منوعات

حمايا

اسم “بابا” كان ينور على الشاشة. عمر بص للتليفون برعب، وكأنه ماسك جمرة نار. مريم شاورت له يسحب السبيكر ويفتح الخط. عمر فتح الخط وإيده بتترعش: — أيوة يا بابا… جاء صوت جابر من الناحية التانية، بس المرة دي ما كانش فيه صوت الراجل الهادي الوقور، كان صوت تعبان، مرعوب، وبيحاول يمثل الضعف:

— عمر… يا بني أنت فين؟ المستشفى بتقول إن المادة اللي في دم داليا مادة مخدرة جراحية شديدة… الشرطة هتبدأ تحقق! إنت لازم تضغط على مريم ترجع… هي اللي عملت كده في أختك! هي اللي بدلت الكوبايات! قول للنيابة إن مريم كانت مضطربة نفسياً… يا بني أنقذ العيلة والمستقبل! عمر غمض عينيه بألم، وصرخ في التليفون بصوت هز المكتب كله: — كفاية بقى! كفاية كذب وحقارة! أنا شفت الفيديو! شفتك وأنت داخل عليها الأوضة بالليل وشفتك وأنت بتترجاها تتستر عليك! أنت دمرت داليا ودمرتني ودمرت اسمنا!

السكوت ساد الناحية التانية من الخط لثواني… وبعدها صوت جابر اتغير تماماً. التحول كان مرعب. النبرة الباكية اختفت وحل محلها صوت فحيح زي الأفاعي: — بقى كده يا عمر؟ بتصدق الحرمة على أبوك؟ ماشي… لو الفيديو ده خرج للعلن، أنا مش هقع لوحدي. أنا هجر العيلة كلها معايا للقاوع، وإنت أول واحد شغلك وسمعتك هيروحوا في داهية. الخط اتقفل. عمر بص لمريم والأستاذ فاروق وهو مشوش ومش قادر يستوعب إن ده نفس الشخص اللي رباهم.

الأستاذ فاروق قفل اللاب توب وقال بهدوء: — جابر عبدالسلام أدرك إن الكارت الأخير طار من إيده، ودلوقتي هيتحول لوحش جريح. هو معاهم علاقات ونفوذ، وهيحاول يستغل حالة داليا في المستشفى عشان يلفق التهمة لمريم على إنها هي اللي حطت السم في العصير بدافع الغيرة أو الانتقام. مريم ابتسمت ابتسامة خفيفة، وقربت من المحامي وقالت: — يبقى هو لسه ما يعرفش أنا شلت إيه تاني في الشنطة دي يا أستاذ فاروق… أنا ما خرجتش من البيت ده بإيدي فاضية.

— لو مش هتشربي العصير ده يا مريم، هفكر إنك بتحتقري العيلة… وهنا قلة الأدب ليها تمن غالي
الأستاذ فاروق بص لمريم باهتمام، وعمر رفع راسه بسرعة وعينيه مليانة تساؤلات وخوف من اللي جاي. مريم فتحت الشنطة الجلد الصغيرة اللي كانت شايلاها، وطلعت منها فلاشة سوداء صغيرة، ومعاها أجندة قديمة جلدها متآكل، ومجموعة من الأوراق المتنية بعناية. وضعت الحاجات دي على المكتب بهدوء، وقالت بصوت ثابت:

— الحاج جابر عبدالسلام ما كانش بس مدير مدرسة سابقة بيتعامل بالأخلاق والقيم المزيّفة… الراجل ده كان يد في شبكة تسريب امتحانات وتسهيل اختلاسات في الجمعية الخاصة التابعة للمدرسة لسنين. الأجندة دي كانت مخفية جوة القاصة الصغار اللي في دولاب الملايات… القاصة اللي هو فاكر إن محدش يعرف رمزها غيره. والأوراق دي فيها تحويلات مالية بأسماء وهمية، وأختام مدرسية رسمية ملهاش وجود. عمر اتصدم، لسانه اتعقد وهو بيبص للأوراق: — إنتِ… إنتِ جبتي الحاجات دي إمتى وكيف؟!

— جبتها في العشرين دقيقة اللي كان هو فاكر إني مستنياه يجيلي فيهم. ردت مريم بنبرة حاسمة: — السنتين اللي عشتهم في البيت ده ما كانوش مجرد صبر على الإهانة والتحـ,ـرش السام… كان تسجيل لكل تفصيلة. لما كنت بقعد في الصالة وأشوفه بيكلم ناس بلهجة غريبة ويقفل الدولاب بالمفتاح مرتين، عرفت إن البيت ده مبني على كوم تراب. أنا مكنتش ناواية أستغل الحاجات دي إلا لو فكر يمس شعرة مني… وفي الليلة دي، هو فتح على نفسه باب جهنم.

