منوعات

أنا متجوزة 2

في نفس الليلة اللي كنت فيها محجوزة في المستشفى بين الأجهزة والمحاليل، كان بيت العيلة تحت في حالة طوارئ. حماتي جمعت ولادها وكبار العيلة في المضيفة تحت، وكانت بتوزع عليهم الأدوار بعينين مليانة غل ومكر. وقفت في نص الأوضة وقالت بصوت واطي ومسموم: * “البت وأهلها مش هيسكتوا، وأنا عارفة الملعون عبد الصمد، ده راجل ناشف وممكن يودي محمود في داهية بالتقرير الطبي. لازم نقلب الترابيزة عليهم قبل ما الصبح يطلع!” محمود كان قاعد ماسك وشه اللي اتورم من ضــ,,ـــــرب أخويا أحمد، وقال بغل:

* “نعمل إيه يا أمي؟ ده الدكتور كتب تقرير بكسر وارتجاج، ولو الشرطة جت هتسحبني من الدار!” حماتي قربت منه وضــ,,ـــــربته على كتفه بقوة: * “اتجمد يا نطع وما تخافش طول ما أنا حية! بكرة الصبح بدري، هتنزل أنت وأخوك تحرروا محضر في المركز إن أهل العروسة طبوا عليك في شقتك وهجموا عليك بالأسلحة البيضاء وعوروك، وإن أختهم وقعت على السلم وهي هربانة منك لما اكتشفت إنها سرقت دهب البيت! وإن هما اللي اعتدوا عليك ودمروا شقتك.. والبلد كلها شهدائنا وحبايبنا وهيطلعوا يجروا معانا!”

وفي الصبح بدري، والشمس يادوبك بتشرق، كانت عربية البوليس نازلة عند باب المستشفى. النيابة أرسلت وكيل النيابة ومعاه ظابط الشرطة عشان ياخدوا أقوالي في المستشفى قبل ما أتحرك. دخلوا الأوضة ولقوني غايبة عن الوعي نص غيبوبة، وأمي قاعدة جنب رجلي بتعيط وأبويا واصل الليل بالنهار واقف على باب الأوضة زي الحارس. الظابط بص لحالتي ولجسمي المتغطي بالرباطات وشعري الملفوف بالشاش، وسألني بصوت هادي: * “يا مدام سمر.. تقرير المستشفى قدامي بيأكد إنك تعرضتي لضــ,,ـــــرب مبرح بآلة حادة وجسم صلب، مين اللي عمل فيكي كده؟”

أنا شفت صورته في خيالي، صورة محمود وهو بيطيرني بضــ,,ـــــربه وقسوته اللي مكنتش أتصورها منه، دموعي سالت على خدوش وشي المتورم، وبصوت مخنوق ومتقطع قلت: * “جوزي.. محمود عبد الصمد.. وأمه هي اللي أمرته وقطعت عيشي! ضــ,,ـــــربني بالكرسي وبالقشاط على راسي وصدـ,,ـــري لحد ما أغمى عليا، عشان رفضت ينزلوا خيري وخير أهلي تحت وعشان رفضت أكون خدامة تحت رجليهم!” أبويا قدم للظابط التقرير الطبي المبدئي وشريط الفيديو اللي جاره في العمارة كان مصوره للمشادة اللي حصلت على السلم وصوت حماتي وهي بتتباهى وبتقول “أنا أخليه يربيكي ويكسر عضامك”.

الظابط هَز رأسه بغضب، وبص للملازم اللي معاه وقال: * “حرك القوة فوراً على بيت عبد الصمد، هات لي محمود وأمه من الدار فوراً!” على الناحية التانية، محمود وأمه كانوا فاكرين إنهم سبقوا بالذكاء. كان محمود نازل من مركز الشرطة بعد ما عمل المحضر الكيرالي اللي اتفقوا عليه، وطالعين على بيتهم يطمنوا، أول ما وصلوا باب الشارع، اتفاجئوا ببوكس الشرطة بيقفل الشارع من أوله لآخره! الظابط نزل من العربية ومعه القوة، وحماتي طلعت تجري على الباب وهي بتصوت وتعمل نفسها المظلومة:

* “يا لهوي يا ناس! في إيه يا باشا؟ إحنا المجني علينا! ابننا مضروب ومفتح في وشهم وأهل البت هجموا علينا في بيتنا!” الظابط ما إداهاش فرصة تكمل كلامها، مسك الكلبشات وربط إيد محمود ورماها في البوكس، وبص لحماتي وقال بصوت زي الصخر: * “المحضر اللي عملتوه ده محضر كيرالي وهياخد رفض، التقرير الطبي للعروسة بيتكلم عن شروع في  وكسر في القفص الصدـ,,ـــري وارتجاج في المخ، ومعانا فيديوهات بتأكد تحريضك وتعديكم عليها! يلا يا ست أنتِ كمان على العربية، المطلوبة للتحقيق بتهمة التحريض والمشاركة!”

حماتي اتسمرت مكانها، لسانها اللي كان بيطلع سم وقف، وعينيها اتملت برعب عمرها ما عاشته. إخوات محمود جُم يجروا يعترضوا، الظابط حدفهم بعيد وقال: “اللي هيقرب هيتقبــ,,ـــــض عليه بتهمة تعطيل السلطات!” أهالي البلد والشارع كله كانوا واقفين يتفرجوا من الشبابيك والبلكونات. النظرات اللي كانت زمان للعروسة ومكسب بيت العيلة، تحولت لنظرات شماتة واستحقار للمفترين. حماتي ومحمود اتركبوا البوكس وسط حسرة وعار قدام البلد كلها. بعد يومين، خرجت من المستشفى على بيت أبويا. الشقة اللي كنت شقيت فيها وكانت ألوانها بتبرق رجعت أطلال في نظري، ومسكت في إيد أمي وأنا مش قادرة أمشي على رجلي من الألم.

أبويا جمع كبار البلد وعمدتها في بيتنا. قعدوا في المضيفة، وكان جاي من طرف حماتي ومحمود ناظر عزبتهم يترجى أبويا ويتوسل له عشان يتنازل عن المحضر قبل ما القضية تتحول لجنايات وتتحكم على محمود بالسجــ,,ـــــن المشدد. الناظر قعد وقال بصوت مكسور: * “يا حاج عبد الصمد.. إحنا كبار ونحلها ودي. محمود اتغش وشيطانه عمان، وأمه ست كبيرة وما تستحملش الحبس. اكتبوا اللي أنتم عاوزينه، دهب العروسة وقايمتها والمؤخر وكل حاجتها ترجع وزيادة، بس بلاش حبس وخراب بيوت!”

أبويا وقف وسط المجلس، وبص لكل الناس الحاضرين وقال بنبرة هزت المضيفة: * “خراب البيوت بدأ من اليوم اللي افتكروا فيه إن بنت الأصول ملهاش ظهر! أنا بنتي انضــ,,ـــــربت واناهنت ودمها سال على السجاد وهم شايفينها لقمة طرية تاكلها كلابهم! الحقوق المالية والقائمة والدهب دول حقها بالقانون وغصب عن عين أي حد.. لكن كرامة بنتي ودمها مالهمش ثمن يتدفع بفلوس!” أنا كنت قاعدة ورا الباب سامعة كلام أبويا، ودموعي بتنزل، بس المرة دي مكنتش دموع ضعف.. كانت دموع عز، وكنت مستنية أشوف النهاية والقصاص اللي يرجع لي حقي كاملاً.

ساد الصمت في المضيفة بعد كلام أبويا اللي كان زي السيف، الناظر هَز رأسه وهو حاسس إن الطاولة اتَقلَبَت تماماً، وما بقاش في إيديهم أي كارت يضغطوا بيه. قام واخد بعضه ومشى وهو يجر أذيال الخيبة، عشان يبلغ العيلة تحت إن الحاج عبد الصمد مش من الرجالة اللي بيشتروا كرامة بناتهم بفلوس، وإن القصاص جاي جاي.

في سجــ,,ـــــن المركز، كانت العتمة والبرودة مالية الزنزانة على حماتي ومحمود. محمود كان قاعد في الزاوية، وشه دبلان، والندم والعرّ مغرقينه، بعد ما أصحابه في البلد والشارع أكلوا وشه، والكل بقى يبص له على إنه “نطع” ضــ,,ـــــرب مراته العروسة الخدومة بغير حق. بص لأمه بغل مكتوم وقال بصوت مبشوح: * “مرتاحة كدة يا أمي؟ أدي آخرة مشيك ورا حقدك ورغبتك إنك تحكمي وتسيطري! البيت اتخرب، وأنا هلبس قضية جنايات مستقبلي فيها يضيع، والبلد كلها بتمسح بيا الأرض!”

حماتي كانت قاعدة على الأرض، طرحتها مبهدلة وعينيها زاغية من الخوف، لأول مرة القسوة والسيطرة يطيروا من عينها ويحل محلهم الرعب. صرخت فيه بصوت واطي ومكسور: * “أنا كان قصدي أكسر عينها من الأول عشان ما تتعالى يابن بطني! ما كنتش أعرف إن أبوها جبل وما بيبهوش حد، ولا كنت أفتكر إنها هتطلع للشرطة والمستشفى بالسرعة دي!” رد محمود وهو بيضــ,,ـــــرب كف بكف: * “تكسري عينها؟! دي كانت بتنزل لك أكتر من نص زيارتها لحد عندك بتترجاكي تحبيها! كسرنا إحنا اللي انكسر، وعيننا هي اللي اتكسرت قدام تسوى وما تسواش!”

في بيت أبويا، كانت الأيام بتمر عليا وأنا بحاول ألملم جروحي. جسمي كان بيطرد الزرقان والألم بالراحة، بس جرح قلبي كان هو اللي ينزف. أمي كانت تقعد جنبي، تسرح لي شعري وتعمل لي الكمادات، وأنا أفتكر كل لحظة طيبة عملتها معاهم، وكيف كان رد الجميل غدر وضــ,,ـــــرب ودم.

في يوم التحقيق الكبير في النيابة، اتجمعت كل الأطراف. جابوا محمود وحماتي من الحبس بالكلبشات، وحضر أبويا وأخويا أحمد وأنا مع المحامي بتاعنا. لما محمود شافني دخلت القاعة، ماشية بسندة إيد أمي، وشي لسه فيه آثار الضــ,,ـــــرب بس نظرتي كانت ثابته وقوية، حاول يبص لي بعين ترجي وندم، وقال بصوت واطي وهو بيمد إيده المكلبشة: * “سمر.. سامحيني يا سمر، أنا اتعميت، الشيطان عماني وما عرفتش أدي لك حقك!”

أنا ما هزتش رمش، ولا ردت عليه بكلمة، بصلت له بنظرة جمدت الدم في عروقه، نظرة عرف منها إن محمود بالنسبة لي مات وانتهى، وإن العروسة الطيبة الوديعة خلاص اتولدت مكانها واحدة تانية أصلب وأقوى. وكيل النيابة بدأ الجلسة، وبص للمستندات والتقرير الطبي النهائي اللي أثبت إن ضــ,,ـــــربي كان بوسيلة حادة وبقسوة مفرطة، وشاهد الفيديوهات اللي سجلت تهديدات حماتي على السلم، وشهد بيا شهود الشارع اللي أكدوا إن أهلي جُم الصبح يزوروني بالخير ولقوني سايحة في دمي.

وكيل النيابة وجه الكلام لمحمود بصوت حاسم هز القاعة: * “المتهم محمود عبد الصمد، التهم الموجهة إليك هي إحداث عاهة مستديمة والشروع في  المجني عليها سمر، بالاشتراك والتحريض مع المتهمة الثانية (والدتك).. إيه ردك؟” محمود انهار وبكى زي الأطفال، وبقى يترجى ويحاول يرمي التهمة على التوتر والمشادة، وحماتي قعدت تلطم وتترجى وكيل النيابة: * “يا باشا أنا ست كبيرة ومريضة، ابننا طيش واختلف مع مراته، إحنا نرضيها باللي هي عايزاه، والله نكتب لها البيت كله بس بلاش الحبس!”

وكيل النيابة ضــ,,ـــــرب بيديه على المكتب وقرعهم بقوة: * “العدالة ما فيهاش بيع وشراء، واللي يفتري على بكرية أصول في بيتها يتحمل نتيجة افترائه!” صدـ,,ـــر القرار الفوري: تجديد حبس المتهم محمود عبد الصمد والمتهمة والدته 15 يوماً على ذمة القضية، مع إحالة أوراق القضية إلى محكمة الجنايات بتهمة الضــ,,ـــــرب المبرح والإيذاء العمدي والتحريض. لما سمعت القرار، حسيت بنــ,,ـــــار جوة صدـ,,ـــري بدأت تنطفي. حماتي انهارت ووقعت على الأرض وهي بتصرخ، ومحمود انحنى راسه في الأرض وهو بيتسحب لسيارة الترحيلات وسط نظرات الشماتة من كل اللي حاضرين.

أبويا مسك إيدي وقومني، وبص لي وقال بصوت مليان فخر: * “قومي يا بنتي.. راسك تفضل مرفوعة للسما، حقك بالقانون جالك، ولسه الفصل الأخير في المحكمة هيثبت للبلد كلها مين هم ولد الأصول ومين اللي انداسوا تحت الأقدام!” خرجت من مبنى النيابة، والشمس كانت طالعة صافية فوق راسنا، حاسة إن الهواء يدخل صدـ,,ـــري لأول مرة من شهر من غير وجع، ومستنية اليوم اللي هيتقفل فيه الملف ده للأبد ويترد لي فيه كل شبر من كرامتي وحقي.

جاء يوم الجلسة الفاصلة في محكمة الجنايات، وكانت القاعة زحمة على آخرها بأهالي البلد والقرى المجاورة اللي جُم يتابعوا نهاية القصة اللي هزت الأرياف كلها. وقفت في قاعة المحكمة، لابسة أبيض صافي، وجنبي أبويا الشامخ زي النخلة وأخويا أحمد. على الناحية التانية في قفص الاتهام، كان محمود وأمه واقفين، ودهم شاحب، وهدومهم متبهدلة، ونظراتهم مكسورة للتراب. حماتي اللي كانت بتهد وتدب في البلد، بقت تشبك إيديها ودموع الخوف نازلة على وشها، ومحمود واقف حاني راسه زي العبد المذنب.

وقفت القاعة كلها احتراماً لدخول منصة القضاة. بدأ المستشار رئيس المحكمة الجلسة، وبعد استعراض التقرير الطبي المفصل، وسماع شهادة أطباء المستشفى وشهدات الجيران، وفحص مقاطع الفيديو اللي أثبتت التحريض والضــ,,ـــــرب المبرح، أتاح الفرصة لدفاع المتهمين اللي حاول يلتمس أي إعفاء أو تخفيف. لكن دلايل الجريمة وقسوتها كانت أوضح من شمس النهار. المستشار بص للقفص، ونظراته كانت مليانة صرامة وعدل، ونطق بالحكم اللي هز أركان القاعة: “بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع أقوال المجني عليها والشهود، وثبوت التهمة يقينياً في حق المتهمين.. حكمت المحكمة حضوريًا:

أولاً: بسجــ,,ـــــن المتهم محمود عبد الصمد بالسجــ,,ـــــن المشدد لمدة ثلاث سنوات، مع الشغل والنفاذ. ثانياً: بسجــ,,ـــــن المتهمة الثانية (والدته) لمدة سنة مع وقف التنفيذ لمراعاة سنها، مع إلزامهم بالتعويض المدني المؤقت وقدره مائة ألف جنيه لصالح المجني عليها، وإلزامهم بمصاريف الدعوى.” صوت الشاكوش لما نزل على الطاولة كان زي صاعقة نزلَت على راس حماتي ومحمود. صرخت حماتي صرخة مكتومة ووقعت على أرضية القفص، ومحمود انهار وبكى بدموع الندم اللي ما بقتش تنفع خلاص.

خرجنا من باب المحكمة، وأنا حاسة إن جبال كانت شايلاها روحي وانزاحت في لحظة. رجعت مع أبويا وأمي لبيتنا، وفي خلال أسابيع قُليلة، المحامي كمل بقية الإجراءات القانونية: أخدت طلاقي للضرر مع الاحتفاظ بكامل حقوقي الشرعية، ورجعت لي قايمتي ودهبي ودهب أهلي لحد باب البيت، مرفوعة الراس ومصونة الكرامة. مرت الأيام، ورجعت لي ضحكتي، وعرفت إن الحياة ما بتنتهيش عند تجربة قاسية، بل بتبدأ من اللحظة اللي بنقرر فيها ما نرضاش بالظلــ,,ـــــم. 💡 الحكمة من القصة:

* البيت اللي ما يتقامش على الاحترام.. بيهده الافتراء: الزواج سكن ورحمة ومعاملة بالحسنى، ومش مضمار للسيطرة أو إثبات النفوذ وكسر النفس. * الطيب مش ضعف والأصل مش استكانة: تنازل العروسة عن جزء من حقها بطيبة خاطر وإرضاءً لأهل جوزها دا دليل أصل، لكن لما يتحول الواجب لفرض بالقوة وإهانة، يبقى الوقوف عند الحد واجب. * الأهل هم السند والحصن: الآباء اللي بيربوا بناتهم على العزة والأصول، لازم يكونوا أول ساتر يصد عنهم الظلــ,,ـــــم لما يدوس عليهم الزمن، والمال والجاه ما يسووش نقطة دم أو كرامة بنت انكسرت.

* عدالة السماء والقانون: الظلــ,,ـــــم مهما ظن صاحبه إنه مستتر بدار أو عيلة، ليه يوم بيترد فيه، والباطل مهما استقوى بيبقى ضعيف أمام كلمة الحق والقانون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى