كان جوزي طول الوقت تقريبًا في الشغل، فقررت من وراه أحجز معاه ميعاد وأفاجئه…
لكن لما روحت وشوفت بعيني هو بيشتغل إيه فعلًا، حسيت إن رجلي مش شايلاني وإني هقع من طولي.
أنا وأحمد كنا متجوزين بقالنا 3 سنين، وبصراحة جوازنا كان سعيد جدًا، وماكانش فيه بينا مشاكل حقيقية…
باستثناء حاجة واحدة بس.
شغله.
أحمد كان بيخرج من البيت قبل الفطار، وفي أغلب الأيام ماكانش بيرجع غير بعد ما أكون نمت.
وحتى الويك إند ماكانش لينا.
تقريبًا نص إجازاته كان بيقضيها في الشغل بحجة إن فيه حالات طارئة لازم يكون موجود عشانها.
وكل مرة كنت أسأله
إيه الشغل اللي واخدك من البيت بالشكل ده؟ إنت حتى مش بتلحق تقعد معايا ساعتين على بعض!
كان يقرب مني ويبوسني في جبهتي ويقول
أرجوكي يا حبيبتي… أنا بقضي اليوم كله بتعامل مع مشاكل الشغل. ينفع يبقى عندي مكان واحد بس في حياتي مااضطرش أتكلم فيه عن الشغل؟
والمكان ده كان بيتنا.
وأنا احترمت رغبته.
قلت لنفسي إن كل واحد من حقه يفصل بين شغله وحياته الشخصية، وإن أحمد أكيد مضغوط، وآخر حاجة محتاجها إنه يرجع البيت يلاقيني بحقق معاه.
فضلت على الوضع ده…
لحد ذكرى جوازنا.
كنت محضرة العشا بنفسي.
رتبت السفرة، لبست الفستان اللي بيحبه، وحطيت الشموع، وجبت هدية كنت مخبياها له من أسابيع.
وقعدت أستناه.
الساعة عدت تسعة…
وبعدين عشرة…
وبعدين حداشر…
والأكل برد تمامًا.
والشموع تقريبًا خلصت.
وأنا لسه قاعدة لوحدي قدام السفرة.
أحمد ما رجعش غير قرب نص الليل.
وقتها، لأول مرة، حسيت إن شغله مش بس واخد وقته…
ده بقى بياخد حياتنا كلها.
تاني يوم الصبح، عملت حاجة يمكن تكون سخيفة جدًا…
لكن وقتها أنا كنت شايفاها فكرة عبقرية.
قررت أحجز معاه ميعاد في شغله.
كنت عايزة أفاجئه.
قلت بدل ما أحمد مش قادر يلاقيني ساعتين وسط جدول شغله المجنون…
أنا اللي هروح له.
فتحت الإنترنت
وكتبت اسمه في البحث.
ولما لقيت المكان اللي بيشتغل فيه، حجزت ميعاد باسمي قبل الجواز، عشان مايعرفش إن اللي جاية له مراته.
كانت الخطة بالنسبة لي مجرد هزار بسيط.
هفتح باب مكتبه فجأة…
هيبصلي مصدوم…
وأضحك وأقوله
بما إن حضرتك مش فاضي تشوف مراتك في البيت، مراتك اضطرت تحجز معاك ميعاد رسمي!
كنت متخيلة إنه هيضحك.
يمكن يحضني.
يمكن حتى يلغي باقي مواعيده ونخرج نتغدى سوا.
لكن وأنا بحجز، لاحظت أول حاجة غريبة.
كل التقييمات المكتوبة عن أحمد كانت من ستات.
مفيش تقريبًا راجل واحد كاتب تقييم.
فتحت أول تعليق.
ست كاتبة
أحمد غير حياتي تمامًا.
التعليق اللي بعده
كنت مرعوبة جدًا قبل ما أروح له، لكنه خلاني أحس إني جميلة من تاني.
واللي بعده كان أغرب
جوزي لحد النهارده مايعرفش إني روحت لأحمد.
حسيت بحاجة غريبة في بطني.
لكن حاولت أضحك على نفسي.
قلت أكيد فيه تفسير منطقي.
يمكن أحمد متخصص في مجال طبي أغلب مرضاه ستات.
يمكن صحة المرأة.
يمكن تجميل.
يمكن أي حاجة.
مع إني وقتها بدأت أسأل نفسي سؤال أغرب
إزاي أنا متجوزاه بقالنا 3 سنين ومش عارفة تخصصه بالتحديد؟
أيوه، كنت أعرف إنه بيشتغل في المجال الطبي.
وكان دايمًا بيتكلم عن المستشفى والحالات والمواعيد.
لكن عمره ما دخل في التفاصيل.
وأنا عمري ما ضغطت عليه.
رجعت للتقييمات.
لقيت واحدة كاتبة جملة واحدة بس
يا بنات، صدقوني… أحمد يستاهل كل جنيه بيتدفع له.
هنا قلبي دق أسرع.
قفلت الموبايل.
وقلت لنفسي
كفاية هبل. أنا هروح وهعرف بنفسي.
وفي يوم الميعاد، ركبت عربيتي وروحت على العنوان المكتوب.
لكن لما وصلت…
افتكرت إني غلطت.
بصيت على العنوان مرة.
وبعدين مرة تانية.
وبعدين للمرة التالتة.
لأن المكان اللي قدامي…
ماكانش مستشفى أصلًا.
أحمد كان دايمًا بيخليني أفهم إنه بيقضي معظم وقته في مستشفى كبيرة.
لكن العنوان اللي وصلت له كان عبارة عن مبنى عادي جدًا في منطقة هادية على أطراف المدينة.
ركنت العربية، ونزلت وأنا حاسة إن فيه حاجة مش مريحة.
دخلت المبنى.
كان المكان من جوه راقي جدًا، وهادي بشكل غريب.
ورا مكتب الاستقبال كانت قاعدة موظفة شيك جدًا، أول ما قلت لها اسمي اللي حجزت بيه، ابتسمت وقالت
تمام يا فندم. الدكتور أحمد هيقابلك بعد شوية.
قعدت في غرفة الانتظار.
وكان موجود معايا أربع ستات.
واحدة شكلها حوالي 25 سنة.
واحدة في الأربعينات.
والتالتة أكبر شوية.
أما الرابعة فكان واضح إنها قربت على السبعين.
يعني مفيش فئة عمرية معينة.
لكن الحاجة اللي شدت انتباهي أكتر…
إن كل واحدة فيهم كان باين عليها التوتر.
والأغرب إن كل ما موظفة الاستقبال تنطق اسم أحمد…
المكان كله كان بيسكت فجأة.
واحدة من الستات بصتلي بسرعة وبعدين نزلت عينيها.
والتانية كانت ماسكة شنطتها بإيديها الاتنين كأنها متوترة جدًا.
بدأت أحس إن الموضوع مش طبيعي.
بعد حوالي خمس دقايق، موظفة الاستقبال قامت وفتحت باب في آخر الممر.
وبصتلي بابتسامة وقالت
اتفضلي… تقدري تدخلي دلوقتي.
قمت.
وفجأة حسيت إن إيدي بتعرق.
مش عارفة ليه.
المفروض إني جاية أعمل مفاجأة لجوزي.
لكن في اللحظة دي، أنا نفسي ماكنتش عارفة إيه اللي مستنيني ورا الباب.
مشيت في الممر.
وقفت قدام باب مكتوب عليه اسم أحمد.
ومسكت المقبض.
أخدت نفس…
وفتحت الباب.
أحمد كان واقف بضهره ليا.
كان بيرتب حاجات قدامه، ومركز جدًا لدرجة إنه ماخدش باله إني دخلت.
ابتسمت للحظة.
كنت خلاص هقوله
مفاجأة!
لكن الكلمة ماطلعتش من بوقي.
لأني بصيت حواليّا.
وفي اللحظة دي…
حسيت إن الأرض اختفت من تحت رجلي.
فضلت واقفة مكاني، مش قادرة أتحرك.
بصيت ناحية اليمين…
وبعدين ناحية الشمال…
وبعدين رجعت أبص على الحاجات الموجودة قدامي.
عقلي كان بيرفض يستوعب اللي شايفاه.
المكان ده ماكانش شبه أي مكان أحمد وصفهولي قبل كده.
وماكانش له أي علاقة بالصورة اللي رسمها في دماغي عن شغله طوال 3 سنين.
ده ماكانش الشغل اللي جوزي قال لي إنه بيعمله.
ولا حتى قريب منه.
والحقيقة كانت أسوأ بكتير مما كنت متخيلة.
أسوأ بكتير.
أحمد حس أخيرًا إن فيه حد واقف وراه.
فلف ناحيتي.
وأول ما عينه وقعت عليا…
وشه كله اتغير.
اللون اختفى من ملامحه.
وعينيه اتفتحت بصدمة.
فضل باصصلي ثانيتين كأنه مش مصدق إني واقفة قدامه.
وبعدين قال بسرعة
إنتِ بتعملي إيه هنا؟!
لكن أنا ماقدرتش أرد عليه فورًا.
كنت ببصله…
وببص للمكان حواليه…
وبعدين أرجع أبصله.
وفجأة بدأت أفهم إن الراجل اللي عشت معاه 3 سنين…
واللي بنام جنبه كل ليلة…
واللي كنت فاكرة إني عارفة عنه كل حاجة مهمة…
يمكن أكون في الحقيقة ماعرفوش أصلًا.
بصيتله وأنا حاسة إن صوتي بالعافية بيطلع.
وقلت
إمتى؟
سكت أحمد.
فقلت وأنا ببص في عينيه
إمتى كنت ناوي تقول لمراتك الحقيقة؟
يتبع…
الجزء الثاني
أحمد فتح بوقه عشان يرد عليا…
لكن ولا كلمة خرجت منه.
وأنا فضلت واقفة مكاني للحظات، قبل ما ألف ببطء وأبص حواليا من جديد.
دلوقتي بس بدأت أشوف تفاصيل المكان بوضوح.
الإضاءة كانت هادية، وعلى الحيطان أرفف مترتبة عليها كريمات ومنتجات طبية غالية، وفيه أجهزة وأدوات قياس دقيقة، وصور لحالات قبل وبعد العلاج متعلقة في أكتر من مكان.
وفي نص الأوضة كان فيه كرسي طبي كبير قابل للإمالة، شبه الكراسي المستخدمة في جلسات العلاج والتجميل.
بصيت لأحمد وقلت
إنت قلتلي إنك بتشتغل في مستشفى.
أحمد مد إيده بسرعة وقفل الباب وراه.
وبعدين بصلي وقال
أنا قلتلك إني بشتغل في مجال الرعاية الطبية.
