تقدم عم أحمد البواب ووقف في منتصف الصالة، ورفع إصبعه وقال بصوت جاف أمام الجميع: — اتقِ الله يا أستاذ إبراهيم! أنا البواب ومسؤول عن العمارة دي أمام ربنا وأمام القانون. الست شيماء ما خرجتش من الشقة ولا خطت خطوة برة من يوم ما سافرت. أستاذ حسن هو اللي طلع خبط عليها من ساعة، ولما رفضت تديله الفلوس، نزل جاب والدتك وطلعوا زقوا الباب ودخلوا بالعافية، وأنا سمعت صوت صريخها وهي بتقول “الفلوس أمانة”، وأستاذ حسن نزل بعد كده وهو ماسك الكيس الأسود ده في إيده وطالع بيه تاني فوق!
ساد صمت زلزل أركان الشقة. توسعت عينا إبراهيم كأنه ضرب على رأسه بهراوة من حديد. اتجه بنظره فورًا نحو حسن. كان حسن يتراجع إلى الخلف نحو نافذة الصالة، ووجهه يقطر عرقا، بينما بدأت حماتي بالصراخ والتظاهر بالإغماء: — يا لهوي! البواب المبصوم المأجور جاي يتبلى علينا؟ أنت قبضت كام يا أحمد عشان تقول الكدب ده؟ سار إبراهيم نحو أخيه حسن ببطء، خطوة بخطوة، والدموع تحبس في عينيه من هول الصدمة والخذلان. — الكيس الأسود… أنت اللي طلعته معاك يا حسن؟ أنت وأمي اللي خططتم للتمثيلية دي عشان تاخدوا الفلوس؟
— يا إبراهيم اسمعني… — تلعثم حسن وهو يحاول التراجع — الكمبيالة كانت هتحبسني… أنا كنت هرد الفلوس أول ما أبيع البيعة… والله العظيم كنت هردها! والبت دي كانت هتقولك إني استلفت منها فقلنا نعمل كده عشان ما تزعلش مني! لم يكمل حسن كلمته. اندفع إبراهيم كالمجنون، صرخة وحشية خرجت من أعماقه وهو يطباق بيطش على رقبة أخيه! سدّد له ضربة مدوية في وجهه أطارت حسن على الطاولة الخشبية لتنكسر تحت جسده، والفلوس تطايرت في أرجاء الصالة كالأوراق الخريفية!
صاحت الأم وولولت وهي تحاول إبراهيم عن أخيه: — لحقوني! أخوه عشان خاطر الغريبة! حوشوا عنه يا ناس! لكن محمود وسيد وقفا يحميان إبراهيم من تدخل الأم، ليدعاه يفرغ غضبه في الخائن الذي غدر به وبزوجته. ضرب إبراهيم أخاه بقسوة وحسرة، وهو يصرخ: — أخويا؟ أنت أخويا؟ تبيع عرضي وشرفي وتتهمني في مراتي عشان عشرين ألف جنيه؟ تعمل فيا كده وأنا شقيان في الغربة عشان أعملكم قيمة؟ استمر الضارب والجر لعدة دقائق حتى أغمي على حسن تقريبًا والدم يسيل من أنفه وفمه. تنفس إبراهيم بصعوبة ووقف، وجسده كله .
نظر إلى الفلوس المتناثرة على الأرض، ثم نظر إلى أمه التي كانت تجلس عند قدمي حسن تبكي وتلعن. قال إبراهيم بصوت مكسور، خافض، لكنه يحمل نهايات لا رجعة فيها: — أنتِ مش أمي… اللي تعمل في ابنها كده عشان تداري على ابنها التاني مش أم. اطلعوا برة بيتي… أنتِ وهو… اطلعوا برة ومش عايز أشوف وشكم لحد ما أموت! رفعت الأم رأسها بذهول: — بتطرد أمك يا إبراهيم؟ بتطرد اللي ربتك؟ سحبت الأم ابنها المصاب من دراعه وشداه للخارج وهو يئن من الألم، وخرجا يجران أذيال الخيبة والفضيعة في العمارة، وسط نظرات الجيران الذين تجمعوا على السلم بعد سماع الفوضى.
خلت الصالة إلا مني، ومن أخي محمود، وسيد، والبواب، وإبراهيم الملقى على الأرض بين الفلوس المتناثرة، يبكي بأعلى صوته كطفل صغير فقد كل شيء في لحظة. استدار إبراهيم على ركبتيه أمامي، وزحف نحو قدميّ، يحاول الإمساك ب طرف عباءتي تنزل من عينيه: سحبت طرف عباءتي من تحت يده ببطء وثبات، وقلت بصوت خالي من أي عاطفة: — الفلوس أهي يا إبراهيم… كمل قسط شقتك وسلمها بكرا. لكن أنا… أمانتك رجعتلك، ويمينك اللي رميته عليا في السلم سمعته المنطقة كلها.
التفتُّ نحو أخي محمود وقلت بجمود: — يلا يا محمود… خدني على بيت أبايا.