الأستاذ فاروق مسك الأجندة، وبدأ يقلب صفحاتها بعناية، وعينيه بتتسع من حجم المفاجأة. — دي مش مجرد وثائق عادية يا مريم… دي أدلة دامغة على قضايا أموال عامة وتزوير. جابر لو حاول يلعب بلعبة التلفيق في النيابة أو يستغل علاقاته، الورق ده كفيل إنه يخليه يتمنى لو الأرض تنشق وتبلعه قبل ما يدخل المحكمة. في الوقت ده، تليفون مريم رن. الرقم كان غريب، بس أول ما فتحت وقالت “ألو”، جاءها صوت حماتها نوال. الصوت ما كانش الصوت الهادي اللي بيوزع النصايح عن الأخلاق واللبس، كان صوت امرأة منهارة، بتصرخ وبتتكلم بحشرجة ومزيج من الغل والرعب:

— يا فاجرة! يا اللي ما بتخافيش ربنا! عملتي إيه في بتي؟! داليا بين الحياة والمـ,ـوت في العناية، والشرطة في المستشفى سألونا عن العصير اللي شربته! جابر حكالي على كل حاجة… فاكرة إن الفيديوهات اللي معاكي هتحميكي؟! جابر نزل دلوقتي يعمل فيكي محضر اتهمك فيه رسمي بإنك حطيتي مادة سامة في العصير لإبنتي عشان بتغيري منها ومشاكلك معاها ملهاش آخر! مريم ما اتهزتش، ونظراتها كانت أصلب من الفولاذ:

— جابر حكالِك كل حاجة يا نوال هانم؟ حكالِك وهو داخل عليّ الأوضة بالليل والباب مقفول؟ ولا حكالِك عن المادة اللي هو شاريها بإيده عشان يغيبني عن الوعي؟ ولا نسيتي تقولي له إن داليا هي اللي أخدت الكوباية وشربتها من غير ما حد يجبرها؟! نوال سكتت لحظة، ونفسها العالي كان مسموع، لكنها كملت بشرور: — محدش هيصدقك! الكلمة كلمتنا، والبيت بيتنا، وعمر ابني هيقف مع أبوه! مش هنسيبك تتنفسي يا مريم! مريم مسكت الموبايل وقربته من بقها وقالت بنبرة قطعت كل خطوط الراجعة:

— عمر واقف جنبي دلوقتي… وسمع تسجيلات جوزك الحبيب وهو بيترجاني أستر عليه. وغير كده يا نوال هانم… قولي لجابر إن الأجندة السوداء ورسائل تحويلات مدرسة “المستقبل” بقت في إيد المحامي بتاعي. لو المحضر بتاعكم لاتسحبش خلال ساعة، البلاغ اللي هيتقدم للنيابة العامة مش هيكون بس عن الشروع في الاعتداء والتسميم… ده هيكون عن التزوير والكسب غير المشروع اللي هيطير فيها رقاب ناس كبار. الخط اتقفل من ناحية نوال فوراً. عمر مسك إيد مريم وهو بيترجاها، ودموعه بدأت تنزل:

— مريم… عشان خاطري، بلاش ندمر كل حاجة بالشكل ده… بابا غلط، غلط غلطة عمره وأنا مش هدافع عنه، بس نوال وداليا مالهمش ذنب! لو القضايا دي اتفتحت، العيلة كلها هتتدمر، وأنا شغلي هيقف، وسمعتنا هتسف التراب! مريم سحبت إيدها منه بقوة ووقفت: — ذنبهم إنهم كانوا عارفين ومغطين عليه! ذنبهم إنهم كانوا بيخلوني أنا المذنبة وأنت بتفرج! أنت دلوقتي قدام خيارين يا عمر… يا تقف مع الحق وتضمن إن أبوه يتجازى على اللي عمله، يا تختار عيلتك وساعتها هتدفع التمن معاهم في نفس المركب اللي بتغرق.

قبل ما عمر يرد، تليفون الأستاذ فاروق رن. المحامي رد، ومع كل ثانية كانت ملامح وشه بتتغير وتزداد جدية. قفل الخط وبص لمريم وعمر وقال بصوت واطي: — جابر عبدالسلام وصل قسم الشرطة… ومعه محامي كبير، ورسميًا حرر محضر ضد مريم بتهمة الشروع في قتـ,ـل بنته داليا. السكون ساد مكتب المحامي لثواني معدودة، كأن الوقت اتوقف تماماً بعد الجملة اللي قالها الأستاذ فاروق. عمر بص للمحامي وهو مش مصدق، وإيديه بتترعش: — بابا عملها فعلاً؟! رفع محضر ضد مريم بتهمة الشروع في القـ,ـتل؟!

