طارق مسك إيد أمه من ورا السلك
أمي! هخرج امتى؟ كلمتي خالو؟ كلمتي المستشار؟! المحضر ده لازم يتلغي النهاردة! أنا ھمـ,ـوت هنا!
المحامي رفع إيده بقلة حيلة وصوت واطي
اهدا يا طارق بيه.. الوضع أسوأ بكتير مما تتخيل. فتحي الصاوي طلع حوت.. حوت كبير أوي ومغطي نفسه بشبكة قانونية معقدة. الراجل اشترى كل شيكاتك والكمبيالات، وعنده تسجيلات من كاميرات مراقبة وتليفونات بنته متفرغة بأمر النيابة، وتقرير الطب الشرعي نزل وثبت فيه نسبة المهدئات العالية في ډم مريم وآثار الټعذيب والضړب. التهمة اترفعت لجناية شروع في قـ,ـتل وتزويـ,ـر، والقاضي في جلسة التجديد رفض إخلاء السبيل بأي كفالة.
سميحة صوتها طلع مسرسع ومتقطع
والمصنع يا متر؟ والفيلا؟! أنا نايمة عند أختي في المعادي ومش قادرة أرفع عيني في عين حد من قرايبنا! الكل عرف، وجروبات التجمع وكل معارفنا في النادي منزلين صور الشمع الأحمر اللي على باب الفيلا!
المحامي هز راسه بأسى
المصنع اتحجز عليه النهاردة الضهر، والشحنة اللي في السخنة اتجمدت وهيتم بيعها في مزاد علني لصالح مجموعة الصاوي لسداد الديون. إنتوا مبقاش حيلتكم أي حاجة رسمية، والحسابات البنكية كلها اتجمدت بقرار من النائب العام لمنع التصرف.
طارق ضړب راسه في السلك الحديد وهو پيصرخ
مريم! مريم هي الحل! روحيلها يا أمي..
ارمي نفسك تحت رجليها في المستشفى! قولي لها عشان خاطر ابننا ياسين.. قولي لها تتنازل عن البلاغ! مريم غبية وبترضى بكلمتين وبتحب ابنها، مش هترضى تشوف أبو ابنها مسجون!
سميحة بصت لابنها والدموع بتنزل بغزارة
مريم مش لوحدها يا طارق.. مريم وراها جبل.. جبل اسمه فتحي الصاوي اللي إحنا دوسنا على طرفه وإحنا مش عارفين إنه قادر يبلعنا كلنا.
بعد يومين، مريم اتنقلت من الرعاية المركزة لأوضة خاصة مجهزة بالكامل. وشها بدأ يرد فيه الډم، وياسين ابنها كان قاعد في حضنها بيلعب بعربيته الصغيرة وبيضحك
مامي..
جدو فتحي جابلي لعب كتيرة أوي، وقالي إننا هنعيش في جنينة كبيرة فيها حمام سباحة وخيل زي اللي بشوفه في التلفزيون!
مريم بصت لأبوها اللي كان قاعد جنبها وبيقشر برتقالة لحفيده، وقالت بصوت مليان امتنان
بابا.. أنا عمري ما شوفتك بالهيبة والقوة دي.. طول عمري كنت فاكراك راجل طيب وعايش على هامش الحياة وراضي بقليلك..
فتحي حط حتة برتقال في إيد ياسين وبص لبنته بنظرة مليانة حكمة وتجارب سنين
يا بنتي، الفلوس والمظاهر عمرها ما كانت بتعمل رجالة. الراجل بقيمته ومواقفه وحمايته لبيته وعرضه.
أنا بنيت عزي بعرق جبيني وقرشي بالحلال، ومكنتش بحب المنظرة الفارغة لأن اللي شبعان من بيت
أبوه مبيحتاجش يثبت للناس إنه غني. بس لما لقيت إن الطيبة بتتفهم ضعف، وإن البهرجة الكدابة عمت عيون الناس لدرجة إنهم يمدوا إيدهم على لحمي ودمي.. كان لازم أوريهم إن الأسد لو قعد في كهفه سنين، بيفضل أسد ومحدش يقدر يقرب من عرينه.
الباب خبط، ودخل المستشار وحيد الرشيدي ومعاه ظرف أبيض مقفول بختم المحكمة.
وحيد
مساء الخير يا فتحي بيه.. مساء الخير يا مدام مريم. القضية اتحددت جلستها الأولى قدام محكمة جنايات القاهرة دايرة الإرهاب والچرائم الخطېرة أول الشهر الجاي.
والنيابة رفضت كل التماسات الدفاع، وطارق متحول محپوس ومعهوش أي ثغرة قانونية تنقذه.
فتحي أخد الظرف وبص فيه ببرود، وبعدين رفعه وبص لوحيد
وسميحة؟
وحيد ابتسم ابتسامة ذات مغزى
سميحة هانم جالها إخطار إخلاء من شقة أختها كمان بعد ما المحكمة وقعت حجز على كل منقولاتها الخاصة وحساباتها الشخصية، وحالياً بتدور على أوضة إيجار قديم في ضواحي الجيزة تعيش فيها بعد ما كل أصحابها ومعارفها اتبروا منها ومن الفضايح اللي ملت السوشيال ميديا وجرايد الحوادث.
مريم غمضت عينيها وهي بتسترجع كل لحظة إهانة وذل عاشتها في قصر التجمع، وكل قلم وكل حقنة خدتها تحت الټهديد، وحست لأول مرة من سنين براحة وسکينة بتغسل قلبها.
فتحي طبطب على كتفها بحنان وقام وقف بكل شموخ
يلا يا مريم.. جهزي نفسك وياسين. الدكتور كاتبلك خروج النهاردة. عربياتنا مستنية تحت.. ومش رايحين شبرا القديمة، رايحين قصر الصاوي في المنصورية.. البيت اللي اتبنى عشانك وعشان ابنك، واللي مفيش كلب يقدر يعتب بوابته إلا بإذنك.
مريم بصت لأبوها والدموع بتلمع في عينيها بفخر واعتزاز، ومسكت إيد ياسين وهي خارجة على رجليها ثابتة وراسها مرفوعة، ووراها فتحي الصاوي بخطوته التقيلة الراسخة اللي بتهز الأرض، بعد ما علم كل واحد في عيلة الديب درساً عمر الزمن ما هيمسحه.
الجزء الرابع
موكب العربيات السودا الفخمة اتحرك من قدام المستشفى الجوي، في حراسة أمنية منظمة تقطع أي شك إن اللي راكب جواها مش مجرد راجل أعمال عادي، ده حوت من حيتان السوق اللي بيحركوا الملايين بإشارة صباع.
الطريق للمنصورية كان هادي، ومريم قاعدة جنب أبوها في الكنبة الجلد المريحة، حاضنة ياسين ابنها اللي كان ساند راسه على رجلها ونايم في أمان حقيقي لأول مرة من سنين.
مريم كانت بتبص على كفوف أبوها الخشنة، نفس الكفوف اللي كانت بتسقي شجر الليمون في شبرا، ونفس الراجل اللي كان بيلبس سديري صوف متواضع ويقعد على قهوة المعاشات. مكنتش قادرة تستوعب حجم الټضحية والصبر اللي كان عند فتحي الصاوي؛ إزاي يقدر بني آدم يملك الجبروت المالي ده كله ويفضل عايش في صمت وتواضع، بس عشان يختبر الناس ويشوف معادنها الحقيقية؟
أول ما الموكب وصل بوابات قصر الصاوي في المنصورية، البوابات الحديدية الضخمة المتزخرفة اتفتحت على مصراعيها. القصر كان تحفة معمارية محاطة بمساحات خضرا شاسعة، إسطبلات خيل عربي أصيل، وأشجار نخل وموالح متنسقة بأعلى درجات الفخامة. الحرس والخدم كانوا واقفين في صفين منتظمين، وطوا رؤوسهم باحترام وتقدير
حمد الله على سلامتك يا فتحي بيه.. نورتي بيتك يا مدام مريم.
مريم نزلت من العربية ورجليها بتغرز في النجيل الأخضر النضيف، دموعها لمعت في عينيها وهي شامة ريحة الورد والياسمين، ريحة حرية حقيقية افتقدتها في زنزانة التجمع الخامس.
فتحي نزل وراها، شال ياسين على كتفه بحنان، وبص لمريم بصوت دافي مليان فخر
ده بيتك يا بنتي.. وده المكان اللي كان المفروض تدخلي فيه من أول يوم معززة مكرمة، بس قدر الله وما شاء فعل. كل حاجة هنا متسجلة باسمك، ومفيش بني آدم يقدر يكسر ليكي عين أو يرفع صوته عليكي بعد النهاردة.
مريم مسكت دراع أبوها وباسته
ربنا يخليك ليا يا بابا.. أنت رديتلي روحي وكرامتي اللي كانت بتتداس كل يوم بالرخيص.
فتحي طبطب عليها ودخلوا القصر، بس ورا الهدوء ده كله، كانت طبول الحړب الحقيقية لسه بتدق في كواليس المحاكم والشركات.
في نفس الليلة، في بدروم قديم وضيق في منطقة شعبية في بولاق الدكرور، كانت سميحة هانم قاعدة على كنبة متهالكة ريحتها رطوبة وعفن. الروب الستان والبرفانات الباريسية اتبخروا، وحل محلهم عباية سودة قطيفة قديمة استلفتها من جارتها بعد ما طردتها أختها من المعادي خوفاً من الفضايح وقضايا الشيكات.
سميحة كانت ماسكة تليفون قديم شاشته مکسورة، بتترجى كل نمرة كانت متسجلة عندها في دفتر معارف التجمع والنادي
ألو.. مدام شهيرة؟ أنا سميحة الديب.. أرجوكي يا شهيرة، كلمي جوزك المستشار.. طارق ابني محپوس في سجن طرة ومتبهدل، مش لاقيين محامي يقبل يمسك قضيته بعد ما فتحي الصاوي نزل بثقله.. الو؟ الو؟
الخط قطع في وشها كالعادة، زي ما قطع مع عشرات غيرها. أصحاب الأمس، اللي كانوا بيتنافسوا على حضور حفلاتها وسهرات الفيلا، اتقلبوا فجأة لشياطين بينكروها وبيشمتوا في سقوط عيلة الديب المريع.
سميحة رمت التليفون على الأرض وصړخت پهستيريا وهي بتشد في شعرها
كلهم خونة! كلهم واطيين! بقى أنا سميحة هانم اللي كان بيتعملي ألف حساب أقعد في جحر زي ده عشان خاطر سواق شبرا؟! وحياة أمي ما هسيبك يا مريم.. لو كان طارق هيضيع، مش هسيبك تتهني بفلوس أبوكي!
فتحت شنطتها الصغيرة وطلعت كارت قديم لواحد من المحامين المشبوهين اللي شغالين في قضايا الابتزاز وتلفيق المستندات، اسمه عصام الحناوي، وقررت تلعب آخر كارت متبقي في جيبها القذر ملف
التشهير والنسب.
في الصباح الباكر، اجتمع فتحي الصاوي في مكتبه الفخم بالقصر مع المستشار وحيد الرشيدي ومعاهم اللواء سامح، مدير الأمن والحراسات الخاصة لمجموعة الصاوي.
وحيد فتح اللاب توب وورى فتحي تقارير مفصلة
فتحي بيه، الموقف التجاري اتقفل تماماً لصالحنا. شركة العاصمة الإدارية فسخت العقد مع شركة طارق الديب رسمي، وصادرت خطابات الضمان بقيمة 40 مليون جنيه.
الشحنة اللي في مينا السخنة اتعرضت في مزاد علني رسمي بعد حكم التنفيذ الجبري، وشركتنا دخلت واشترت الشحنة ب 30 من قيمتها الأصلية، وبكده متبقي على طارق ديون مستحقة للبنوك ولشركتنا تقدر ب 65 مليون جنيه كديون معډومة.
فتحي نفخ دخان الشيشة بهدوء ورزانة
وطارق نفسه موقفه إيه في الجنايات؟
وحيد
المحكمة حددت جلسة محاكمة عاجلة الأسبوع الجاي. التهم ثابتة بتقرير الطب الشرعي واعترافات الدكتور، والمحامي بتاعه انسحب من القضية امبارح بعد ما لقى مفيش أي ثغرة يدخل منها. المتوقع حكم سجن مشدد من 7 ل 10 سنين مع الشغل والنفاذ.
فتحي هز راسه برضا، بس الټفت للواء سامح
سميحة بتعمل إيه يا سامح؟ الحية دي مش هتهدى بالساهل وأنا عارف صنفها كويس، اللي زيها مبيرضاش بالهزيمة ومبيشوفش غير غله.
اللواء سامح طلع تقرير أمني وصور متصورة بالتليسكوب
بالفعل يا فندم، رجالتنا اللي مراقبين تحركاتها رصدوا لقاء بينها وبين المحامي عصام الحناوي في كافيه في فيصل امبارح بالليل. الحناوي ده مشطوب جزئياً من النقابة وشغال في قضايا الابتزاز الإلكتروني.
سميحة سلمته فلاشة عليها صور ومحادثات مفبركة لمريم، وبيرتبوا يرفعوا دعوى إنكار نسب للطفل ياسين والتشهير بمريم على صفحات السوشيال ميديا وجروبات الحوادث للضغط على سيادتك عشان تتنازل عن القضايا وتدفع تعويض مالي كبير.
أول ما سامح نطق كلمة إنكار نسب، ملامح فتحي الصاوي اتحولت لجمود مرعب، وعروق جبهته نفرت پغضب يزلزل
عاوزين يطعنوا في شرف بنتي ويشككوا في نسب حفيدي عشان يداروا وسخهم؟! الحناوي ده وسميحة يتدفـ,ـنوا قبل ما يفتحوا بؤهم بكلمة واحدة.
وحيد تدخل بسرعة وصوت هادي وموزون
اهدا يا فتحي بيه، القانون والكمين اللي مجهزينه ليهم هيفرمهم بحرفنة.
الحناوي متراقب، والفلاشة والمستندات المزورة اللي سلمتهاله سميحة دي في حد ذاتها جناية ابتزاز وتزوير علني. إحنا هنسبقهم بخطوة واحدة تنهي الموضوع في مهده.
فتحي قام وقف وضړب بإيده على المكتب الرخام
أنا مش هستنى المحاكم في دي يا وحيد. شرف بنتي خط أحمر، والولد ده دمي ولحمي. الليلة دي، الحناوي ده يقعد قدامك ويمضي على اعترافات كاملة بالفيديو بكل اللي سميحة طلبته منه، وتتحرك قوة من مباحث الإنترنت ومكافحة التزييف والتزوير تلبسهم القضية في حالة تلبس تام.
في مساء نفس اليوم، في مكتب متواضع في عمارة قديمة بالدقي، كان المحامي عصام الحناوي قاعد بيراجع أوراق الدعوى المزورة ومعاه مصمم فوتوشوب بيعدل في صور خاصة بمريم عشان تظهر بوضع غير لائق.
الباب اتكسر فجأة بدون سابق إنذار.
دخلت قوة مشتركة من مباحث المصنفات والأموال العامة ومعاهم رجال الحراسة الخاصة، اتثبت الحناوي والمصمم في كراسيهم، واتصادرت أجهزة الكمبيوتر والهاردات والفلاشات بالكامل.
دخل المستشار وحيد الرشيدي بخطوات هادية، وسحب كرسي وقعد قدام الحناوي اللي كان بيترعش وشفايفه بيضا من الړعب
مساء الخير يا متر..
تفتكر تزوير مستندات رسمية ومحاولة ابتزاز عائلة الصاوي هتكلفك كام سنة في عنبر الجنايات؟ غير الشطب النهائي من نقابة المحامين وفضيحتك اللي هتملى الجرايد؟
الحناوي ركع على الأرض وهو بيتوسل
أنا ماليش دعوة يا باشا! دي سميحة الديب هي اللي جت وجابتلي الورق وقالتلي هندوس
عليهم ونبتزهم عشان يسحبوا القضايا! أنا هعترف بكل حاجة.. هكتب إقرار حالا وأشهد ضدها في النيابة!
وحيد بابتسامة سخرية
ده اللي هيحصل بالظبط، وهتسجل فيديو صوت وصورة بكل التفاصيل، والصبح هيكون محضر التلبس والاعتراف على مكتب المستشار المحامي العام لنيابات جنوب الجيزة.
في نفس اللحظة، كانت سميحة قاعدة في شقة بولاق الدكرور مستنية تليفون من الحناوي يطمنها إن الخطة بدأت وإن صور مريم نزلت على النت عشان تشفي غليلها.
وفجأة، صوت خبط رزين وقوي على باب الشقة المتهالك.
سميحة قامت بلهفة وهي فاكرة إن الحناوي باعتلها مسودة القضية
مين؟
افتحي يا سميحة هانم.. تنفيذ أحكام وأمر نيابة عامة بالقبض والإحضار.
سميحة اتسمرت مكانها، ورجليها خذلوها ووقعت على الأرض.
الباب اتفتح بالمفتاح الاحتياطي من صاحب البيت، ودخلت قوة الشرطة النسائية ومعاهم أمر الضبط پتهمة التحريض على التزوير، الابتزاز، والتشهير، وتهمة جديدة ضمتها النيابة الاشتراك في إخفاء مواد مخـ,ـدرة جدول أول بغرض الټعذيب.
سميحة اتسحبت في ملاية قديمة وحجاب متبهدل، تحت عيون أهالي الحارة الشعبية اللي كانوا بيتفرجوا باستحقار ويتهامسوا على الست اللي كانت فاكرة نفسها هانم وطلعت في الآخر مچرمة متلبسة بالرذيلة والۏساخة.
في صباح اليوم التالي، فتحي كان قاعد في جنينة القصر مع مريم، بيشربوا شاي بالنعناع، وياسين كان بيجري ورا كلب لابرادور صغير فتحي جابهوله مخصوص عشان يلعب معاه وينسى الخۏف.
مريم بصت لأبوها بحب وابتسامة رايقة
وحيد اتصل وقالي إن سميحة اتقبض عليها خلاص، والحناوي اعترف بكل حاجة وكل مؤامراتهم ادفـ,ـنت قبل ما تطلع للنور.
فتحي رشف رشفة من كبايته وقال بهدوء
الحق يا بنتي زي السيف، مبيقطعش إلا لما بيكون صاحبه متمسك بيه ومبيخافش. عيلة الديب كانت شجرة ناشفة وسوسة نخرت فيها من جوة، مكانتش محتاجة غير هزة ريح قوية عشان تقع وتتفحم.
مريم
وهنعمل إيه دلوقتي يا بابا؟ جلسة طارق الأسبوع الجاي..
فتحي قام وقف، وبص للأفق البعيد بنظرة صقر مش بيسيب فريسته
هنروح المحكمة يا مريم..
هتدخلي رافعة راسك ولابسة أشيك ما عندك، وهتقفي قدام القاضي تشهدي بالحق. مش عشان ننتقم، عشان كل ست بتتعرض للظلم والإهانة تحت مسمى أسرار البيوت تعرف إن ليها ضهر وإن الظالم مهما على شأنه ونفوذه، مسيره يقع تحت طوع العدالة ويتداس عليه بالرخيص.
مريم هزت راسها بقوة وثبات، لأول مرة تحس إنها مش مريم الضعيفة المستسلمة، دي مريم فتحي الصاوي، بنت الراجل اللي علم التجمع كله درساً في الشرف والأصول والقوة الحقيقية، والحكاية لسه فصولها مكملة مع يوم الحساب الكبير في قاعة المحكمة.
الجزء الخامس
الشمس كانت لسه بتشقشق بنور دهبي هادي على جناين قصر المنصورية، بس في قلب مريم كان في شمس تانية خالص بتشرق؛ شمس الكرامة اللي اتسلبت منها سنين طويلة تحت سقف الړعب والذل. كانت واقفة قدام المرايا الكبيرة في جناحها الخاص، بتبص لملامح وشها اللي ردت فيها الحياة. الهالات السودة اللي حفرت تحت عينيها بدأت تختفي، والچروح اللي في معصمها ودراعها بدأت تلم، مش بس بمراهم الدكاترة، بوجود أبوها الجبل اللي واقف في ضهرها.
لبست تايير كحلي أنيق ومحتشم، ولمت شعرها لورا بتسريحة واثقة. مكنتش محتاجة نقطة مكياج واحدة تداري بيها خۏفها، لأن الخۏف اتنقل للناحية التانية خلاص.
دخلت على أوضة ياسين، لقته صاحي وقاعد على السرير بيسرح شعر الكلب الصغير.
صباح الخير يا بطل، جهزت عشان مدرستك الجديدة؟
ياسين رفع راسه وعينيه بتلمع بفرحة بريئة
مامي.. جدو فتحي قالي إن الأوتوبيس الكبير هيجي ياخدني قدام البوابة، وإن مفيش حد هيزعقلي
تاني أبداً ولا هيقفل عليا الأوضة بالمفتاح زي ما طارق كان بيعمل.. صح يا مامي؟
الكلمة نزلت على قلب مريم زي السکينة، افتكرت الأيام اللي كان طارق بيحبس الولد الصغير في أوضة الضلمة عشان بيعيط لما بيشوف أبوه بيمد إيده على أمه.
نزلت لمستواه، حضنته بكل قوتها وباسيته على خده
صح يا قلب مامي.. جدو فتحي كلامه سيف، ومحدش في الدنيا كلها يقدر يمسك بسوء وأنت في حضننا.
نزلت مريم بهيبتها على السلم الرخام، لقت فتحي الصاوي قاعد على راس السفرة الكبيرة، لابس بدلة سودا كلاسيك متفصلة بالمللي، شكلها پيصرخ فخامة بس من غير بهرجة رخيصة، وقدامه فنجان القهوة المظبوطة وجرايد الصباح.
رفع عينه وبصلها، وعينيه لمعت بابتسامة أب فخور شاف بنته بتقوم من تحت الركام
صباح الخير يا ست البنات. ماشاء الله.. مريم الصاوي رجعت لهيبتها وأصلها.