قفزت من مكاني وزقيت محامي الشركة بقوة، عينيا كانت هتطلع من مكانها وأنا بشوف اسم أشرف متسجل على التنازلات، والشهود اتنين من محامي المباحث اللي كانوا واقفين تحت المعرض! — «تزوير! التنازل ده باطل! ندى ضحكت عليا وعليكم كلكم!» صرخت بصوت هيستيري وأنا بضرب على سطح المكتب الزجاجي لحد ما اتكسر ميت حتة وتحت إيديا الظابط بص لي بجمود، وطلع كلبشات تانية من جيبه:
— «التنازل مخدوم بختم الشهر العقاري وبصمة الحارس القضائي اللي عينه المحكمة على المعارض بناءً على القضية القديمة اللي رفعها والدك من سنة! أنت مضحوك عليك من زمان يا علي بيه.. بس مش من ندى، من أختك وجوزها، وندى كانت بس الوكيل القانوني اللي بيتنفذ من خلاله حكم المحكمة لرد الحقوق لأصحابها!» ـ «أصحابها؟!» صرخت وأنا مذهول، «أنا صاحب الحق! أنا اللي بنيت المعارض دي بدمي!» رد الظابط وهو بيزقني بالراحة ناحية الكرسي:
— «المعارض دي كلها كانت مقتطعة من أموال طائلة مسروقة من أهالي الصعيد ومن حسابات والدك الشخصية قبل ما يجيله الشلل، والأوراق بتقول إن ندى تنازلت عن كل حصتها لإعادة بناء المصحة الحكومية اللي كان أبوك مرمي فيها، وعن إنشاء مؤسسة لرعاية كبار السن المجهولين.. أنت ما بقاش لك حيلة حاجة هنا يا علي.» في اللحظة دي، سمعت صوت حركة برة المكتب.. باب الصالة الخارجية اتفتح ببطء، ودخلت ندى، كانت لابسة عباية كحلي بسيطة جداً، وفي إيدها شنطة أوراق بيضاء. وراها كان فيه كرسي متحرك بيزقه شاب صغير من أهل الحارة..
على الكرسي كان راقد أبويا، الحاج فاروق! كان متغطي ببطانية نضيفة، وشه رايق، وعينيه اللي كانت زمان مكسورة ومملوءة برعب، النهار ده كانت بتلمع بنور غريب وصافي. — «يابا!..» صرخت وأنا بحاول أقرب منه، بس الظابط حط إيده على صدري ومنعني. أبويا رفع إيده المرتعشة ببطء شديد، وشاور لي بصباعه.. مش عشان أقرب ولا عشان يحضنني، شاور لي بـ “لا”.. هز رأسه بأسى ودمعة واحدة نزلت من عينه على خده المجعد.
ندى قربت من الكرسي، وحطت إيدها على كتف أبويا، وبصت لي بنظرة ما كانش فيها أي غل ولا تشفي.. كانت نظرة شفقة، شفقة على راجل ضيع كل حاجة في لحظة غرور. — «أبوك جاي يودع المكان يا علي..» ندى قالتها بصوت هادي يقطع القلب، «جاي يشوف شقى عمره وهو بيرجع للغلاظ والمظلومين اللي اتسرقت فلوسهم عشان المعارض دي تتفتح وتكبر. جاي يشوف النهاية.»
— «ندى.. أرجوكي!» وقعت على ركبتي قدام أبويا ونظام الدم نازل من إيدي المجرورحة، ومسكت في طرف الكرسي المتحرك: «يابا سامحني! أنا ابنك يا علي! أنا اللي اتعميت واستغلتني أختي الخاينة! أرجوك يا حاج، قولهم يسبوني معاكم.. أنا مستعد أشتغل تحت رجليكي يا ندى! ألم معاكم البلاستيك والكرتون بس ما تسيبونيش لوحدي في الضياع ده!» أبويا فتح بؤه بالعافية، وطلع منه صوت مبحوح ومكسور، لكن كلماته كانت أوضح من صوت الرعد في الأوضة: — «ا… الـ… الفلوس… يا… علي… ما… بتعملش… رُجالـة…»
أبويا غمض عينيه وأخد نفس عميق، ودار وجهه الناحية الثانية بعيد عني، كأنه بيقفل الصفحة الأخيرة من حياته معايا. ندى شالت إيدي بالراحة من على الكرسي المتحرك، وبصت في عيني للمرة الأخيرة: — «الـ ٢٠٠ جنيه اللي رميتها لي في البركة يا علي.. أنا ما أخدتهاش لنفسي. أنا اشتريت بيها الدوا اللي مسكن لأبوك وجعه في أول ليلة، والباقي حطيته في صندوق التبرعات بتاع المستشفى باسمك.. عشان يمكن ربنا يخفف عنك الوجع اللي هتعيش فيه بقية حياتك.»
ندى لفت الكرسي المتحرك، وبدأت تزق أبويا لبرة المكتب.. صوت عجل الكرسي وهو بيتكركر على الرخام الفاخر بتاع المعرض كان زي صوت سكاكين بتقطع في قلبي. فضلت باصص عليهم وهم بيبعدوا، والمطر برة الشباك كان نازل بغزارة، كأنه بيغسل المكان من كل التاريخ المليان كدب وزور. الظابط حط إيده على كتفي وقعدني على الأرض: — «اتفضل معانا يا علي بيه على النيابة.. فيه تحقيقات طويلة مستنياك في قضايا التستر والتوقيعات المشبوهة مع أختك وأشرف.»
طلعت من المعرض وكلبش الحديد في إيدي، والناس واقفة في الشارع بتتفرج على “صاحب أكبر معارض موبيليا” وهو مكلبش ومسحوب زي المجرمين. بصيت بعيد.. شفت العربية الصغيرة اللي ندى وأبويا ركبوا فيها وهي بتبعد وتختفي وسط زحمة دمياط والمطرة. قعدت في البوكس الخلفي للشرطة، وسندت رأسي على الحديد البارد.. افتكرت اليوم اللي طلقت فيه ندى، وافتكرت غروري وأنا راكب العربية الفارهة وبشتمها تحت الكوبري. حسيت ببرودة شديدة بتدخل عظمي، وعرفت إن السرقة الحقيقية ما كانتش الملايين ولا المعارض.. السرقة الحقيقية كانت عمري وأصلي وكرامتي اللي ضاعوا مني للابد، وإني بقيت أفقر راجل في الدنيا، حتى المتين جنيه ما بقتش حيلتي.
سحبتني الشرطة من الممر الخلفي للمعرض، والحديد في إيدي بياكل في جلدي، بس الوجع اللي في جسمي كله ما كانش ييجي حاجة جنب السكينة اللي اتغرست في قلبي. أختي مريم كانت مرمية في صالة العرض وهي بتبكي بصوت هستيري، وحوالي أربع أمناء شرطة ماسكين “أشرف” اللي كان بيصرخ وبيحاول يملص منهم بكل قوته، بس رجالة الحاج متولي الصعيدي كانوا واقفين زي السد، بيتابعوا كل خطوة بعيون مليانة تار وشماتة.
في النيابة، قعدت على كرسي خشب مكسور قدام وكيل النائب العام. ساعات طويلة من التحقيق، أوراق بتتقلب، وأختي مريم بترميني بالتهم وأنا برميها، كل واحد فينا بيحاول ينجو بنفسه من غسيل الأموال والتزوير والإهمال الجسيم في حق أبويا.
أثبتت التحقيقات والأوراق اللي ندى قدمتها إن ختمي وتوقيعي استُغلوا في بعض الأوراق بدون علمي، لكن التستر والإهمال والتوقيع على بعض الشيكات لمستوردين وهميين لبّسني قضية “تسهيل استيلاء على أموال عامة وتستر على مجرم هارب”. خرجت بكفالة مالية ضخمة أخدت كل اللي حيلتي في الحسابات البنكية الشخصية.. خرجت بملابسي اللي عليا، من غير عربية فارهة، ومن غير حسابات، ومن غير شركة، وحتى شقتي في القاهرة اتحفظ عليها لحين سداد أموال المتضررين. بعد تلات أسابيع من التخبيط في ممرات المحاكم والنيابات، وقفت في الشارع تحت شمس الجيزة المباشرة. لابس قميص مبهدل وجزمة مشققة، مش حيلتي غير جنيهات قليلة في جيبي.
أول مكان فكرت أروحه كان العزبة العشوائية اللي ورا الرشاح.. المكان اللي شفت فيه ندى وأبويا لأول مرة. مشيت بين البرك والطين، رجلي بتغرز في نفس المكان اللي استحقرت ندى فيه. وصلت للأوضة الصاج.. الباب كان مفتوح، والغرفة فاضية تماماً! مفيش سرير، مفيش كومودينو، ولا حتى حبل الغسيل القديم! سألت ست كبار في السن كانت قاعدة قدام الأوضة بتنقي رز: — «يا حاجة.. فين الست اللي كانت هنا مع الراجل الكبير المشلول؟» الست بصت لي بقرف من فوق لتحت وقالت:
— «أقصدك الست ندى؟ دي ست أصيلة وبألف راجل.. أخدت أبوها الراجل الطيب ونقلوا من هنا من أسبوعين. ناس أولاد حلال من الصعيد جابوا لها شقة صغيرة نضيفة في منطقة هادية وعملوا لها مشروع صغير كشك ومحل منظفات تعيش منه هي وأبوها بالحلال..» — «تعرفي عنوانهم فين يا حاجة؟ أرجوكي!» قلتها وأنا برجف وببوس إيدها.
— «ما أعرفش ولا عايزة أعرف أقولك.. هي حذرتنا كلنا وقالت لو جه راجل لابس نضيف يسأل عليا أو على أبويا، قولوا له إننا مشينا وما تدوهاش عنواننا.. وقالت جملة غريبة كدة: “قولوا له يتفكر المية جنيه والمصحة، وينسى إن كان له أب أو ست ناديفة في حياته”.» نزلت على ركبتي في الطين قدام باب الأوضة الصاج. بكيت زي العيل الصغير اللي ضاع من أمه في المولد. الشارع كله كان بيتفرج عليا، الراجل اللي كان معاه ملايين وراكب أحدث موديل عربية، قاعد في الطين بيترجى خبر عن الست اللي كان بيرمي لها الفلوس من الشباك.
عدت الشهور.. اشتغلت ورنيش جزم في شوارع الجيزة، وبعدها اشتغلت حمال خشبي في ورش صغيرة في أطراف دمياط، عشان أقدر آكل لقمة حلال وما أمدش إيدي لحد. كل يوم بالليل، كنت بقعد على رصيف القهوة، وأطلع الورقة المتين جنيه اللي ندى سابتها لي في النيابة مع المحامي.. ورقة مكمشة ومبتلة بدفء دوا أبويا، كنت ببص لها وأبكي. وفي يوم من أيام الشتا، وأنا شايل لوح خشب ثقيل على ضهري في شارع جانبي بمدينة نصر بالقاهرة، لمحت كشك صغير مكتوب عليه “مكتبة ومستلزمات طبية”.