بصيتله بعدم تصديق.
بس ده مش مستشفى يا أحمد.
حط إيديه الاتنين على وشه ومسحهم بعصبية، كأنه كان بيحاول يرتب الكلام اللي هيقوله.
يا سلمى… أرجوكي، اديني فرصة أشرحلك.
لكن قبل ما يكمل، عيني وقعت على شهادة كبيرة متعلقة في إطار جنب مكتبه.
قربت منها.
وقريت الاسم والتخصص المكتوبين عليها
الدكتور أحمد الشناوي أخصائي التجميل والترميم وإصلاح آثار الإصابات.
وقتها…
كل حاجة بدأت تركب مكانها.
التعليقات
لمحة نيوز
اللي قريتها على الإنترنت.
أحمد غير حياتي.
كنت خايفة، لكنه خلاني أحس إني جميلة من تاني.
جوزي لسه مايعرفش إني روحت له.
فهمت.
الستات كانوا بييجوا لأحمد عشان إصلاح آثار الجروح والندبات، وإجراءات تجميلية، وعلاجات خاصة جدًا بعضهم ماكانوش عايزين أهلهم أو أزواجهم يعرفوا عنها.
المفروض إني أرتاح.
المفروض آخد نفس وأضحك على نفسي وأقول إن كل الشكوك اللي دخلت دماغي كانت غلط.
لكن الغريب…
إني ما ارتحتش.
بالعكس.
إحساس أبرد وأتقل استقر جوا صدري.
لأن سؤال واحد بس كان مسيطر على دماغي.
بصيتله وقلت
طب ليه؟
سكت.
ليه تخبي عني حاجة زي دي؟ إحنا متجوزين بقالنا 3 سنين يا أحمد. إيه المشكلة إنك تقولي تخصصك الحقيقي؟
أحمد ما ردش.
بص ناحية الباب الأول.
وبعدين رجع بصلي.
ولما اتكلم، وطّى صوته جدًا.
لأن ده مش السر اللي كنت خايف إنك تعرفيه.
حسيت معدتي اتقبضت من جديد.
قلت
يعني إيه؟
أحمد فضل ساكت ثواني.
وبعدين اتحرك ناحية دولاب صغير مقفول بالمفتاح في آخر الأوضة.
طلع سلسلة مفاتيح من جيبه.
فتح الدولاب.
وأخرج منه ملف سميك جدًا.
كان واضح إنه ملف قديم، ومليان أوراق وتقارير.
حطه قدامي على المكتب.
وأول ما بصيت على الغلاف…
حسيت الدم اتجمد في عروقي.
لأن المكتوب عليه كان اسمي بالكامل بعد الجواز.
مدام سلمى الشناوي.
رفعت عيني لأحمد ببطء.
إيه ده؟
ما ردش.
حطيت إيدي على الملف، لكن ما فتحتوش.
أحمد… إيه اللي عندك عني؟
بلع ريقه وقال
كنت بتمنى إني أقدر أصلح الموضوع قبل ما تعرفي أصلًا.
سحبت إيدي من فوق الملف كأنه حاجة سخنة.
تصلح إيه؟
أحمد بصلي نظرة عمري ما شفتها في عينيه قبل كده.
كانت خليط بين الخوف والندم.
وبعدين قال
اللي حصل قبل ما نتعرف على بعض.
فضلت باصة له.
قبل ما نتعرف؟ إنت بتتكلم عن إيه؟
سكت لحظة…
وبعدين قال
عن الحادثة يا سلمى.
قلبي وقف للحظة.
لأن فيه حادثة واحدة بس في حياتي ممكن يكون بيتكلم عنها.
حادثة العربية اللي حصلتلي وأنا عندي 22 سنة.
الحادثة اللي فضلت بعدها شهور بتعالج.
واللي سابتلي ندبة صغيرة تحت ضلوعي، وندبة تانية شبه مختفية عند كتفي.
لكن أحمد ماكانش يعرف تفاصيلها.
أو على الأقل…
أنا كنت فاكرة إنه مايعرفش.
بصيت للملف تاني.
وبعدين قلت
إنت جبت الملف ده منين؟
أحمد شد الكرسي وقعد كأنه رجله مبقتش قادرة تشيله.
وقال
اقعدي يا سلمى.
مش هقعد! قولي الملف ده عندك ليه!
رفع عينه ليا وقال
لأن حالتك وصلتلي من سنتين.
اتجمدت.
إيه؟
من سنتين تقريبًا، دكتور زميل ليا بعتلي مجموعة ملفات قديمة لحالات كان محتاج رأيي فيها. حالات إصابات وجراحات ترميمية قديمة. ملفك كان من ضمنهم.
بصيتله بعدم فهم.
بس إحنا وقتها كنا متجوزين.
هز راسه.
أيوه.
وإنت لما شفت اسمي عرفت إن دي أنا؟
مش من الاسم.
فتح الملف.
وقلب صفحتين.
وبعدين وقف عند صورة طبية قديمة.
أنا ماقدرتش أبص عليها أكتر من ثانية.
لكنه قال
عرفت من تاريخ الحادثة… ومن العلامة اللي عند كتفك.
بدأ نفسي يضيق.
وبعدين؟
أحمد سكت.
قلت بصوت أعلى
وبعدين إيه اللي حصل؟!
قال
اكتشفت إن التقرير اللي اتقالك وقتها… مش كامل.
بصيتله.
يعني إيه مش كامل؟
أحمد قام من مكانه وطلع ورقة من الملف.
بعد الحادثة إنتِ عملتي أكتر من عملية.
عارفة.
لأ… مش كلها.
الجملة نزلت عليا كأن حد ضربني.
ضحكت ضحكة قصيرة من شدة التوتر.
أحمد، أنا كنت واعية. صحيح كنت تعبانة، لكن أكيد هعرف أنا دخلت كام عملية.
قال بهدوء
كنتِ في العناية المركزة جزء من الوقت.
سكت.
بدأت ذكريات قديمة جدًا ترجعلي.
ريحة المستشفى.
صوت الأجهزة.
أمي وهي قاعدة جنبي ووشها أصفر من الخوف.
وأبويا كل ما أسأله عن تفاصيل الحادثة يقولي
المهم إن ربنا نجاكي.
بصيت لأحمد.
هما عملولي إيه؟
أحمد ما ردش فورًا.
وده خلاني أخاف أكتر.
قربت منه وقلت
أحمد… هما عملولي إيه وأنا مش واعية؟
قال بسرعة
مفيش حد أذاكي. العملية كانت ضرورية لإنقاذ حياتك.
عملية إيه؟
مدلي الورقة.
لكن إيدي كانت بتترعش لدرجة إني ماقدرتش أمسكها.
فقال
الإصابة الداخلية كانت أكبر مما أهلك قالولك.
يعني؟
حصل نزيف شديد جدًا.
بدأت دموعي تتجمع في عيني.
كمل.
أخد نفس طويل.
والجراح وقتها اضطر يعمل تدخل كبير عشان يوقف النزيف.
قلت
وبعدين؟
بصلي مباشرة.
التقرير بيقول إن الإصابة أثرت على جزء من جهازك التناسلي.
مافهمتش في الأول.
أو يمكن عقلي رفض يفهم.
قلت
يعني إيه؟
أحمد قرب مني.
سلمى…
رجعت خطوة لورا.
ماتقربش. قول.
صوته اتكسر وهو بيقول
فرص الحمل الطبيعي عندك أقل بكتير من الطبيعي.
الأوضة كلها سكتت.
حتى صوت التكييف حسيت إنه اختفى.
فضلت واقفة باصة له.
وبعدين هزيت راسي.
لأ.
سلمى…
لأ. مستحيل.
وبعدين فجأة افتكرت حاجة.
إحنا بقالنا 3 سنين متجوزين.
وفي أول سنة كنا متفقين نأجل الخلفة.
لكن من أكتر من سنة…
بطلنا نأجل.
ومع ذلك، الحمل ماحصلش.
كل مرة كانت الدورة تنزل كنت أزعل شوية، وأحمد يضمني ويقول
لسه بدري…
ماتقلقيش.
رفعت عيني له.
وفجأة الغضب غطى على الخوف كله.
إنت كنت عارف؟
ما ردش.
صرخت
إنت كنت عارف يا أحمد؟!
قال
عرفت من حوالي سنتين.
شهقت من الصدمة.
سنتين؟!
يعني تقريبًا من بداية جوازنا.
وعشت معايا سنتين وإنت عارف وساكت؟!
كنت بحاول أتأكد.
سنتين بتتأكد؟!
الموضوع أعقد من كده.
مسكت الملف ورميته على المكتب.
الأوراق اتبعترت.
وأهلي؟ كانوا عارفين؟
هنا أحمد سكت.
وكان سكوته هو الإجابة.
حسيت إن الدنيا بتلف بيا.
قعدت على الكرسي من غير ما أحس.
ماما وبابا كانوا عارفين؟
قال بصوت هادي
على حسب الملف… والدك وقع بنفسه على الموافقة على العملية.
غطيت بوقي بإيدي.
أنا كنت فاكرة إن جوزي مخبي عني شغله.
لكن فجأة اكتشفت إن جوزي وأهلي شايلين سر عن جسمي أنا.
عن حياتي أنا.
عن مستقبلي أنا.
بصيت لأحمد وقلت
عشان كده اتجوزتني؟
اتصدم.
إيه؟
عرفت حالتي قبل الجواز؟
قال فورًا
لأ! أقسم بالله لأ. أنا عرفتك وحبيتك واتجوزتك قبل ما الملف يوصلني.
طب ليه خبيته؟
سكت لحظة وقال
لأني لما اكتشفت الحقيقة، بدأت أدور على حل.
بصيتله بسخرية وسط دموعي.
حل من ورايا؟
كنت عايز أوفر عليكي الوجع لحد ما أتأكد إن فيه أمل.
وأشار للملف.
عشان كده كنت بقضي ساعات زيادة في العيادة والمستشفى. كنت بتواصل مع جراحين ومراكز متخصصة، وبراجع حالتك مع ناس أثق فيهم من غير ما أكشف هويتك.
بصيت للأوراق المبعثرة.
لأول مرة لاحظت إن بعضها مش قديم.
فيه تقارير بتاريخ قريب.
ومراسلات.
وأسماء أطباء.
وأبحاث مطبوعة.
أحمد قال
وكنت ناوي أقولك.
رفعت رأسي.
إمتى؟
بعد عشر سنين؟
لما يكون عندي حاجة أقولها غير أنا اكتشفت إن أهلك خبوا عنك حقيقة ممكن تغير حياتك.
سكت لحظة.
ثم قال
وكنت مستني مكالمة واحدة.
قبل ما أسأله عن معنى كلامه…
تليفونه رن.
أحمد بص للشاشة.
واتغير وشه.
مد إيده ناحية الموبايل، لكنه وقف قبل ما يرد.
قلت
مين؟
رفع عينه ليا.
الدكتور اللي بعتله ملفك من شهرين.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
وليه بيتصل دلوقتي؟
أحمد رد على المكالمة وحطها على السماعة الخارجية.
صوت راجل جه من الناحية التانية
دكتور أحمد؟
آسف إني اتأخرت عليك، لكن أنا راجعت الفحوصات القديمة والجديدة كلها.
أحمد بصلي.
والراجل كمل
وعندي خبر مهم بخصوص حالة مدام سلمى.
مسكت طرف الكرسي بإيدي.
ثم سمعت الجملة اللي خلتني أنسى للحظة كل غضبي.
التقرير القديم كان فيه استنتاج غلط… فرصتها في الحمل مش زي ما اتكتب وقتها.
أنا وأحمد بصينا لبعض.
لكن الدكتور كمل
وفيه حاجة تانية لقيتها في الملف… حاجة لازم مدام سلمى تعرفها بنفسها.
سألت بسرعة
حاجة إيه؟
سكت الطبيب ثانيتين.
ثم قال
الأفضل تيجوا المستشفى فورًا…
لأن الجزء الناقص من تقرير العملية موجود عندنا.
وقتها أحمد قفل عينه للحظة.
أما أنا فبصيت للملف المبعثر على الأرض…
لأنني
بدأت أفهم إن السر اللي أخفاه جوزي عني…
يمكن ماكانش أخطر سر في الحكاية أصلًا.
الجزء الثالث والأخير
بصيت لأحمد وأنا لسه ماسكة طرف الكرسي بإيدي، وقلبي بيدق بعنف.
جزء ناقص من تقرير العملية؟ يعني إيه؟
الصوت اللي جاي من الموبايل رد بهدوء
مدام سلمى، أنا مقدر إن الكلام غريب ومقلق، لكن الأفضل أشوفك بنفسي. فيه مستندات أصلية لازم تشوفيها، وفيه تفاصيل ماينفعش أشرحها في مكالمة.
بصيت لأحمد.
إنت كنت تعرف موضوع الجزء الناقص ده؟
هز راسه فورًا.
والله العظيم لأ.
فضلت باصة في عينيه ثواني.
لأول مرة من ساعة ما دخلت العيادة، حسيت إن خوفه حقيقي.
مش خوف واحد اتكشف كذبه…
خوف واحد اكتشف إن الحقيقة اللي كان بيدور وراها أكبر منه هو كمان.
قفلت المكالمة وقلت
هنروح المستشفى دلوقتي.
أحمد أخد مفاتيحه من فوق المكتب.
طبعًا.
قلت وأنا بلم شنطتي
بس ماتفتكرش إن اللي حصل بينا خلص.
وقف مكانه.
عارف.
إنت كذبت عليا.
عارف.
وخبيت عني حاجة تخص جسمي وحياتي سنتين كاملين.
نزل عينه للأرض.
وعارف إن مفيش مبرر يمسح ده.
الجملة دي خلتني أسكت.
لأنه لأول مرة ماحاولش يدافع عن نفسه.
خرجنا من العيادة، وركبنا العربية.
وطول الطريق للمستشفى…
ماحدش فينا نطق كلمة.
كنت ببص من الشباك، لكن دماغي كانت في مكان تاني تمامًا.
كل ذكرياتي عن الحادثة بدأت ترجعلي.
كان عندي 22 سنة.
كنت راجعة مع بنت صاحبتي من فرح، وعربية فقدت السيطرة وخبطتنا من الناحية اللي كنت قاعدة فيها.
فاكرة الإسعاف.
فاكرة النور الأبيض فوق رأسي.
فاكرة إني صحيت مرة ولقيت أمي بتعيط.
وبعدين صحيت بعدها بكام يوم وأنا في العناية.
لكن الفترة اللي بينهم…
كانت فاضية.
مجرد سواد.
كل ما كنت أسأل أبويا
حصل إيه؟
كان يقول
نزيف داخلي وعملولك عملية، والحمد لله ربنا كتبلك عمر جديد.
ولما كنت أسأل أمي ليه عندي أكتر من جرح جراحي…
كانت تقول إن الأطباء اضطروا يفتحوا أكتر من مكان عشان يوقفوا النزيف.
وصدقتهم.
دول أهلي.
كان عندي سبب أشك فيهم ليه؟
وصلنا المستشفى.
الدكتور اللي كلم أحمد كان مستنينا في مكتبه.
كان راجل في أواخر الخمسينات، اسمه الدكتور شريف منصور.
أول ما دخلنا، قام وسلم عليا وقال
أنا آسف إنك بتعرفي الكلام بالطريقة دي.
قعدت قدامه.
أنا عايزة الحقيقة كلها.
بص لأحمد.
قلت بسرعة
وهو يقعد. مفيش أسرار تاني.
الدكتور شريف فتح ملف قديم جدًا.
وقال
بعد الحادثة، حصل عندك نزيف حاد في البطن والحوض. الجراحين دخلوا فورًا لأن حياتك كانت في خطر.
الكلام ده عرفته النهارده.
هز راسه.
التقرير المختصر اللي موجود في ملفك ذكر وجود إصابة شديدة في أحد المبيضين، والتصاقات متوقعة بعد الجراحة، ومن هنا اتكتب إن فرص الحمل الطبيعي مستقبلًا ممكن تكون ضعيفة.
قلت
طيب إيه الغلط؟
طلع ورقة تانية.
دي نسخة من التقرير الجراحي الكامل.
مدها ناحيتي.
المبيض المصاب اتعالج، لكنه ما اتشالش.
بصيتله.
يعني إيه؟
يعني التقرير المختصر اتفهم بعد كده بطريقة أسوأ من الحقيقة. الإصابة كانت قوية، لكن مفيش دليل يقول إنك مش هتقدري تخلفي طبيعي.
حسيت إني مش عارفة أفرح ولا أصرخ.
قلت
وأهلي كانوا عارفين؟
الدكتور سكت لحظة.
والدك كان عارف إن الأطباء حافظوا على المبيض.
بصيت لأحمد.
وبعدين رجعت للدكتور.
يبقى ليه خلوني طول السنين دي فاكرة إن العملية كانت مجرد نزيف؟
قال
هنا بقى فيه الجزء التاني.
طلع ظرف أصفر قديم.
كان عليه اسمي وتاريخ الحادثة.
فتح الظرف وطلع ورقة.
أثناء العملية، الجراح لاحظ حاجة ملهاش علاقة مباشرة بالحادث.
قلبي اتقبض.
إيه؟
كان فيه ورم صغير جدًا على المبيض المصاب.
اتجمدت.
ورم؟!
أحمد اتحرك في كرسيه.
حتى هو واضح إنه أول مرة يسمع الكلام.
الدكتور شريف رفع إيده بسرعة.
استني. ماتخافيش من الكلمة. الورم اتشال بالكامل وقت العملية واتعمل له تحليل.
قلت بصوت مرتعش
وكان إيه؟
ابتسم ابتسامة بسيطة.
حميد.
خرج النفس من صدري مرة واحدة.
لكن سؤالي كان واضح
طب ليه محدش قالي؟
الدكتور شريف لف الورقة ناحيتي.
لأن والدك طلب وقتها إنك ماتعرفيش.
فضلت باصة له.
طلب إيه؟
حسب الملاحظة المكتوبة، حالتك النفسية بعد الحادث كانت سيئة جدًا. والدك قال للطبيب إنك فقدتي صاحبتك في نفس الحادث…
نزلت عيني.
دينا.
صاحبتي ماتت في العربية.
وأنا عشت.
ودي كانت حاجة فضلت شهور مش قادرة أتقبلها.
الدكتور كمل
والدك كان خايف كلمة ورم تعمل لك انهيار، خصوصًا إنه كان حميد واتشال بالكامل. الطبيب وافق إنهم يأجلوا إخبارك لحد ما حالتك تستقر.
قلت
يأجلوا؟
ضحكت بمرارة.
أنا عندي 31 سنة دلوقتي! هو التأجيل عندهم كان تسع سنين؟!
محدش رد.
وقفت.
أنا لازم أكلم بابا.
طلعت موبايلي واتصلت بيه.
رد بعد رنتين.
أيوه يا سلمى يا حبيبتي.
قلت
بابا… أنا في المستشفى.
صوته اتغير فورًا.
مستشفى؟! مالك؟ أحمد معاكي؟
قلت
أنا عرفت.
سكت.
سكوته كان كفاية.
عرفت إيه يا بنتي؟
عرفت كل حاجة عن الحادثة.
ثواني طويلة عدت.
وبعدين سمعت صوته واطي
إنتِ فين؟
بعد حوالي نص ساعة…
بابا وماما كانوا داخلين علينا.
أمي أول ما شافتني بدأت تعيط.
وأنا كنت متخيلة إني أول ما أشوفهم هصرخ.
لكن الغريب إني ماصرختش.
سألت سؤال واحد
ليه؟
بابا قعد قدامي.
ولأول مرة في حياتي شوفته عاجز عن الكلام.
قال
كنت خايف عليكي.
تسع سنين؟
في الأول كان كام أسبوع.
ابتسمت بسخرية.
وبعدين؟
مسح وشه بإيده.
بعدين بقيتي أحسن… وكل ما كنا نقول هنفتح معاكي الموضوع، كنا نخاف نرجعك للحالة اللي كنتي فيها.
أمي قالت وهي بتعيط
إنتِ كنتي بتصحي بالليل تصرخي باسم دينا. ماكنتيش بتاكلي. خسيتِ 12 كيلو. الدكتور النفسي قال لنا نبعد عنك أي صدمة جديدة.
قلت
وبعد سنة؟
سكتت.
بعد سنتين؟
مفيش رد.
بعد ما اتجوزت؟!
هنا بابا بص لأحمد.
وأنا لاحظت النظرة.
قلت فورًا
إنت كنت عارف إن أحمد عرف؟
قال
هو كلمني من سنتين.
لفيت ناحية أحمد.
صدمة جديدة.
إنت كلمت بابا؟!
أحمد وقف.
لما الملف وصلني، ماكنتش عارف أواجهك بالحقيقة قبل ما أفهمها كاملة. كلمت والدك أسأله عن اللي حصل.
قلت
وهو طلب منك ماتقوليش؟
أحمد سكت.
بابا قال
أنا اللي طلبت منه.
بصيت لأحمد.
وإنت وافقت.
قال
أيوه.
الكلمة وجعتني أكتر من أي تبرير.
أحمد قرب خطوة.
وده أكبر غلط عملته معاكي.
قلت
فعلًا.
كنت فاكر إني بحميكي.
كلكم كنتوا بتحموني!
صوتي علي لأول مرة.
بابا بيحميني… ماما بتحميني… وإنت بتحميني! طب حد فيكم فكر يسألني أنا عايزة إيه؟!
الأوضة سكتت.
دموعي نزلت وأنا بقول
ده جسمي أنا. مستقبلي أنا. حقي أنا أعرف.
بابا نزل راسه.
وقال
معاكي حق.
ماما عيطت أكتر.
أما أحمد فقال
وأنا مستعد أتحمل نتيجة اللي عملته مهما كانت.
مسحت دموعي.
وقبل ما أرد…
الدكتور شريف قال
فيه حاجة مهمة لسه ماقلتهاش.
كلنا بصينا له.
قال
لما الدكتور أحمد بعتلي تحاليلك وفحوصاتك الحديثة، طلبت مراجعة حالتك من البداية.
بصلي.
وخصوصًا لأنكم بتحاولوا يحصل حمل بقالكم فترة.
اتكسفت للحظة من وجود أهلي، لكن الموضوع كان أكبر من أي إحراج.
قلت
وبعدين؟
قال
مفيش في الفحوصات الحالية سبب واضح يمنع الحمل الطبيعي.
أنا وأحمد بصينا لبعض.
قلت
يعني ممكن أخلف؟
ابتسم.
طبعًا ممكن. ومبدئيًا فرصك أفضل بكتير من اللي التقرير القديم كان بيوحي بيه.
حطيت إيدي على بوقي.
لأول مرة من ساعة ما دخلت عيادة أحمد…
عيطت من الراحة.
لكن الدكتور كمل
ومع ذلك، بما إنكم بتحاولوا بقالكم أكتر من سنة، المفروض نعمل تقييم للزوجين مع بعض، مش نفترض إن السبب عندك بسبب حادثة قديمة.
أحمد هز راسه.
هنعمل كل المطلوب.
بصيتله.
وقلت
لأ.
اتصدم.
سلمى…
قلت
أنا هعمل اللي مطلوب مني. وإنت لو عايز تعمل فحوصاتك، تعملها لنفسك. لكن إحنا عندنا مشكلة أكبر لازم تتحل الأول.
فهم قصدي.
جوازنا نفسه.
رجعنا البيت في
الليلة دي…
لكن أحمد نام في أوضة الضيوف.
مش لأني كنت بكرهه.
ودي كانت المشكلة.
أنا كنت لسه بحبه.
لكن الثقة اللي بينا اتكسرت.
والحب من غير ثقة ممكن يعيش فترة…
لكن مايعرفش يعيش للأبد.
فضلنا أسبوع تقريبًا بنتكلم في أقل الحدود.
وفي اليوم الثامن، رجعت من الشغل لقيت ظرف على السفرة.
افتكرته رسالة من أحمد.
لكن لما فتحته…
لقيت نسخة من عقد ملكية العيادة.
ومعاها ورقة مكتوبة بإيده
العيادة دي كانت السبب إني بدأت أخبي عنك حاجات صغيرة لحد ما لقيت نفسي بخبي أكبر حاجة.
مش هبيعها، ومش هسيب شغلي اللي بحبه.
لكن من النهارده مش هطلب منك تثقي في كلامي.
هخليكي تشوفي حياتي زي ما هي.
ولو بعد ما تعرفي كل حاجة قررتي تمشي…
مش هلومك.
قعدت على الكرسي.
بعد ساعة، أحمد رجع.
لقيته وقف عند باب الصالة لما شاف الورق قدامي.
قلتله
اقعد.
قعد قدامي.
وسألته عن كل حاجة.
عن العيادة.
عن المستشفى.
عن الحالات الطارئة.
عن الفلوس.
عن الساعات اللي كان بيختفي فيها.
عن كل مرة قال فيها إنه في الشغل.
وأحمد جاوب.
من غير ما يتهرب.
طلعلي جدول مواعيده.
عقوده مع المستشفيات.
حتى كشف حساب العيادة.
وفي الآخر قلتله
أنا مش محتاجة أراقبك يا أحمد.
قال
عارف.
ومش عايزة أعيش مع واحد لازم أشوف موبايله عشان أصدقه.
فاهم.
قلت
أنا عايزة جوزي لما أخاف من سؤال… يجاوبني.
سكت.
وبعدين قال
أقدر أتعلم أعمل ده.
قلت
مش هسامحك النهارده.
هز راسه.
مش طالب ده.
ويمكن آخد وقت طويل.
هستنى.
وبالفعل…
أخد وقت.
شهور.
ما رجعناش طبيعيين فجأة زي الأفلام.
لكن بدأنا من جديد.
المرة دي من غير أسرار.
أحمد قلل عدد الحالات اللي بياخدها خارج مواعيد العمل.
خصص يوم كامل في الأسبوع لينا مهما حصل.
وأنا بدأت أروح معاه العيادة أحيانًا.
ولما عرفت شغله فعلًا…
فهمت ليه الستات كانوا بيكتبوا التعليقات دي.
أحمد ماكانش مجرد دكتور تجميل.
جزء كبير من شغله كان إعادة ترميم آثار الحروق والحوادث والعمليات.
ست فقدت جزءًا من ملامحها في حادث.
أم عندها ندبة كبيرة بعد عملية.
بنت صغيرة اتعرضت لحرق وهي طفلة.
ست كبيرة عاشت أربعين سنة مخبية أثر إصابة.
كان بيساعد ناس ترجع تبص لنفسها في المراية من غير ما تفتكر أسوأ يوم في حياتها.
وفهمت ليه بعضهم كانوا بييجوا سرًا.
لكن ده ماخلانيش أبرر كذبه.
هو نفسه بطل يبرره.
وبعد حوالي 6 شهور…
كنا قاعدين قدام الدكتور شريف بعد ما خلصنا كل الفحوصات.
الدكتور كان ماسك النتائج وبيبتسم.
قال
عندي خبرين.
بصينا لبعض.
أحمد قال
خير؟
الدكتور قال
الأول إن تحاليلكم كويسة جدًا، ومفيش سبب طبي واضح يمنع الحمل.
ابتسمت.
لكن قلت
والتاني؟
الدكتور شريف ضحك.
التاني إن التحاليل دي خلاص ملهاش لازمة.
قطبت حواجبي.
ليه؟
مدلي ورقة.
بصيت فيها…
ومفهمتش في الأول.
وبعدين شفت الكلمة.
Positive.
رفعت عيني.
أنا… حامل؟
أحمد قام من الكرسي مرة واحدة.
حامل؟!
الدكتور ضحك.
في الأسابيع الأولى، أيوه.
أنا ماعرفتش أتكلم.
كل اللي قدرت أعمله إني أعيط.
أحمد قرب مني، لكنه وقف قبل ما يلمسني.
وكأنه بيسألني من غير كلام إذا كان مسموح له.
بصيتله ثانيتين…
وبعدين أنا اللي حضنته.
حط وشه على كتفي وسمعته بيعيط لأول مرة من يوم ما عرفته.
بعدها بكام شهر، وأنا قاعدة في عيادته مستنياه يخلص آخر حالة عشان نروح نتعشى…
دخلت موظفة الاستقبال وهي بتضحك.
قالت
على فكرة، فيه تقييم جديد للدكتور أحمد على الموقع.
ضحكت وقلت
ست برضه؟
قالت
طبعًا.
فتحت الموبايل وقريت
كنت مرعوبة، لكن الدكتور أحمد رجعلي ثقتي في نفسي. شكرًا.
بصيت لأحمد وهو خارج من مكتبه.
وقلت
واضح إنك فعلًا تستاهل كل جنيه.
وقف مكانه وبصلي بصدمة.
وبعدين افتكر التعليق القديم اللي كان سبب كل المصيبة.
فضلنا نضحك.
وبعدها قرب وحط إيده على بطني اللي بدأت تكبر.
وقال
أغرب ميعاد اتحجزلي في حياتي كان الميعاد اللي حجزتيه باسمك القديم.
قلت
وأنا أغبى مفاجأة عملتها في حياتي كانت إني قررت أزور جوزي في الشغل.
ابتسم.
ندمانة؟
بصيتله.
وبعدين بصيت على بطني.
وقلت
على الزيارة؟ لأ.
سكت لحظة وكملت
لأن لو ماكنتش فتحت باب العيادة اليوم ده… كان ممكن نفضل متجوزين سنين، وكل واحد فينا فاكر إنه بيحمي التاني وهو في الحقيقة بيبعد عنه.
أحمد مسك إيدي.
قلت
بس فيه حاجة واحدة اتعلمتها.
إيه؟
ابتسمت وقلت
إن السر اللي بنخبيه عن الشخص اللي بنحبه عشان مانوجعوش… ساعات بيكون وجعه لما يكتشفه أكبر ألف مرة من الحقيقة نفسها.
وبعد شهور…
ولدت بنتنا.
وسميناها دينا.
على اسم صاحبتي اللي فقدتها في الحادثة من سنين.
ولما حطوها لأول مرة على صدري، بصيت لأبويا وأمي الواقفين عند الباب، وبعدين لأحمد اللي كان واقف جنبي ودموعه في عينيه.
ماكنتش نسيت اللي حصل.
وماكنتش مقتنعة إنهم كانوا صح لما خبوا عني الحقيقة.
لكنني في النهاية سامحتهم.
مش لأن الكذب بقى مقبول…
ولكن لأني فهمت إنهم أخطأوا من الخوف عليا، وإن الحب نفسه لو ماكانش معاه صراحة واحترام لحق الإنسان في معرفة الحقيقة…
ممكن يتحول لقفص.
أما أحمد…
فمن يومها عمره ما قال لي
مش عايز أتكلم عن الشغل.
بالعكس.
بقى أحيانًا يرجع البيت ويبدأ يحكيلي تفاصيل يومه لدرجة إني أقول له وأنا بضحك
خلاص يا أحمد… أنا ندمت إني طلبت منك تبقى صريح!
فيضحك ويقول
لأ يا حبيبتي… مفيش أسرار تاني.
والغريب إن كل الحكاية بدأت لأني كنت زعلانة إن جوزي مش فاضي يحتفل معايا بذكرى جوازنا…
فقررت أحجز معاه ميعاد عشان أفاجئه.
لكن المفاجأة الحقيقية…
كانت إن الميعاد ده هو اللي أنقذ جوازنا.
تمت.