الأستاذ فاروق قام وقف ولقط روب المحاماة بتاعه المتربي على الكرسي، وبص لعمر بنظرة صارمة: — أبوك اختار يضـ,ـرب الضـ,ـرب القاضية الأولى، وهو فاكر إن مريم حيطة مايلة وهتخاف من الشبهة والفضيحة وتهرب. بس هو ما يعرفش إننا مجهزين له المشنقة اللي حفرها بإيده. مريم ما أظهرتش أي علامة رعب. بالعكس، ووشها كان فيه ثبات عجيب خلى عمر ينكمش في مكانه. بصت للمحامي وقالت: — هننزل القسم دلوقتي يا أستاذ فاروق؟ — فوراً يا مريم.

رد الأستاذ فاروق وهو بيلم الأوراق والأجندة والفلاشة وبيحطهم جوة شنطته الجلدية العريضة. — المحضر اللي عمله جابر ده هيكون هو الحفرة اللي هيقع فيها. الشروع في القتـ,ـل اتهام مباشر، والشرطة لازم تعاين المكان وتسمع أقوال المجني عليها، والأهم من ده كله… تقرير الطب الشرعي وتحليل العينة اللي في دم داليا. عمر جري وراهم وهو بيترجاهم في الطرقة: — مريم! أرجوكي تفهمي… لو دخلتي القسم وعملتي البلاغ المضاد، الطريق ده ملوش رجعة! بابا لو اتحبس مش هيخرج، ونوال مش هتسكت، والعيلة هتتدمر!

لفت له مريم وهي على باب الأسانسير، وبصت له بعينين خالية تماماً من أي عاطفة قديمة: — الطريق ده أبوك هو اللي اختاره من اللحظة اللي حط لي فيها المسحوق في الكوباية وجالي لحد باب أوضتي يا عمر. وأنت اخترته لما فضلت ساكت وبتبرر له لسنتين. لو خايف على نفسك وعلى اسمك… ارجع خطوة لورا، لأن اللي جاي مش هيرحم حد. نزلو القسم في التجمع الخامس.

المكان كان زحمة، وريحة السجاير والورق المكبوس مالية الصالة. أول ما دخلوا من الباب الرئيسي، مريم شافت جابر عبدالسلام قاعد على كرسي في الزاوية، جنبه محامي هيئته غالية ولابس بدلة كحلي، ومسئول كبير كان بيسلم عليه ويكلمه باهتمام. جابر كان لابس قميص مكوي وبنطلون قماش، محاول بجهد يظهر بمظهر المظلوم المتأثر، الأب المكسور اللي مراته وبنته في خطر بسبب كنة جاحدة. أول ما عيني جابر وقعت على مريم وهي داخلة مع الأستاذ فاروق وعمر ماشي وراهم وشه في الأرض، ابتسامة خبيثة ومستفزة لمحت على شفايفه لثانية واحدة قبل ما يرجع يمثل الحزن.

المحامي بتاعه وقف وقرب من ضابط المباحث وقال بصوت عالي ليسمع الكل: — يا فندم، المتهمة مريم هي اللي دخلت القسم برجليها أهو! نطالب بالقبض عليها فوراً للتحقيق معاها في شروعها في قتـ,ـل موكلتي داليا جابر عبدالسلام! ضابط المباحث بص لمريم والمجموعات اللي معاها، وقال بنبرة جادة: — اتفضلوا كلكم جوة في مكتب النيابة والمباحث. دخلوا المكتب. الأوضة كانت ضيقة، وفيها مكتب خشب عريض وراه ضابط برتبة مقدم. جابر بدأ يتكلم بسرعة وبنبرة فيها تمثيل متقن، ودموع مصطنعة في عينيه:

— يا باشا، البنت دي من يوم ما دخلت بيتنا وهي بتعمل مشاكل! إمبارح بالليل كانت بتتخانق مع داليا بنتي، واستغلت إن البيت فاضي، وحطت لها سم أو مادة مخدرة في العصير عشان تنتقم منها! بنتي دلوقتي في العناية المركزة ومش بتتحرك، وجوزها عمر اهو يشهد على مشاكلهم! الضابط بص لعمر وقال له: — الكلام ده مظبوط يا عمر؟ أنت شفت حاجة بنفسك؟

انت في الصفحة 3 من 4 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى