منوعات

ابن ضرتي 1

غمضت عيني بقوة، وعصرت إيدي في حرف دربزين السلم الحديد لحد ما أظافري اتغرست في ايدي ونزفت. مكنش في وقت للدروخة، ولا وقت للرعشة.. لو وقعت أنا، بنتي هتمو.ت. بدأت أزحف على بطني على درجات السلم! أيوة، لغيت إني إنسان ماشية على رجلين. غمضت عيني تمامًا عشان مشوفش الارتفاع، وبقيت أتسلق السلم بجسمي كله، أشبك إيدي في درجات السالمون الحديد وأسحب جسمي بظفري وركبي، وكل درجة أطلعها كانت كأنها جبل بشيله على صدري. كنت بنهج وبصرخ صريخ مكتوم من الرعب، والدموع مغرقة وشي، بس صورة منى وهي بتضحك فوق كانت هي الحبل الوحيد اللي ماسكني في الحياة.

سمعت صوت خطوة منى فوق، وصوت حجرة صغيرة اتكعبلت فيها ونزلت تكركب على السلم.. قلبي وقف! فتحت عيني بسرعة من الرعب، لقيتني وصلت لآخر ثلاث درجات، ومنى كانت خلاص بتلوي جسمها عشان تبص لتحت من على الحافة! في جزء من الثانية، وبدون ما أفكر في ارتفاع ولا فوبيا، رميت جسمي القدام على أرضية السطح بكل قوتي، مديت إيدي ومسكت طرف فستانها وشدتها لصدري بقوة لدرجة إننا اتقلبنا إحنا الاثنين على أرضية السطح الخرسانية.

ح.ضنتها بكليتي، دخلتها جوا ضلوعي، وبقيت أترعش وأصرخ وأبكي بصوت هيستيري وأنا ببوس كل شبر في وشها وإيدها، وهي اتخضت من عياطي وبدأت تعيط هي كمان وتنادي: “ماما.. ماما!”. في اللحظة دي، سمعت صوت خطوات طالعة على السلم بسرعة.. مكنتش خطوة خديجة البطيئة، دي كانت خطوات تجري بهلع. كان جوزي طالع يصرخ بعد ما رجع من بره فجأة وسمع صراخي من الشارع، ووراه حماتي اللي كانت لسة راجعة من السوق. أول ما جوزي وصل للسطح وشافني نايمة على الأرض ومكلبشة في البنت وبصرخ وبترعش، وشاف خديجة واقفة تحت على أول السلم بتاكل فشار ومبتسمة.. ملامح وشهم كلهم اتغيرت.

جوزي جرى عليا ورفعني أنا وبنتي من الأرض وهو بيسأل برعب: “في إيه؟! إيه اللي حصل هنا؟!”. نظرت لخديجة اللي ابتسامتها اختفت فجأة أول ما شافت جوزي وحماتي واقفين، وبدأت ملامحها تتبدل بتمثيل متقن للزهول والخوف.. بس أنا المرة دي مكنتش  ولا المصدومة بتاعة المرة الأولى. مسكت في قميص جوزي وبصيت في عينه وأنا بنهج والدموع نازلة زي المطر: “مرتك.. مرتك طلعت البنت السطح عشان تقتلها وتنتقم مني يا محمود! خديجة حطت بنتي على الحافة وقعدت تتفرج عليا عشان تشوفني وأنا عاجزة أنقذها زي ما حصل مع آدم!”.

حماتي شهقت وحطت إيدها على قلبها، ومحمود بص لخديجة بنظرة أول مرة أشوفها في عينه.. نظرة شك قاتل واندهاش مرعب. خديجة ارتبكت وصوتها لجلج: “أنت بتصدق المجنونة دي يا محمود؟! البنت هي اللي سحبت نفسها وطلعت وأنا مكنتش أعرف! أنا كنت قاعدة تحت!”. هنا أنا وقفت على رجلي بالرغم من كل الرعشة اللي في جسمي، ورفعت إيدي اللي بتنزف وشاركت بيها على خديجة وقلت بصوت حاسم هز السطح كله: “أنتي كدابة! أنتي اللي قولتيلها انزلي يالا نلعب فوق، وأنتي اللي قولتيلِي بالحرف تحت ‘أما نشوف المرة دي هتطلعي تنقذيها ولا الفوبيا تمنعك’!”.

محمود ما استنّاش.. نزل على السلم في ثلاث خطوات، ومسك خديجة من دراعها بقوة خلت الفشار يقع من إيدها يتطور على السلم، وصرخ في وشها بصوت زلزل البيت: “انطقي!! الكلام ده صح؟! أنتي اللي طلعتي البنت فوق؟!”. خديجة وهي بتمسح وشها وبتحاول تفرك إيدها، بصتلي بنظرة كره أعمق من الأول، وقالت بنبرة فيها تحدي وغل مفيهوش أي ندم: “أيوة! أيوة أنا اللي طلعتها! زي ما هي مو.تت ابني وحرمتني منه، كان لازم تحس بنفس النار! كان لازم أشوفها وهي بتتفرج على بنتها وهي بتقع وما قادراش تعملها حاجة!”.

الهدوء ساد المكان للحظات.. هدوء مرعب قبل العاصفة. محمود بص لخديجة وهو مش مصدق إن دي الست اللي عايش معاها، وحماتي قعدت على الدرج وهي بتطبطب على رأسها وبتبكي من الهول. وفجأة.. محمود ض.رب خديجة بالقلم على وشها وطر.دها بره الباب الرئيسي لبيت العيلة بصوت هيستيري: “أنتي غورية من هنا! أنتي مجنونة ومعندكيش قلب! غورية على بيت أهلك ومش عايز أشوف وشك تاني!”. خديجة مشيت وهي بتصرخ وبتتوعد وتدعي علينا، والبيت هدي.. بس الكابوس مكنش انتهى.

عدى أسبوعين على الواقعة دي. البيت بقى زي المقبرة، محمود بقا ساكت طول الوقت، مش بيكلم حد، ونظرات الذنب مالية عينه ناحيتي وناحية بنته. حماتي بقت تقعد معايا وتاخد بالها من منى ومبتسيبناش لحظة واحدة. كنت فاكرة إن كده الموضوع خلص.. وإن خديجة بعد ما اتفضحت واتطردت راحت لبيت أصلها وسكتت. بس في ليلة، ومحمود كان بايِت في شغله بره المحافظة، والبيت مفيش فيه غيري أنا وبنتي وحماتي النايمة في شقتها تحت.. سمعت صوت شخبطة خفيفة ومستمرة على باب الشقة بتاعي.

صوت معدن بيتحك في الخشب، براحة شديدة وبدون أي دوشة. قمت من السرير بشويش، وركبي بدأت تترعش تاني، مسكت  من المطبخ وقربت من باب  بحذر، وبصيت من العين السحرية.. اللي شفته ورا الباب خلى قلبي يقف عن النبض تمامًا.. خديجة كانت واقفة في الضلمة ورا الباب، ملامح وشها متغيرة ومحفورة بالعياط والغل، وفي إيدها نسخة من مفاتيح  القديمة.. وبدأت تلف المفتاح في القفل بالبطء الشديد!

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى