منوعات

في عيد ميلاد حماتي

في عيد ميلاد حماتي، قدام أكتر من 30 معزوم، بصّت لأهلي باحتقار وقالت بصوت عالي
أصل الناس اللي جاية من الأرياف دي، المفروض تشكر ربنا إننا سمحنالهم يقعدوا على سفرتنا!
ولما حاولت أدافع عنهم، حمايا قام وركلني بكل قوته في جنبي… وقعت على الأرض، وبعدها عرفت إن ضلعي اتكسر.
أما جوزي… فكل اللي قاله وهو باصصلي ببرود
إنتِ اللي جبتي ده لنفسك.
ماعيطتش…
بالعكس، فتحت تسجيل الموبايل في هدوء… لأنهم ماكانوش يعرفوا إن معايا مستندات قادرة تهد أكبر شركة باسم العيلة.
الجزء الأول
الناس الفلاحين دول لازم يحمدوا ربنا إننا رضينا يدخلوا بيتنا.

قالتها حماتي وهي رافعة كاس العصير، والضحك مالي المكان.
كنا بنحتفل بعيد ميلادها ال في فيلتهم الفخمة بالتجمع الخامس. القاعة مليانة رجال أعمال، ونواب، ومقاولين كبار، وستات لابسين دهب يجيب شقة كاملة.
أهلي كانوا جايين من المنصورة مخصوص.
أبويا جاب معاهم شوية جبنة فلاحي، وعسل نحل من عنده، وكرتونة مانجة من أرضه. هدايا بسيطة، لكن كانوا مجهزينها بكل حب.
أنا اسمي ياسمين عبدالحميد.
بقالي 3 سنين متجوزة كريم الشاذلي، وبشتغل المدير المالي في شركة المقاولات بتاعة عيلتهم.
استحملت سنين من التلميحات والسخرية والنظرات اللي كلها استعلاء، وكنت دايمًا بقول لنفسي أكيد مع الوقت هيتقبلوني.

لكن اللي حصل الليلة دي خلاني أفهم إن اليوم ده عمره ما هييجي.
حماتي بصت لإيد أبويا الخشنة من شغل الأرض، وابتسمت ابتسامة كلها شماتة.
هو إنتوا هناك لسه بتاكلوا بإيديكم؟ خلي بالكم بقى وإنتوا ماسكين الشوك والسكاكين.
أمي نزلت عينيها في الأرض.
وأبويا ضغط على سنانه وسكت.
أما كريم… فكان قاعد جنبي، عامل نفسه مش سامع أي حاجة، ومشغول في موبايله.
ولما حماتي زودتها وقالت
في الآخر دول زي الكلاب… عايشين على اللي يترمي لهم.
قمت من مكاني.

وبصيتلها في عينها وقلت
الواحد مالوش اختيار هو اتولد فين… لكن عنده اختيار يبقى محترم أو قليل الأصل.
القاعة كلها سكتت.
حمايا، الحاج فاروق الشاذلي، قام من مكانه بهدوء.
كان راجل متعود إن محدش يرفع عينه فيه.
قرب مني، مسكني من دراعي، وفجأة… اداني ركلة بكل قوته في جنبي.
سمعت صوت فرقعة.
وقعت على أرضية الرخام، ومابقتش قادرة آخد نفسي.
أمي صړخت.
وأبويا جري ناحيتي، لكن أفراد الأمن وقفوه ومنعوه يقرب.
أما كريم…
لا جري عليّ.
ولا طلب إسعاف.
ولا حتى سألني إنتِ كويسة؟

كل اللي قاله لأبوه
خلاص يا بابا… الناس كلها بتتفرج.
وبعدين بصلي بضيق وقال
شايفة؟ إنتِ كل مرة لازم تعملي مشكلة وتبوظي القعدة.
الكلمة دي وجعتني أكتر من الضړبة نفسها.
حمايا أمر الأمن يطلعوا أهلي برا الفيلا.
وحماتي قالت للخدم
نضفوا المكان بسرعة… قبل ما حد يصور الڤضيحة.
أما كريم، فطلعني الأوضة وقفّل الباب عليّا.
في هدوء… فتحت تسجيل الصوت في موبايلي.
قلت وأنا پتألم
مش قادرة أتنفس… خدني المستشفى.
رد من غير حتى ما يبصلي
إنتِ مش ھتمـ,ـوتي من رفسة. بطلي تمثيل ونامي.

ولما خرج…
حفظت التسجيل باسم مختلف، عشان محدش يشك فيه.
تاني يوم الصبح، نزلت لوحدي على مستشفى خاص.
الأشعة أثبتت إن عندي كسر في الضلع السابع، وكدمة داخلية.
طلبت نسخة مختومة من كل التقارير.
بعدها قعدت في كافيه، فتحت اللابتوب، ودخلت على النظام المالي لشركة الشاذلي.
سنين وأنا بشوف فواتير غريبة، وشركات استشارية بتاخد ملايين من غير أي شغل، وتحويلات مالية كريم وأبوه كانوا بيقولولي أمضي عليها من غير أسئلة.
المرة دي…
ماعدتش سكت.
مشيت ورا كل تحويل.
وكل فاتورة.
وكل مستند.

لحد ما اكتشفت شركة وهمية بيغسلوا من خلالها الفلوس… ورشاوى متدفعة لمسؤولين… وأوراق مزورة لمشروع سياحي على الساحل الشمالي اتعمل بالمخالفة للقانون.
جمعت كل المستندات.
ورفعتها على مساحة تخزين مشفرة على الإنترنت.
وبالليل…
رجعت البيت.
ابتسمت.
وحضّرت العشا.
ومثلت إني اتكسرت واستسلمت.
ولا واحد فيهم كان يعرف…
إن الست اللي سابوها مرمية على الأرض بضلع مكسور…
بقى في إيدها الدليل اللي ممكن يوقع إمبراطوريتهم كلها.
وساعتها…
فهمت إن اللي جاي… محدش فيهم هيقدر يتخيله.
الجزء الثاني والأخير عاصفة الاڼتقام
مرت أسبوعين على ليلة الحفلة.

كنت أتحرك ببطء شديد وأخفي ألم ضلعى المكسور بابتسامة مصطنعة، بينما استمر كريم وعائلته في معاملتي كشخص مكسور الجناح، شخص لا يملك سوى الخضوع.
في مكاتب شركة الشاذلي للمقاولات، كانت التحضيرات تجري على قدم وساق لإتمام أكبر صفقة في تاريخ الشركة مشروع إنشاء منتجع سياحي ضخم بالتعاون مع جهات حكومية ومستثمرين عرب، بقيمة إجمالية تخطت المليار جنيه. التوقيع النهائي كان مقرراً في مؤتمر صحفي كبير بحضور كبار رجال الدولة والصحافة الاقتصادية.
في تلك الأيام، عشت حياة مزدوجة.

في النهار، كنت المدير المالي الكفء الذي يوقع على الأوراق وينظم الحسابات بدقة متناهية، وفي الليل، كنت أحرك خيوط اللعبة النهائية في خفاء تام.
قبل موعد توقيع العقود ب 48 ساعة، حدث ما لم تكن عائلة الشاذلي تحسب له أي حساب.
ليلة الحساب
كانت الساعة تجاوزت منتصف الليل، وكنت جالسة في غرفة الأبحاث والمكتب الخاص بحماتي وحمايا داخل الفيلا. دخلت بثقة بالغة، وفتحت الخزنة الرقمية الخاصة بالحاج فاروق مستخدمة صلاحياتي الإدارية الكاملة التي لم تكن تشك فيها عائلة الشاذلي قط.

استخرجت النسخ الأصلية للعقود المزورة، وصور شيكات الرشوة، ومستندات التحويلات البنكية التي تثبت تورطهم في غسيل أموال تخص صفقات عامة. لم أكتفِ بذلك فحسب، بل أرسلت نسخة مشفرة ومؤمنة بالكامل إلى جهات الرقابة الإدارية، وهيئة البورصة، وكبرى الصحف الاقتصادية، بحيث تنشر بشكل تلقائي ومبرمج تماماً في تمام الساعة الثانية عشرة ظهر يوم توقيع العقود الكبرى.
في تلك اللحظة، دخل كريم الغرفة وفجأة وقف مذهولاً وهو يرى اللابتوب أمامي والمستندات الخطېرة مبعثرة.
إنتِ بتعملي إيه هنا؟! قالها بصوت مرتجف ومليء بالړعب.
الټفت إليه بهدوء، وأغلقت اللابتوب ببطء، ثم وقفت شامخة رغم ألم ضلعى الذي تذكرته مع كل نفس.

بلملم ورشاتكم.. يا ابن الباشا. قلتها ببرود أربك ثباته تماماً.
حاول الھجوم عليّ لانتزاع الجهاز، لكنني رفعت هاتفي في وجهه وفتحت تسجيل المكالمة التي جمعته بأبيه ليلة كسر ضلعى، حين قال ببرود إنتِ اللي جبتي ده لنفسك. وقلت له بصوت حاسم التسجيل ده، مع مستندات الشركة، مع ملفات الرشوة، كلهم دلوقتي في طريقهم للجهات القضائية. إمبراطورية أبوك انتهت يا كريم.
شحب وجهه، وسقط على نكبتها، وظهرت الدموع في عيونه لأول مرة، مستحلفاً إياي بالتوقف، لكن الوقت كان قد فات.

قمة الاڼهيار
في صباح اليوم التالي، قاعة المؤتمرات الكبرى بأحد فنادق القاهرة الكبرى كانت تعج بالصحفيين، الكاميرات، ورجال الأعمال. الحاج فاروق دخل بطللته المعتادة المليئة بالغرور، بجواره زوجته التي ارتدت أغلى المجوهرات، وكريم الذي بدا وجهه شاحباً كالمۏتى.
جلست في الصف الأخير، أراقبهم في صمت.
صعد الحاج فاروق إلى المنصة، وأخذ الميكروفون ليبدأ كلمته الافتتاحية عن نزاهة الشركة وعراقتها وأهمية المشروع القومي القادم.
وفجأة… في تمام الساعة الثانية عشرة ظتماماً، رنّت هواتف جميع الحاضرين في القاعة في وقت واحد!
عشرات الرسائل الإخبارية والتنبيهات القضائية وصلت إلى هواتف الصحفيين والمسؤولين الكبار.

شاشات العرض الكبيرة خلف الحاج فاروق والتي كانت تظهر شعار الشركة، انقطعت إشارتها فجأة، لتظهر عليها ملفات PDF واضحة وڤاضحة عقود مزورة، تحويلات بنكية مش شبكة غسيل أموال، واعترافات مسجلة ومستندات رسمية.
ساد الصمت القاعة لثوانٍ معدودات، قبل أن ټنفجر عاصفة من الهمسات والصرخات وصوت الصحفيين وهم يلتقطون الصور.
الحاج فاروق تجمد مكانه على المنصة، وسقط الميكروفون من يده، بينما هرعت قوات الأمن الاقتصادي ومباحث الأموال العامة إلى داخل القاعة بخطوات سريعة ومحسوبة، متوجهين مباشرة نحو المنصة.
الحاج فاروق الشاذلي.. وكريم الشاذلي.. أنتم مطلوبون للتحقيق پتهمة غسيل الأموال، التزوير، وتقديم رشاوى لموظفين حكوميين!

حاول الأمن الخاص بالشركة الاعتراض، لكن القوة الأمنية حاصرت المكان بالكامل. حماتي صړخت باڼهيار وسقطت مغشياً عليها على الأرض، بينما تم اقتياد حمايا وكريم بالأصفاد أمام كاميرات الصحافة التي لم تتوقف عن التقاط الصور لفضائح العائلة التي كانت لا تُقهر.
النهاية
خرجت من الفندق بهدوء، رفعت وجهي إلى السماء، وتنفسعت بعمق. ألم ضلعى كان يزول شيئاً فشيئاً أمام شعور العزة والانتصار.
في ذلك المساء، جلست في منزل أهلي البسيط بالمنصورة، وسط رائحة الأرض الطيبة والجبنة الفلاحي وعسل النحل الذي جلبوه معهم بكل حب في تلك الليلة المشؤومة.

أمي كانت تبكي من فرحتها برؤيتي، وأبويا نظر إليّ بافتخار وقال طول عمرنا راسنا مرفوعة يا بنتي، واللي يمس كرامتنا، ربنا بياخد له حقه ولو بعد حين.
أما قضايا الطلاق ونفقة التعويض فكانت مجرد إجراءات روتينية بعدما تنازلت عن منصبي بالشركة وقدمت استقالتي النهائية، مرتديةً ثوب الحرية الذي لا يقدر بثمن.
لقد أدركت يومها أن الكرامة ليست في القصور الفخمة ولا الأموال الحړام، بل في ألا ترتضي لنفسك المڈلة، وأن تعرف جيداً من أين أتيْت، وإلى أين تستطيع أن تصل بقوتك وحدك.

في عيد ميلاد حماتي، قدام أكتر من 30 معزوم، بصّت لأهلي باحتقار وقالت بصوت عالي
أصل الناس اللي جاية من الأرياف دي، المفروض تشكر ربنا إننا سمحنالهم يقعدوا على سفرتنا!
ولما حاولت أدافع عنهم، حمايا قام وركلني بكل قوته في جنبي… وقعت على الأرض، وبعدها عرفت إن ضلعي اتكسر.
أما جوزي… فكل اللي قاله وهو باصصلي ببرود
إنتِ اللي جبتي ده لنفسك.
ماعيطتش…
بالعكس، فتحت تسجيل الموبايل في هدوء… لأنهم ماكانوش يعرفوا إن معايا مستندات قادرة تهد أكبر شركة باسم العيلة.
الجزء الأول
الناس الفلاحين دول لازم يحمدوا ربنا إننا رضينا يدخلوا بيتنا.

قالتها حماتي وهي رافعة كاس العصير، والضحك مالي المكان.
كنا بنحتفل بعيد ميلادها ال في فيلتهم الفخمة بالتجمع الخامس. القاعة مليانة رجال أعمال، ونواب، ومقاولين كبار، وستات لابسين دهب يجيب شقة كاملة.
أهلي كانوا جايين من المنصورة مخصوص.
أبويا جاب معاهم شوية جبنة فلاحي، وعسل نحل من عنده، وكرتونة مانجة من أرضه. هدايا بسيطة، لكن كانوا مجهزينها بكل حب.
أنا اسمي ياسمين عبدالحميد.
بقالي 3 سنين متجوزة كريم الشاذلي، وبشتغل المدير المالي في شركة المقاولات بتاعة عيلتهم.
استحملت سنين من التلميحات والسخرية والنظرات اللي كلها استعلاء، وكنت دايمًا بقول لنفسي أكيد مع الوقت هيتقبلوني.

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى