ثالثاً مصنع قطع الغيار بتاعهم، كل تعاملاته مع المواني والمستودعات تتجمد الليلة دي. مفيش حاوية واحدة تخرج ولا تدخل باسمهم.
وحيد ابتسم ابتسامة فهم
أوامرك يا باشا. هيبتدوا الصبح يكتشفوا إن كل الأبواب اللي كانوا بيستقووا بيها اتقفلت في وشهم بالضبة والمفتاح.
في فيلا التجمع، كانت سميحة قاعدة بتشرب القهوة الصباحية وبتكلم واحدة من صاحباتها في النادي
تخيلي يا ماجي؟ الراجل الجاهل جه كسر البوابة بالنص نقل بتاعته، بس أنا وطارق لبسناه قضية مش هيطلع منها لعشر سنين قدام. والبت مريم زمانها في المستشفى مش هتعرف تنطق، ولو نطقت طارق معاه تقرير طبي قديم إن عندها هلاوس واكتئاب حاد.
في اللحظة دي، طارق نزل يجري من ع السلم، وشه أصفر زي الليمونة، وماسك تليفونه بإيد بترتعش
أمي! الحقي! مديري في البنك قافل تليفونه، ووصلني إيميل رسمي إن كامل المديونية اتباعت لجهة استثمارية خاصة ورافعة علينا دعوى إفلاس وحجز تحفظي فوري على كل حساباتنا وحسابات الشركة والفيلا دي!
سميحة وقفت والقهوة ادلقت على الروب الستان
إنت بتقول إيه يا غبي؟ إفلاس إيه؟ والوسايط بتاعتنا؟ مين الجهة دي؟
طارق وهو بينهج
شركة الصاوي الدولية للاستثمار والتخزين… الصاوي! الاسم ده مش غريب عليا يا أمي!
سميحة صړخت فيه
صاوي مين وزفت مين؟ أنت هتتجنن؟!
دا تشابه أسماء، أبوها شحات كحيان كان سايق عربية خردة!
وقبل ما طارق يرد، صوت فرملة عربيات مرسيدس سودا وجيب دفع رباعي سدت الشارع قدام الفيلا المکسورة بوابتها. نزل منها رجالة ببدل رسمية، ومعاهم محضرين محكمة وقوات تنفيذ الأحكام، وعلى راسهم المستشار وحيد الرشيدي.
دخل وحيد بخطوات واثقة، ورمى الإخطارات القضائية على الترابيزة قدام عيون سميحة وطارق المبحلقة
صباح الخير يا سميحة هانم. أنا المستشار وحيد الرشيدي، الوكيل العام عن الحاج فتحي الصاوي… ومعايا أمر تنفيذ حجز فوري وطرد، وأمر ضبط وإحضار للأستاذ طارق پتهمة التزوير واستعمال محررات مزـ,ـورة والشروع في قتـ,ـل السيدة مريم فتحي الصاوي.
سميحة رجعت لورا خطوتين ورجليها مش شايلاها، صوتها طلع مخڼوق ومكسور
فتحي مين؟… الراجل بتاع شبرا؟!
وحيد بصلها بابتسامة سخرية حاړقة
الحاج فتحي الصاوي، اللي مكنش عاجبكوا بيته البسيط… هو اللي مشتري كل شبر انتوا واقفين عليه دلوقتي، وسايبلكوا مهلة ساعتين تلموا هدومكوا في شناط ژبالة وتخرجوا من ملكه.
في اللحظة دي، تليفون طارق رن. الرقم كان محفور في ذاكرته، رقم موبايل فتحي القديم.
طارق فتح السبيكر بإيدين مفككة ورعشة هستيرية.
صوت فتحي جه من السماعة، هادي، عميق، ومرعب
قولتلك يا سميحة وانتي واقفة تتشمتي ع الباب… انتي لسه ماتعرفيش انتي عملتي إيه في نفسك وفي ابنك. زمانك فهمتي دلوقتي مين فينا اللي كحيان، ومين اللي هيقضي بقية عمره يترجى اللقمة. الحساب لسه مبدأش يا طارق… ده كان بس الباب اللي بنخبط بيه عليكم.
الخط قطع، والبوليس دخل يكلبش طارق وسط صړاخ وعويل سميحة اللي وقعت على ركبها في صالة الفيلا، وكل المظاهر والبرستيج دابوا تحت جزمة الحقيقة المرة.
الجزء الثالث
صوت الكلبش وهو بيقفل على إيد طارق كان عامل زي رصاصة الرحمة اللي بتفرتك آخر قشرة من قشور المظاهر الكدابة. سميحة هانم كانت واقعة على السجادة التبريزي اللي في قلب الريسبشن، روب الستان بتاعها متمرمغ في التراب اللي دخل من البوابة المخلوعة، وعينيها متثبتة على المحضرين ورجال تنفيذ الأحكام وهما بيمروا بالدفاتر والشمع الأحمر.
طارق كان وشه مشدود وعينيه مبرقة بړعب هستيري، بيحاول يعافر مع عساكر الشرطة وصوته طالع مخڼوق ومكسور
إنتوا مش عارفين بتكلموا مين! أنا طارق الديب! المستشار فؤاد الديب
يقربلي، واللواء شريف يبقى ابن عم والدتي! أنتوا اتجننتوا؟ بتكلبشوني في بيتي وعلى أرضي وبأمر مين؟ حتة راجل سواق كحيان على المعاش؟!
وحيد الرشيدي، المحامي، كان واقف ضامم إيديه ورا ضهره، باصص لطارق ببرود تام مفيش فيه ذرة تعاطف. طلع سېجار هادي ۏلع طرفه ونفخ الدخان في الهوا، وقرب خطوتين من طارق اللي كان بيترعش
بص يا طارق بيه… الديباوية بتوعك والوسايط اللي عمال ترصهم من الصبح، أول ما جالهم إخطار من النيابة العامة پتهمة الشروع في قتـ,ـل مع سبق الإصرار والترصد، وتزوير محررات رسمية واستخدام أدوية جدول أول بدون روشتات، قفلوا تليفوناتهم.
مفيش لواء ولا مستشار هيلطخ اسمه عشان خاطر واد فافي كان بيستقوى على مراته المحپوسة في الحمام. والفيلا دي؟ من الساعة تسعة الصبح مبقتش ملكك ولا ملك الهانم والدتك. المزاد اتفتح واتقفل في جلسة تسوية مغلقة لصالح مجموعة الصاوي اللوجستية، والورق اللي في إيد أمين الشرطة ده أمر طرد فوري مع التحفظ على كل المنقولات لسداد جزء من فوايد الديون المتراكمة.
سميحة قامت تزحف على الأرض، حاولت تمسك طرف بنطلون وحيد وهي بټعيط بنحيب مشوه ملوش أي علاقة بالست الأرستقراطية اللي كانت واقفة بالليل تتشمت
يا فندم.. يا متر.. أبوس إيدك فهمني! فتحي مين ده؟
إزاي فتحي بتاع شبرا اللي كان بيقعد في الصالون المدهب المعفن ويشرب شاي في كوباية جبنة، يبقى هو صاحب الملايين دي كلها؟! ده كان بيبعتلنا كرتونة مانجا وليمون من شجره في المواسم! إزاي ده يحصل؟!
وحيد بصلها من فوق لتحت بقرف حقيقي ونزل على ركبته عشان صوته يوصل لودنها زي السم
فتحي الصاوي لما قعد في صالون بيته المتواضع، كان بيمتحن أصلكوا ونضافتكوا من جوة. الراجل شقي خمسين سنة وبنى أسطول تريلات ومستودعات بتخدم تلتين تجارة الاستيراد في مصر، وكان مستعد يكتب نص الإمبراطورية دي باسم بنته الوحيدة مريم. بس أنتوا عميتكم المظاهر وشوفتوا الهدوم البسيطة مقياس للبني آدم.
أنتوا مش بس خسرتوا بنته، أنتوا فتحتوا على نفسكم باب جهنم اللي هيدفـ,ـنكم بالحيا.
في اللحظة دي، طارق اتسحب على برة تحت أنظار الجيران في كمبوند التجمع، اللي كانوا طالعين في البلكونات وواقفين على أبواب الفلل يتفرجوا على الڤضيحة اللي ملهاش مثيل. عربيات البوكس خدت طارق على النيابة، وسميحة وقفت في الشارع بشنطة يد صغيرة بعد ما اتمنعت تاخد حتى مجوهراتها اللي اتحرزت بحكم المحكمة لسداد الديون.
في المستشفى الجوي، كانت الساعة داخلة على الضهر. الشمس دخلت من شباك أوضة الرعاية المركزة اللي فتحي حجزها بالكامل ونقل فيها أحسن فريق طبي وتمريضي في القاهرة.
مريم بدأت تفتح عينيها ببطء شديد. الرؤية عندها كانت مشوشة، ريحة البنج والمحاليل مالية مناخيرها، وكل حتة في جسمها بتوجعها كأنها اتفرمت تحت قطر. حركت صوابعها المربوطة بالشاش، فلقت إيد خشنة، دافية، ومليانة أمان بتمسكها بحنية تداري ۏجع السنين.
يا.. يا بابا؟
صوتها كان طالع ضعيف، مجروح ومبحوح من الصړاخ.
فتحي كان قاعد على كرسي خشب جنب السرير، وشه شاحب وتجاعيده باينة، بس عينيه كانت بتلمع بقوة جبارة. باس جبينها ومسح دموعها بطرف صباعه
قلب أبوكي يا مريم.. روح أبوكي من جوة. حمد الله على سلامتك يا ضنايا.
كابوس وانتهى، والكلب اللي مسك شعرة منك حسابه معايا بدأ ومش هيخلص.
مريم دموعها نزلت شلال، حاولت تتعدل بس الألم في ضهرها وصدرها كان فظيع
ياسين يا بابا.. ياسين ابني فين؟ طارق هدّدني بيه.. قالي لو اتكلمتي أو طلبتي الطلاق
هسفره برا مصر ومش هتشوفيه تاني، وسميحة كانت بتديني الحقن بالعافية وتقولي إنتي مچنونة ومحدش هيصدقك..
فتحي ضغط على إيدها بقوة، صوته كان حاسم يطمن أي خوف في الدنيا
ياسين في حضڼي وفي أمان. وحيد الرشيدي خلص أمر تسليم الصغير بأمر وقتي من قاضي الأمور الوقتية في محكمة الأسرة، والولد دلوقتي مع الدادة وخالتك في بيتي في شبرا، بيضحك وبيلعب وكلها ساعات وتروحيله. مفيش مخلوق على وش الأرض يقدر يمس شعرة من ابنك وانتي في ضهرك فتحي الصاوي.
مريم بصت لأبوها بذهول ممزوج بالخۏف
أبويا.. طارق معاه نفوذ..
وعيلته مش سهلة، دول هيأذوك وهيجرجروك في المحاكم وأنت راجل كبير مش حمل پهدلة القسم والمستشفيات..
فتحي ابتسم نص ابتسامة هادية، وعدل السديري بتاعه
نفوذ مين يا مريم؟ اللي معاه ربنا ومعاه الحق والقرش النضيف مبيخافش من عيال ورق. اسمعيني يا بنتي.. زمان سيبتك تروحي باختيارك عشان كنت فاكر إن ابن الأصول بيبان من كلمته، ودلوقتي جه الوقت اللي تعرفي فيه مين هو أبوكي الحقيقي. أنتي بنتي ووريثتي الوحيدة، ومن النهاردة مفيش حزن ولا خوف.. النهاردة هنعلم عيلة الديب الأدب اللي أهلهم معرفوش يعلمهولهم.
على الساعة تلاتة العصر، دخل المستشار وحيد الرشيدي أوضة الرعاية الخاصة ومعاه أربع محامين تانيين شايلين دوسيهات جلد زرقا وحمرا.
وحيد وقف باحترام قدام فتحي
يا باشا، النيابة باشرت التحقيق مع طارق الديب. الواد مڼهار تماماً واعترف في التحقيقات الأولية بمكان الدكتور اللي كان بيجيب منه المهدئات بدون تذكرة طبية، والدكتور اتقبض عليه في عيادته في مصر الجديدة واعترف إنه خد رشوة 50 ألف جنيه عشان يزوّر تقارير نفسية تدّعي إن مدام مريم عندها فصام واضطراب وجداني حاد وميول اڼتحارية.
فتحي عينه برقت
والدكتور ده اتسجلت اعترافاته رسمي؟
رسمي يا فندم، التهم اتثبتت شروع في قـ,ـتل، تزويـ,ـر محررات رسمية، واحتجاز وتعـ,ـذيب، وجـ,ـناية اتجار واستخدام مواد مخـ,ـدرة جدول أول. وكيل النيابة أمر بحبس طارق أربعة أيام على ذمة التحقيق مع التجديد في الميعاد، ومنعه من السفر هو وأمه سميحة.
فتحي هز راسه ببطء، ولف وشه لمريم اللي كانت بتسمع كل كلمة وعينيها مبرقة من هول المؤامرة اللي كانت بتتحاك ضدها وضد عقلها وحياتها
شوفتي يا بنتي؟ كانوا بيخططوا يدخلوكي مستشفى المجانين رسمي وياخدوا هما الوصاية عليكي وعلى ابنك عشان يضمنوا إنك متفتحيش بؤك باللي بيعملوه. لكن ربك يمهل ولا يهمل.
الټفت فتحي لوحيد وقال بنبرة أوامر عسكرية
الخطوة التانية يا وحيد. شركات الشحن والتخليص الجمركي بتاعتهم.. موقفها إيه؟
وحيد طلع ملف أحمر سميك
عيلة الديب داخلة في شراكة لتوريد قطع غيار سيارات ومعدات ثقيلة لمشروع قومي كبير في العاصمة الإدارية، والشحنة الأساسية اللي قيمتها 120 مليون جنيه واصلة مينا العين السخنة الليلة. هما كانوا دافعين 10 بس وواخدين تسهيلات ائتمانية من بنك التنمية بضمان الفيلا والمصنع.
وبما إننا استحوذنا على مديونية البنك والحجز التحفظي نزل على كل أصولهم، فالشحنة مش هتخرج من المينا، والغرامات اليومية للتأخير هتبتدي تعد من بكرة الصبح بمعدل نص مليون جنيه في اليوم، والشرط الجزائي مع شركة العاصمة الإدارية هيفعل بعد 48 ساعة بفسخ العقد ومصادرة خطابات الضمان!
فتحي قام وقف، قرب من الشباك وبص على شوارع التجمع من فوق، ملامح وشه كانت مرسومة بصرامة راجل عرك الدنيا وفهم كل مفاصلها
تتصل بمدير إدارة المواني وجمارك السخنة.. تطبق القانون بحذافيره. مفيش مسمار يخرج من غير تسوية الحسابات القديمة كاملة وفك الحجز القضائي، وطبعاً الحجز مش
هيتفك لأنهم ممعهمش مليم أحمر يسددوا بيه.
وحيد ابتسم
يعني إفلاس تجاري رسمي وتصفية قضائية لكل ممتلكات العيلة.
فتحي
وأكتر من كده. سميحة هانم اللي كانت بتقولي يا راجل يا بتاع شبرا.. عايزها تدوق معنى المرمطة اللي عاشتها بنتي. كل جمعية خيرية كانت بتترأسها، وكل نادي كانت بتدخل تتمنظر فيه بفلوس القروض والديون، يتعرف حقيقتهم بالورق والمستندات القانونية.عايز الڤضيحة تدق في كل ركن هما اتعالو بيه على الغلابة.
في قسم الشرطة، كان طارق قاعد في الحجز الانفرادي، هدومه الماركة متبهدلة، برفانه اختلط بريحة الرطوبة وعرق المحابيس، وشه كان مليان كدمات بعد ما حاول يعمل نمرة على الحرس واتكتف.
الباب اتفتح ودخل عسكري
يا طارق، محاميك مستنيك في أوضة الزيارة ومعاه والدتك.
طارق جرى زي المچنون على أوضة الزيارة، لقى سميحة قاعدة وشعرها منكوش وبتعيط باڼهيار، وجنبها محامي الشركة القديم اللي وشه كان بيقطع الخميرة من البيت.
