباسم البنت دي كمان عشان يغسلهم بره. أنا كنت ساكت ومستني الوقت المناسب عشان أواجهه قدامك يا حاج ومتقولش إني بظلم ابن أخوك اليتيم… لكن هو طمع، واستعجل نهايته بإيده وجابلي الفضيحة والجريمة لحد باب بيتي.”طارق ركبه خبطت في بعضها، وعينيه بقت تدور في الصالة كأنه بيدور على مخرج، العظمة والتبجح اختفوا في ثانية، وبقى مجرد حرامي ممسوك بالجرم المشهود، خسران سمعته، وفلوسه، وشرفه، وحتى العيلة اللي كان مسنود عليها.

أحمد بص لسارة اللي بتبكي في الأرض، وبص لطارق اللي ميت من الرعب، وبعدين لف وشه ناحيتي وناحية أمه وأبوه، وصوته رن بوقار وحسم ملوش رجعة: “الحكاية دي مش هتتقفل بكلمتين ولا بطردة بره الباب. الشرف اللي حاولوا يلوثوه، والوجع اللي ندى شالته عشر سنين عشان تحميني من لسانكم، تمنه غالي أوي. .. والكل هيدفع، من أول ابن عمي الحرامي، للبنت اللي باعت نفسها، لحد إنتوا كمان يا أهلي اللي مفيش في قلوبكم رحمة.”وفجأة، صوت سارينة البوليس بدأت تعلو وتقرب من الشارع تحت العمارة، وأحمد بص في ساعته وقال ببرود قاتل:

“المعاد مظبوط بالدقيقة.”صوت سارينة البوليس كان بيقرب بسرعة خيالية، لحد ما وقف بالظبط تحت البلكونة، والأضواء الحمرا والزرقا بدأت تنعكس على ستاير الصالة والحيطان زي شريط سينما بيعلن نهاية الفصل الأخير من المسرحية. طارق أول ما لمح النور بيض.رب في وشوشهم، عقله طار، مسك أحمد من كتافه وبدأ يتوسل له بذل ميعرفوش غير الجبان لما يقع: “أحمد! أبوس رجلك يا أحمد، بلاش البوليس! الفضيحة هتطول العيلة كلها، أعمامنا في البلد هيمو.توا فيها، مستقبلي هيضيع وسمعتي هتبقى في الأرض!

أنا هكتبلك تنازل عن كل قرش أملكه، هسيبلك نصيبي في الشركة والفيلا والعربيات، بس مش السجن يا أحمد، وحياة عمي وحياة أبويا اللي مات وسابني في رقبتك!”أحمد زق إيد طارق بعيد عنه بقرف شديد كأنه بينفض حشرة عن هدومه، وبص له بعينين باردة مفيهاش ذرة شفقة واحدة: “أبوك الله يرحمه كان راجل شريف، ومات وهو سارقش مليم من حد ولا فكر يطعن أخوه في عرضه. إنت اللي نسيت أصلك وطمعت في لقمة مش بتاعتك، وفكرت إن ستر ربنا عليك ضعف مني.

القانون هو اللي هيفرز حسابات الشركة، وشرف مراتي اللي حاولت تدوس عليه بالقذارة دي النيابة هي اللي هترده بالدليل والتسجيلات.”سارة على الأرض كانت فاقدة الوعي تقريباً من كتر البكا والرعب، لامة رجليها تحتها وبتشهق شهقات مقطوعة وهي بتكرر كلمة واحدة: “أهلي هيدبحوني… أهلي في البلد لو عرفوا هيغسلوا عارهم بدمي… “أنا قمت من مكاني، مشيت بهدوء لحد ما وصلت للرف، ومديت إيدي وسحبت تليفوني اللي كان متثبت كويس وسجل كل كلمة وكل اعتراف من أول ما طارق خبط على الباب لحد ما انهار وباس الإيدين. رفعت الموبايل قدام عين طارق ووريته الشاشة وهي لسه بتعد ثواني التسجيل:

“كل كلمة قولتها، وكل اعتراف بالخيانة والسرقة والابتزاز موثق بالصوت والصورة، وبطارية تليفون سارة كمان فيها الرسايل اللي ما بينكم والشيك اللي مضيته بإيدك. يعني مفيش محامي شاطر في مصر هيعرف يخرجك منها بيوم واحد حبس احتياطي.”حماتي في اللحظة دي حست إن الأرض كلها بتتهز تحت رجليها. لقت ابن أخوها اللي كانت بتمجد فيه طالع لص وحقير، ولقيت البنت اللي كانت داخله بيها تك.سرني بيها طالعة أداة رخيصة في لعبة قذرة، ولقيت ابنها اللي فضلت تزن عليه عشان يتجوز ويعمل وريث هو اللي شايل الجرح ومتحمل كل ده عشان يحمي كرامته.

مشيت ناحيتي بخطوات تقيلة ومهدودة، ومدت إيدها المرتعشة عشان تمسك دراعي، والدموع كانت مغرقة تجاعيد وشها:

انت في الصفحة 2 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى