منوعات

حمايا

عمر اتثبت في مكانه. عينيه راحت لأبوه اللي كان بيبص له بنظرة تحذيرية وتهديد ضمني، وبعدين راحت لمريم اللي كانت واقفة بكل كبرياء وكرامة. جابر هس بحدة بصوت واطي: — اتكلم يا عمر! قول للحقيقة وأنقذ أختك! قبل ما عمر ينطق، الأستاذ فاروق خطى خطوة لقدام، وفتح شنطته، وطلع منها اللاب توب والفلاشة، وحطهم على مكتب الضابط بكل هدوء. — سيادة المقدم… موكلي الحاج جابر بيقدم بلاغ كاذب للتستر على جريمة بشعة هو اللي ارتكبها بنفسه.

قال الأستاذ فاروق بنبرة واثقة خلت الضابط يرفع حاجبيه بالاهتمام. جابر وشه بدأ يتغير، والمحامي بتاعه اتوتر: — كلام فارغ! دي محاولة للهروب من الجريمة! الأستاذ فاروق ما ردش عليه، وبص للضابط: — يا فندم، العصير اللي شربته داليا، أبوها هو اللي أعده بنفسه وكان حاطط فيه المادة المخدرة عشان يقدمه لمريم بعد ما استغل غياب ابنها وجوزها عن البيت، للتعدي عليها غصباً عنها داخل أوضتها. ومعانا تسجيلات بالصوت والصورة بتثبت الواقعة بالكامل، من أول لحظة دخوله الأوضة بالليل، لحد صرخته لما اكتشف إن بنته هي اللي كانت نايمة على السرير وشربت العصير بالغلط!

الضابط مسك الفلاشة، ودخلها في جهاز الكمبيوتر بتاعه، وشغل الفيديوهات والتسجيلات الصوتية. الأوضة كلها سكتت. صوت جابر وهو بيقول: — لو مش هتشربي العصير ده يا مريم، هفكر إنك بتحتقري العيلة… وبعدها صورة جابر وهو بيتسحب في الطرقة في الضلمة يدخل الأوضة، وصوت الصرخة والارتباك المريع لما اكتشف داليا، وبعدها الفيديو وهو بيجري ورا مريم على السلم وبيترجاها تتستر على الفضيحة. لون جابر اتخطف تماماً. وشه بقى أبيض زي الملاية، وإيديه بدأت تترعش برعشة هيستيرية. المحامي بتاعه بص له بصدمة وسكت، وما قدرش ينطق بكلمة واحدة.

الضابط بص لجابر بجمود ونظرة حادة، وبعدين وجه كلامه لعمر: — الصوت ده صوت أبوك يا عمر؟ والشخص اللي في الفيديو ده هو؟ عمر نزل راسه في الأرض، والدموع نزلت من عينيه، وقال بصوت خافت ومكسور: — أيوة يا باشا… ده بابا. جابر صرخ بصوت جنوني وهو بيحاول يقرب من مريم: — كذب! التسجيلات دي مفبركة! هي اللي لفقتلي! أنا مربي أجيال! أنا مدير مدرسة! لكن المفاجأة الكبرى ما كانتش التسجيلات دي بس… الأستاذ فاروق طلعت الأجندة السوداء وأوراق التزوير وحطهم على المكتب وقال للضابط:

— ومش بس كده يا فندم… ده بلاغ رسمي تاني متقدم للنيابة العامة بمستندات رسمية بتثبت تورط المذكور جابر عبدالسلام في قضايا اختلاس وتزوير أموال عامة واستغلال نفوذ أثناء إدارته لمدرسة المستقبل الخاصة. في اللحظة دي، الضابط وقف وداس على الزرار اللي على مكتبه. دخل اتنين من أمناء الشرطة فوراً. الضابط بص لجابر وقال بصوت صارم هز الأوضة: — كلبشوه… واحتجزوه على ذمة التحقيق!

أمناء الشرطة قربوا من جابر، والأغلال الحديدية اتفلقت في إيديه بصوت معدني حاد هز أركان المكتب. جابر كان بيترعش زي الورقة الشجر في العاصفة، وشخصية الهيبة والأخلاق المزيفة انهارت تماماً في لحظة. بص لابنه عمر بنظرة مليانة توسل وذل، وهو بينهج: — عمر! ألحقني يا بني! هتسيبهم يكلبشوا أبوك قدام الناس؟! كلم حد من معارفنا… انقذني! لكن عمر كان واقف محني الظهر، حاطط إيديه على وشه، ومش قادر يرفع عينيه يبص لأبوه ولا لمريم. الضابط وجه كلامه لمريم بتقدير واحترام لثباتها:

— محضرك اتحرر يا مدام مريم. التسجيلات والمستندات أرفقت بالكامل، وفي سيارة مباحاث تحركت فوراً للمستشفى للتحفظ على داليا وسماع أقوالها أول ما تفوق، وتحريات المباحث جارية لحصر المادة المخدرة. المتهم هيتعرض على النيابة العامة الصبح. خرجت مريم من مكتب التحقيق بخطوات واثقة، والأستاذ فاروق جنبها بيقفل شنطته. أول ما خرجوا لصالة القسم، كانت نوال واصلة تجري، وشها ماليها الفزع، ومكياجها متلخبط. أول ما شافت جابر ماشيين بيه الأمناء مكلبش، صرخت بصوت هيستيري هز المكان:

— جابر! جابر عملوا فيك إيه؟! ولفت لمريم زي الوحش المفترس، وكانت هتهجم عليها لولا إن أمناء الشرطة حجزوا بينهُم: — يا عقربة! يا خراب البيوت! عملتي إيه في الراجل؟! دمرتينا ودمرتي اسم العيلة! مريم وقفت بثبات، وبصت لنوال ببرود القـ,ـاتل: — اللي دمر العيلة هو الراجل اللي ماشيين بيه في الكلبشات ده يا نوال هانم… وأنتِ اللي دمرتي نفسك لما اخترتي تداري على قذارته وتلوميني أنا. الحقيقة خرجت للنور، واللي جاي أصعب بكتير من اللي شفتيه النهاردة.

نوال بدأت تبكي وتلطم على وشها وهي بتشوف جوزها بيتساق لغرفة الاحتجاز، وانهارت على الأرض مش قادرة تقف. في الوقت ده، خرج عمر من مكتب الضابط، يمشي بخطوات تقيلة كأنه شايل جبل على ضهره. قرب من مريم، وعينيه مليانة دموع وانكسار: — مريم… أنا عارف إن مالياش عين أطلب منك حاجة. أنا كنت أعمى ومقصر، وما صدقتكيش لما كان المفروض أكون سندك ورجلك… أنا ضيعتك من إيدي وضيعت نفسي. مريم بصت لعمر بنظرة خالية من أي كره أو عاطفة، مجرد شفقة على راجل عاش حياته كدبة:

— أنت ما ضيعتنيش يا عمر… أنت كشفتلي نفسك. السكوت على الحق جريمة، وأنت اخترت تكون شريك في الجريمة بسكوتك. أنا مش زعلانة منك، أنا بس متأسفة على السنتين اللي ضيعتهم في بيتكم. طلعت مريم من شنطتها دبلة الجواز، ومسكت إيد عمر، وحطت الدبلة في كفه، وقفت أصابعها عليها: — ورق طلاقي يوصلني عن طريق الأستاذ فاروق… الليلة دي كل حاجة انتهت بيني وبين عيلة عبدالسلام. سابت مريم عمر واقف في وسط صالة القسم، ماسك الدبلة وبيعيط بصوت مكتوم، ونوال جنبه ملقاة على الأرض بتصرخ، وجابر ورا القضبان بينتظر مصيره المحتوم.

خرجت مريم للشارع، المطر كان بدأ يهدى، وضوء النهار بدأ يتسلل ورا السحاب. أخدت نفس عميق لأول مرة من سنتين، تحس إن الهوا نظيف وخالي من ريحة الخوف. الأستاذ فاروق قالها وهو بيفتح باب العربيّة: — بكرة الصبح أول جلسة تحقيق في النيابة يا مريم… وجابر مش هيخرج منها. مستعدة للجولة الأخيرة؟ مريم بصت للسما ابتسمت ابتسامة هادية وقالت: — أنا مستنية اللحظة دي من زمان يا أستاذ فاروق… واللي بدأ اللعبة، لازم يتحمل نهايتها.

في صباح اليوم التالي، كانت قاعة النيابة العامة بتشهد الفصل الأخير من الرواية. الشمس أشرقت كاملة، والهدوء خيم على الممرات بعد ليلة طويلة من التحريات. جلس وكيل النائب العام خلف مكتبه، وأمامه ملف القضية المتخم بالتقارير والأدلة. دخل جابر مسحوبًا بالكلبشات، وشه شاحب، وعينيه غايرتان، وجسمه انكمش وكأنه صغر عشر سنين في ليلة واحدة. وراءه دخلت نوال وبدأت تتوسل بحسرة عند الباب، بينما كان عمر يقف في زاوية القاعة ينظر للأرض بجسد بلا روح، وكأنه خيال رجل.

وعلى الجانب الآخر، كانت مريم تجلس بجوار الأستاذ فاروق، ثباتها وصمودها يرسمان خطوط النهاية. بدأ وكيل النائب العام بطلب تقرير الطب الشرعي وتحاليل العينات التي أُخذت من داليا بعدما أفاقت في المستشفى واعترفت في أقوالها الرسمية بأنها شربت العصير من كوب كان موجهاً لمريم، معربة عن صدمتها الذهولية في والدها. جلس وكيل النائب العام يستعرض الفيديوهات بدقة، ثم يطابقها مع المستندات والأجندة السوداء التي أثبتت تحريات الأموال العامة صحتها تمامًا وجرائم الاختلاس والرشوة والتزوير التي ارتكبها جابر لسنوات.

رفع وكيل النائب العام رأسه، وبصوت حاسم هز جدران الأوضة، وجه الحديث لجابر: — بناءً على ما جاء بتقارير الطب الشرعي، والتسجيلات الموثقة، ومحاضر التفريغ، وأقوال المجني عليها داليا جابر عبدالسلام، والمستندات الرسمية الصادرة من جهات التحقيق… أمرنا بنقل المتهم جابر عبدالسلام إلى السجن المركزي، وحبسه أربعة عشر يومًا على ذمة التحقيق، مع مراعاة توجيه تهم الشروع في الاعتداء، وتسهيل تعاطي مواد مخدرة، والبلاغ الكاذب، بالإضافة إلى تحويل ملف الاختلاس والأموال العامة للنيابة الاستئنافية.

في تلك اللحظة، صرخت نوال وانهارت ساجدة على الأرض تبكي بحسرة، بينما لم ينطق جابر بحرف واحد؛ سقطت كل أقنعته، وقُمِع كبرياؤه، وسحبه حراس السجن وهو يتعثر في خطواته ونظراته معلقة في الفراغ. التفت عمر نحو مريم، وخطا خطوات بطيئة نحوها، ثم استخرج ورقة رسمية من جيبه وسلمها للأستاذ فاروق بكل خضوع واستسلام. كانت وثيقة الطلاق. نظر لمريم بنبرة انكسار أخير: — حقك عليا يا مريم… أنتِ كنتِ صح، وأنا دفعت تمن عمايا وسكوتي. البيت اتهد، وأبويا بقى في السجن، وأمي وداليا اتدمروا… وأنا خسرت الوحيدة اللي كانت بتصونني.

مريم لم تجبه بكلام، أخذت ورقة طلاقها، وحطتها في شنطتها بهدوء. بصت له للمرة الأخيرة، ثم دارت ظهرها للجميع ومشت بخطوات ثابته وواثقة نحو بوابة المحكمة. خرجت مريم إلى الشارع، كانت السماء صافية، ونشاط الحياة يعود لشوارع القاهرة. أخذت نفسًا عميقًا وملأت رئتيها بالهواء النقي، شاعرة ولأول مرة منذ سنتين بالحرية والكرامة والانتصار. لقد أغلقت الصفحة للأبد، وفتحت بابًا جديدًا لحياة لن تسمح فيها لأحد بأن يكسرها أو يطمس حقيقتها بعد اليوم.د اليوم.

انت في الصفحة 4 من 4 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى