منوعات

الحفلات الفاخره

في أثناء حفلة فاخرة قال المليونير بصوت سمعه الجميع
من ينجح في جعل ابني يتكلم فسأتزوجه فورا.
ضحك الضيوف وظنوا أنها مزحة إلى أن تقدمت عاملة تنظيف بسيطة ولم تفعل أكثر من تمرير يدها فوق رأس الصبي
وفجأة بعد عامين كاملين من الصمت انطلق صوت بنيامين من جديد فشلت القاعة من الذهول.
منذ وفاة كلارا امتلأ بيت آل ديل فايي بالصمت.
كان المكان يوما يعج بالضحكات بخطوات صغيرة تركض في الممرات بأغنيات تنبعث من المطبخ وبأصوات متداخلة عبر الهاتف.
لكن منذ رحيلها خفت كل شيء وكأن الهواء صار أثقل والزمن أصبح أبطأ.

جوليان زوجها وصاحب القصر الكبير المطل على حديقة مليئة بأغلى الزهور لم يعد الرجل نفسه.
كان أحيانا يبدو كأنه شبح يتحرك بين الجدران وأحيانا أخرى كأن جسده يتنفس فقط لأن الحياة لم تسمح له بالتوقف.
أما روحه فقد رحلت مع كلارا.’
ابنهما بنيامين ذو الأعوام الستة توقف عن الكلام هو الآخر.
لا كلمة لا مقطع لا صوت.
في اليوم الذي أغلقت فيه أمه عينيها للمرة الأخيرة داخل المس’’تشفى أطلق صرخة اهتز لها المكان وجعلت الممرضات يبكين ثم صمت.
صمت كلي وكأن شيئا داخله تحطم.
أخذه جوليان إلى الأطباء والأخصائيين والمعالجين النفسيين.

الجميع قالوا الشيء ذاته
لا ضرر عضوي وإنما جرح نفسي عميق.
لكن لم ينجح أي علاج ولم تجد أي محاولة.
كان بنيامين يرى يسمع يمشي يأكل لكنه لا يتكلم.
وكان ذلك يمزق قلب جوليان كل يوم.
في نظر الناس بقي جوليان رجلا قويا مليونيرا ناجحا.
قالوا إن شركته التقنية تدر’ ملايين الدولارات شهريا وإنه من أهم رجال الأعمال في غوا’دالاخارا وإنه يسافر بطائرته الخاصة ويملك استثمارات في ميامي وثروته مؤمنة لأجيال قادمة.
ولكن كل ذلك لم يكن يعني شيئا له.’
لم يستطع المال إنقاذ كلارا ولم يستطع شراء كلمة واحدة من ابنه.
مر عامان على هذا ا’’لحال.

عامان من المجاملة في المناسبات الاجتماعية
من الابتسام الفارغ
ومن دخول الاجتماعات وقلبه’ مثقل كالحجر.
وكان كل سؤال عن بنيامين يغرس إبرة في صدره.
لم يكن يستطيع تجنب الألم.
فابنه هو آخر ما تبقى له من كلارا
ورؤيته يذبل يوما بعد يوم كان أقسى ما مر به في حياته.
كان موظفو القصر يتحركون بصمت يعرفون أن هذا البيت لم يعد يتحمل ضجيجا ولا موسيقى ولا مزاحا.
كان المكان أنيقا لكنه بارد هش وكأن الجميع فيه يخشون أن يتناثر شيء إذا تعالت الأصوات.

في إحدى الأمسيات ذكره مساعده بالحفلة الكبيرة التي يجب عليه تنظيمها وهي لقاء مهم يجمع رجال أعمال من مونتيري

ومكسيكو سيتي وسان دييغو ومستثمرين كبار م’هتمين بمشروعه الجديد في برامج الطب.
تردد جوليان فهو لم يعد يحتمل التعامل مع الناس لكنه وافق من أجل العمل ومن أجل أن يبقى واقفا على قدميه.
كانت الحفلة مقررة مساء السبت.
أرسلت دعوات حصرية وتم التعاقد مع وكالة تنظيم راقية وطاه عالمي وبار مفتوح وفرقة موسيقية وزينة ضخمة.
كان كل شيء يجب أن يكون مثاليا.
وفي تلك الليلة امتلأت القاعة بالضجيج مجددا.
وصلت السيارات الفاخرة واحدة تلو الأخرى وأضاء المدخل كما لو أن المكان يستقبل نجوما عالميين.

رجال ببدلات غالية نساء بفساتين لامعة وعطور فاخرة موسيقى ناعمة تملأ الجو ونخب يتبادلونه في كؤوس الكريستال.
كان الحديث يدور عن الأعمال’ والس’فر والعقود لكن لا كلمة واحدة عن الحزن ولا عن كلارا.
كان بنيامين داخل القاعة يجلس في ركن خاص على مقعده المفضل والمرب’ية تراقبه.
كان ينظر إلى كل شيء بعينيه الكبيرتين دون أن ينطق.
وفي الخلف كانت فرق التنظيف تتحرك كظلال صامتة تنظف وتجمع الأط’باق وتمسح الأرض دون أن يلاحظهم أحد.
بينهم كانت إيلينا امرأة في ال’رابعة والثلاثي’ نحيلة بشعر داكن مربوط برباطة قديمة.
عملت في شركة تنظيف ترسل الموظفين إلى الحفلات الكبرى.

وصلت إلى هذا القصر بالصدفة تقريبا ولا تعرف عن أصحابه سوى ما يقال من بعيد.
لم تكن تهتم بالأغنياء كل ما أرادته هو إنهاء عملها والعودة إلى أختها الصغيرة التي تعتني بها منذ سنوات.
كانت تعمل بهدوء بلا كلمة بلا نظرة تؤدي واجبها وتنصرف.
لكن حين كانت تنظف قرب المكان الذي يجلس فيه بنيامين التفتت فجأة.
كان وحده للحظة.
المربية ذهبت إلى الحمام.
لم تفكر إيلينا كثيرا ربما كان الأمر غريزة وربما لأنها اعتادت الاعتناء بأطفال غيرها في بيوت أخرى.

اقتربت بهدوء لم تقل شيئا فقط مرت بقربه ثممن دون وعيمسحت رأسه بلطف كأنها تعرفه منذ زمن.
وحينها حدث ما لم يتوقعه أحد لا من الضيوف ولا من الموظفين ولا حتى من جدران القصر التي اعتادت الصمت أكثر مما اعتادت الأصوات.
رفع بنيامين رأسه ببطء كأن الحركة نفسها كانت ثقيلة عليه بعد عامين من السكون.
عينيه الواسعتين اللتين طالما كانتا زجاجيتين بلا حياة امتلأتا بشيء جديد شيء يشبه الشرارة الأولى للعودة.
نظر مباشرة إلى إيلينا نظرة عميقة لدرجة أنها شعرت وكأن الهواء حولها تغير وكأن طفلا صغيرا يحمل جرحا بحجم السماء وضع روحه بين يديها دون مقدمات.

ثم بصوت صغير خافت مبحوح صوت كان يفترض أن يخرج منذ ألف يوم ولم يخرج
قال
هل تريدين أن تكوني أمي
كانت الكلمات خفيفة بسيطة

لكنها سقط,ت على قلب إيلينا سقوط مطر فجائي على أرض جافة منذ سنوات.
تج,مد جس,دها بالكامل.
ارتعشت يدها التي كانت لا تزال ممدودة في الهواء.
لم تفهم في البداية ما حدث.
ظنت أن التعب يلعب بعقلها أو أن الطفل تلاشى صوته بين الضجي,ج أو أنها سمعت صدى لماض يخص أحدا آخر.
لكن بنيامين كررها هذه المرة بصوت أوضح قليلا وكأنه يستجمع الشجاعة من نظراتها المر,تبكة
هل تريدين أن تكوني أمي
تردد صوته في المكان وارتد عن الرخام والجدران والزجاج وكأن القصر نفسه لم يصدق ما سمعه.

سيدة كانت تقف قرب الطاول,ة التفتت أولا فتحت فمها دون أن تقول كلمة.
رجل كان يحمل كأس نبيذ ارتجفت يده فسقط الكأس على الأرض وتحطم وانطلقت الرائحة في الهواء كأنها إعلان لحظة لا تشبه أي لحظة أخرى.
توقفت الفرقة الموسيقية دفعة واحدة
ليس لأنهم تلقوا إشارة بل لأنهم شعروا بزلزال صامت يسري في القاعة.
التفت الجميع بطيئا باندهاش وكأن الزمن

صار أثقل من أن يتحرك.
أما جوليان والد الطفل فكان المشهد بالنسبة إليه طعنة ومعجزة في نفس اللحظة.
شعر بشيء يخن,قه شيء يشبه قبضة يد باردة على قلبه.
ترك كأسه دون أن يدري وانسكب الشراب على بدلة رجل أعمال كان يقف بجانبه لكن لا أحد تجرأ أن يشتكي.
مشى أو بالأحرى تعثر صوب ابنه بخطوات فقدت توازنها من شدة الص,دمة.
وقف أمام بنيامين صوته خرج مخنوقا من بين الحنين والخوف
بنيامين ماذا قلت
قلها لي قلها لي مرة أخرى أرجوك
لكن الطفل لم يلتفت إليه.

وكأن الكلمات التي قالها لم تكن ملكا لأحد غير تلك المرأة الواقفة أمامه.
كان ينظر فقط إلى إيلينا
ابتسامة صغيرة ظهرت على شفتيه ابتسامة مرتبكة خجولة لكنها حقيقية لأول مرة منذ رحيل أمه.
في تلك اللحظة شعرت إيلينا بارتباك لم تعرف له مثيلا وكأن الأرض تحت قدميها لم تعد ثابتة.
لم تفهم لماذا اختارها.
هي مجرد عاملة تنظيف شخص لا يعرفه الطفل ولا يعرفه والده.
شخص

يمر في البيوت بصمت ويخرج دون أن يترك أثرا.
لكن بنيامين كان يرى فيها شيئا آخر.
شيئا لم يره أحد من قبل.
الصمت الذي سقط على القاعة لم يكن صمتا عاديا.
كان صمتا حيا ممتلئا بالد,هشة بالر,عب بالأمل بالأسئلة التي لم يجرؤ أحد على طرحها.
كأن كل من في المكان كانوا يشهدون ولادة تحدث أمامهم
ولادة صوت ولادة روح ولادة رابط لا يفهمه أحد.
جوليان انحنى قليلا أمام ابنه عينيه ممتلئت,ان بدموع قاتلت بش,راسة كي لا تسقط.
مد يده إلى كتف بنيامين لكن الطفل لم يتحرك.

لم ينظر إلى أبيه وكأن العالم كله كان نقطة صغيرة اسمها إيلينا.
أراد جوليان أن يقول شيئا
اعتذارا شكرا صرخة أي شيء
لكن الكلمات علقت في حلقه كشوكة.
كل ما استطاع فعله هو النظر إلى المرأة التي أعادت الحياة إلى ابنه بلمسة واحدة فقط.
لم يفعلها طبيب ولا عالم نفس ولا دواء ولا مال.
بل امرأة بسيطة تحمل سكينتين من الإرهاق في عينيها ومسحة حنان لا تعرف

نفسها قوتها.
إيلينا شعرت بأن دمعة حارة انزلقت على خدها دون إذن.
لم تستطع الكلام ولم تستطع الحركة.
كأن الطفل أعاد لها هي أيضا شيئا كانت تظنه مات منذ زمن بعيد.
وتحرك أحد الضيوف أخيرا.
ثم آخر.
ثم همس هنا وهناك.
لكن لا أحد اقترب.
لا أحد أراد أن يفسد تلك اللحظة النادرة التي تحدث مرة واحدة في حياة إنسان.
وفي زاوية القاعة كان الموسيقي الذي أوقف العزف يضع يده على فمه غير قادر على استيعاب ما رأى.
وانحنت إحدى العاملات تبكي بصمت دون أن تعرف السبب.

أما الهواء نفسه
فقد تغير.
كان صمتا يشبه بداية شيء جديد شيء لا يشبه الماضي الذي كان يقت,ل هذا البيت كل يوم.
كان صم,ت ولادة
ولادة صوت
ولادة أمل
ولادة عائلة ربما لم يدرك أحد أنها ستنشأ بهذه الطريقة.
وفي تلك اللحظة
لم يكن أحد يعرف ماذا سيحدث بعد الآن
لا الضيوف
ولا جوليان
ولا حتى إيلينا نفسها.
لكن الجميع كانوا يعلمون شيئا واحدا
أن ما قاله بنيامين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى