رجلي كانت متخشبة على عتبة السلم، مش قادرة أصدق المشهد اللي عيني شايفاه. الصالون الواسع كان متحول لساحة محكمة عرفية مهيبة؛ رجالة العيلة الكبار، دقونهم البيضا وعباياتهم الصوف وشيلانهم الكشمير مرصوصين في هيبة وصمت يخطف الأنفاس، ومحدش فيهم حتى بيتنحنح. وخالتي كانت قاعدة على طرف كرسي مذهب كأنها قاعدة على جمر نــ,,ـــــار، لافة طرحتها بإحكام ووشها أصفر زي الكركم، بتبص في الأرض وتفرك في صوابعها برعب. أما جارتنا أم محمود فكانت منكمشة في عبايتها السودا كأنها قطة غرقانة، وجوزها قاعد جنبها مكسور، عرق جبينه نازل على وشه وبيمسحه بمنديل دايب.
عمران مشي ناحيتي بخطوات واثقة، مسك إيدي برفق بس بضغطة خلت قلبي يثبت، وسحبني وقفني جنبه في صدـ,,ـــر الصالون. بص للكل بصة صقر، وحط فنجان القهوة على الترابيزة الرخام برنة خفيفة سكتت حتى أنفاس الحاضرين. عمي الحاج عبد الرحيم، أكبر راس في العيلة، راجل داخل على السبعين بس عينيه فيها شرار الشباب وهيبته تهز جبال، اتكلم وصوته طالع من قرار سحيق: “ادخلي يا بت ولدي.. اقربي هني.” قربت منه وإيدي بتترعش، حط إيده التقيلة على كتفي وبص لجوز الجارة وقال بنبرة تقطع الخميرة من البيت: “البت دي.
. أبوها كان راجل يسد عين الشمس، ومات وهو سايب سيرته عطرة في كل نجع وحارة. بتنا مش مقطوعة من شجرة عشان حُرمة ناقصة تمد لسانها عليها، ولا عشان تتهان على شوية خضار ميسووش تلاتة مليم! إنت عارف لو إحنا في بلدنا الحُرمة دي كان اتعمل فيها إيه؟ كان لسانها اللي نطق بالعيبة اتقص، وكان بيتك اتخرب قبل ما شمس النهار تطلع!”
الراجل قام وقف مفزوع، وضم إيديه الاتنين قدام صدـ,,ـــره بتوسل: “حقكم عليا يا حاج عبدالرحيم.. والله العظيم العتب على جهلنا ونقص عقل الولايا! أنا جيت بنفسي وجايب مراتي أهي تحت رجليكم، نعتذر للبنية وللرجالة كلهم، وراسكم كلكم على راسي من فوق.. امسحوها في وشي، أنا راجل شقيان وأكل عيشي في السوق وعارف مقامكم كويس ومقدرش على غضب بيتكم!”
عمران بصله بجمود ونطق بنبرة حادة زي الموس: “راسك انت دي تشيلها وتستر بيها بيتك يا راجل يا ناقص.. مراتك غلطت في يتيمة، واستقوت عليها عشان افتكرت إن ملهاش ضهر يكسر ضهر اللي يمسها.. الاعتذار مش لعمي ولا ليا، الاعتذار لصاحبة الحق!”
عمران شاور للجارة بصباعه وقال بغضب مكتوم: “انطقي يا ولية.. الكلمتين اللي سمعتيهم للبت في طرقة العمارة، هترديهم هنا قدام كباراتها ودموعك سابقة كلامك.. يلا!”
أم محمود قامت وقفت وإيديها بتترعش وركبها بتخبط في بعض، مشيت خطوتين ناحيتي والدموع نازلة من عينيها مسحوبة بذل عمري ما تخيلت أشوفها فيه: “حقك عليا يا بنتي..
حقك على راسي وجزمتك فوق راسي.. أنا شيطان وعماني، مكنتش أعرف إنك بنت عز وناس كبار كده، أنا قلة أدبي وزفارة لساني هما السبب.. سامحيني يا بنتي متخربيش بيتي، جوزي قايلي لو ما رضيتيش عني هيطـ،،لقـ،ـني ويرميني في الشارع الليلة، وحياة أبوكي الغالي تسامحيني!”
بصيت لعمران، لقيته بيبصلي ومستني ردي، كأنه بيعلمني إزاي أقف واثقة وما أخافش من حد تاني. أخدت نفس طويل وحسيت بمرارة الإهانة القديمة بتدوب وتحل محلها عزة نفس مكنتش أعرفها، قولت بصوت هادي بس مسموع: “المسامح ربنا يا طنط.. بس أنا مكنتش محتاجة أكون بنت عز وناس كبار عشان تحترميني.. أنا كنت عيلة يتيمة مكسورة وبقولك آسفة، وإنتي استقويتي عليا.. اتفضلي، أنا مسامحة عشان خاطر أهلي وعيلتي بس.”
الحاج عبد الرحيم هز راسه برضا، وقال لجوزها: “أخدت واجبك وحقك، خد حُرمتك واطلع برة، ورجلك متخطي الشارع اللي فيه أي حد يخصنا، غووور!”
الراجل شد مراته وجريوا على الباب كأنهم بيهربوا من حبل المشنقة. أول ما الباب اتقفل، كل العيون دارت وبصت لشخص واحد.. خالتي!
خالتي كانت بتنتفض في مكانها، وعمران مشي بهدوء ووقف قصادها، مد إيده في جيب جلابيته وطلع ورقة بيضا مطبقة، رماها في حجرها.
خالتي مسكتها بإيد مرتعشة وبصت فيها، وفتحت عينيها على وسعهم بذهول وصدمة خلت وشها يخطف لونه أكتر: “ده.. ده عقد إيه ده؟!”
عمران رد بابتسامة باردة تخوف: “ده عقد الشقة اللي إنتي وأمها عايشين فيها في عين شمس.. الشقة دي كانت بإسم عمي الله يرحمه، ومكنتش متسجلة باسم أختك، والورق الأصلي بتاعها كان مدفون مع أوراق شركاته اللي إحنا صفيناها زمان.. إنتي كنتي فاكرة نفسك كرمانة وفاصلة لما تاخدي البت عندك وترمي بلاكي وتعايريها بلقمتها؟ إنتي قاعدة في ملك البت دي أصلاً! ومصروف الشهر اللي أختك بتبعتهولك ده، كان بيروح نصه لمصاريفك ونصه لفـ،،ضايـ،ـحك في التليفونات مع الجيران!”
خالتي بلعت ريقها بصعوبة وقالت بصوت متقطع: “يا.. يا عمران بيه، دي مهما كان بنت أختي، وأنا شيلتها في لحمها، وأنا كنت بس بوجهها عشان مصلحتها!”
عمران وطي صوته لدرجة بقت كأنها فحيح أفعى: “مصلحتها؟ مصلحتها إنك تقولي للجيران أمها رمتها عشان تتجوز؟ مصلحتها إنك تكسري نفسها وتخليها تغسل مواعين بيتك وتمسح بلاط شقتك كأنها شغالة جايباها من الشارع؟! الشقة دي قدامك أسبوع واحد تفضيها، انتي وراجل أختك الجديد اللي مسكنه معاه أمها في الشروق! المحامي بتاعنا رفع قضية حجر، وقضية إثبات وصاية شرعية، واسترداد لكل مليم خرج من ورث عمي واتصرف على عيشة أختك وجوزها المحروس!”
في اللحظة دي، تليفون خالتي رن بصوت عالي كسر الصمت.. بصت في الشاشة وصرخت بخوف: “دي أختي.. دي أمها!”
عمران مد إيده وأخد التليفون من إيدها ببرود، فتح الاسبيكر وقال: “ألو؟” صوت أمي طلع من التليفون، بس المرة دي مكنش زعيق ولا تهديد بمحاضر خطـ،،ف، كان صوت ست منهارة وبتلطم على وشها بهستيريا: “إلحقني يا عمران! البوليس واقف تحت البيت عندي في الشروق، ومعاهم أمر ضبط وإحضار لجوزي، والشركة اللي فاتحها وقفوها وبيقولوا في شيكات مزورة وبلاغات نصـ،،ب باسم عمك القديمة! عمران ونبي متخربش بيتي، بنتي خدها وربيها بس متضيعنيش وتفـ،،ضحني قدام عيلة جوزي!”
عمران بصلها وبص لكل الكبار اللي قاعدين، وقرب السماعة من بوقه وقال بكلمات نزلت زي المطارق: “بيتك اتخرب من يوم ما هان عليكي ضناكي وركبتي عربية راجل غريب وسيبتي بنتك تبكي في الطرقات.. بنتك هتعيش هنا هانم، والورث اللي كلتيه بالسحت انتي والمحروس بتاعك، هيرجع لآخر قرش.. ومش هتشوفيها غير لما تقفي قدام القاضي وتتنازلي عن كل حق ليكي في حضانتها برضاكي!”
وقبل ما أمي تلحق ترد، قفل السكة في وشها تماماً، وبص لخالتي وقالها: “امشي يا حُرمة.. وملمحش خيالك هنا تاني، والشنطة القديمة بتاعة بت عمي اللي فيها صور أبوها، ترجع هنا قبل المغرب، فاهمة؟”
خالتي قامت تجري زي المجنونة من باب الفيلا، وأنا واقفة في النص حاسة إن الدنيا بتلف بيا..
عمران لف وشه ليا، ومد إيده ومسح دمعة كانت تاهت على خدي، وقال بهدوء: “خلصنا من الصغيرين يا بت عمي.. بكرا بقى، هنسافر بلدنا في الصعيد، وهناك هتشوفي الورث اللي بجد.. وهتقابلي الراجل اللي جوز أمك ده بيترعب من اسمه، واللي كان مستني اليوم اللي تدخلي فيه عتبة الدوار عشان يسلمك أمانة أبوكي بنفسه!”
الفجر كان لسه بيشقشق بنوره الباهت في السما، والفيلا كلها صحيت على حركة مش عادية.
صوت جلاليب بتتحرك بهيبة في الطرقة، وصوت عمران وهو بيدي تعليمات صارمة لحراسه والرجالة اللي شغالين معاه:
“العربيات تتفول سولار، وطريق الصعيد يتاخد من أوله لآخره في سرب واحد، مش عايز تفرقة ولا تأخير.. البت أمانتي لحد ما نسلمـ،ـها
