حسيت إن نفسي انقطع. “مين؟” الدكتور هز راسه. “رفضت تقول.” قلبت صفحات الملف بسرعة. وفجأة لقيت ورقة عليها نفس العلامة اللي رسمتها أمي على إيدي. دايرة. وفي وسطها خطين. وتحتها اسم واحد. محمود. صرخت: “ده اسم خالي!” الدكتور قال بهدوء: “أيوه.” رجعت خطوة. “بس خالي مـ,ـات من سبع سنين.” قال: “أنا عارف.” “طب ليه أمي كانت خايفة منه؟” الدكتور سكت. وبعدين قال: “لأن قبل وفـ,ـاته بشهر، زار والدتك هنا.” اتجمدت. “إنت بتقول إيه؟!” قال: “دخل عندها لوحده.”
“وبعد الزيارة دي، حالتها ساءت جدًا.” “ولما حاولت أسألها حصلت لها نوبة خوف.” سألته: “قال لها إيه؟” قال: “ما عرفتش.” لكن في نفس اللحظة، افتكر كلام مايا. خالي كان في البيت ليلة الحادثة. خرجت من مكتب الدكتور وأنا ماسكة الملف. روحت لمايا فورًا. لقيتها مستنياني. أول ما شافت وشي قالت: “عرفتي؟” قلت: “خالي.” دموعها نزلت. قالت: “كنت عارفة إن اليوم ده هييجي.” قلت: “إنتِ شوفتيه؟” هزت راسها. “أيوه.” “كان في أوضتك؟” “كان واقف عند الباب.”
“وأبويا؟” قالت: “أبوكي دخل بعدها بثواني.” “ولما شافه… حصلت خناقة.” بدأت أرتجف. “يعني أمي شافت الخناقة؟” “أيوه.” “وبعدين؟” مايا بصتلي وقالت: “خالي وقع على الأرض.” “وأبوكي جري عليكي وعلى ماما.” سألتها: “طب ليه ماما قالت إن أبويا هو اللي اعتدى عليكي؟” مايا سكتت. وبعدين قالت: “لأن خالك هو اللي قال لها تقول كده.” شهقت. “إزاي؟” قالت: “هددها.” “قال لها لو ما اتهمتش أبوكي، هيأذيني.” حسيت إن الدنيا اسودت قدامي. لكن كان فيه سؤال واحد لسه بيطاردني:
ليه خالي كان عايز يدمّر أبويا؟ مايا فتحت درج صغير في مكتبها. طلعت ظرف قديم. وقالت: “أبويا كان عارف إن خالي بيزوّر أوراق ويختلس فلوس من الشركة.” “وليلة الحادثة، أبويا كان ناوي يواجهه.” فتحت الظرف. كان جواه صور ومستندات وتحويلات مالية. وفي آخر ورقة كان مكتوب: “لو حصل لي أي حاجة… سلموا المستندات دي للشرطة.” بصيت لمايا. قالت: “أبويا خبّى المستندات.” “وخالي لما عرف، حاول يقـ,ـتله.” سألتها: “بس هو مـ,ـات بعدها بسبع سنين!” قالت: “مش بسبب أبويا.”
“خالي مـ,ـات في حادثة عربية… لكن قبل ما يمـ,ـوت، كان سايب تسجيل.” “تسجيل؟!” هزت راسها. “أيوه.” طلعت فلاشة صغيرة. وقالت: “أبويا كان محتفظ بيها.” ركبت الفلاشة على اللابتوب. اشتغل تسجيل صوتي قديم. وصوت خالي طلع واضح: “لو التسجيل ده وصل لنسمة أو مايا… يبقى أنا خلاص مش هقدر أهرب أكتر.” سكت لحظة. ثم قال: “أختي ما كانتش مجنونة.” أنا حطيت إيدي على بوقي. كمل: “وأخويا ما اعتداش على بنته.” ثم قال الجملة اللي خلتني أنهار:
“أنا اللي دخلت أوضتها الليلة دي.” مايا بدأت تبكي بجانبي. أما أنا، فكنت عاجزة حتى عن التنفس. لكن التسجيل ما انتهيش. قال خالي: “واللي حصل في الليلة دي… أخطر بكتير من اللي الناس فاكرينه.” ثم جاء صوت طرق على الباب في التسجيل. وخالي قال: “لو سمعتوا صوت الباب… متفتحوش.” وفجأة… انقطع التسجيل. وفي نفس اللحظة، سمعنا صوت طرق حقيقي على باب بيت مايا. ثلاث خبطات. ثم صوت رجل من الخارج: “نسمة… افتحي.” بصيت لمايا. وشها كان أبيض.
همست: “ده مستحيل.” قلت: “مين؟” ردت وهي ترتجف: “الصوت ده…” ثم قالت: “صوت أبويا.” لكن أبويا… كان المفروض يكون في البيت. ولما بصيت على الساعة، اكتشفت إن آخر مكالمة جتلي منه كانت من خمس دقايق بس. وكان بيقول لي: “نسمة… مهما حصل، متروحيش بيت خالك.” وفي اللحظة دي… اتفتح مقبض الباب ببطء. النهاية مقبض الباب اتحرك ببطء، وأنا ومايا واقفين مكاننا كأن رجلينا اتثبتت في الأرض. بعدين سمعنا صوت أبويا تاني:
“نسمة… افتحي يا بنتي.”
قربت من الباب، لكن ما فتحتش. اتصلت بأبويا. رن الموبايل قدامي. وبعد ثواني، سمعت صوته الحقيقي من الهاتف: “نسمة! إنتِ فين؟” صرخت: “بابا… إنت مش عندنا؟!” قال: “لا! أنا في البيت!” بصيت لمايا. فهمنا في نفس اللحظة إن الشخص اللي بره مش أبويا. اتصلنا بالشرطة. وبعد دقائق، الباب اتكسر، لكن الراجل كان هرب من الشباك الخلفي. ترك وراه ظرفًا صغيرًا. فتحناه. كان جواه صورة قديمة لخالي، ومعاه رجل غريب. وتحت الصورة مكتوب: “لو عايزين تعرفوا مين كان بيحرّك محمود… دوروا على الشخص اللي دفع له فلوس.”
التحقيقات بدأت من جديد. وبعد أيام، اكتشفنا إن خالي كان جزءًا من شبكة كبيرة لاختلاس أموال من شركة أبويا، وإنه كان بيحاول يوقع أبويا ويحمّله كل التهم. وفي ليلة الحادثة، أبويا اكتشف الحقيقة وواجهه. الخناقة حصلت بالفعل. لكن أمي دخلت عليهم في لحظة كان فيها خالي لابس جاكت أبويا اللي كان أخده منه قبلها. ومن الصدمة والظلام، اعتقدت إنه أبويا. خالي استغل خوفها وهددها بمايا. أما أمي، فاختارت إنها تتهم جوزها وتدخل مستشفى الأمراض العقلية بدل ما يحصل لمايا أي أذى.
والأصعب… إنها فضلت ساكتة 15 سنة. مش لأنها فقدت عقلها. لكن لأنها كانت بتحاول تحمي بنتها. أما أبويا، فكان عارف إن أمي لم تكن تقصد تدميره، فرفض يفضحها أو ينتقم منها. فضل يزورها من بعيد، ويدفع مصاريف علاجها، ويقول للأطباء: “هي أم بناتي… وأنا مش هسيبها.” بعد ظهور الحقيقة، خرجت أمي من المستشفى. اليوم اللي خرجت فيه، وقفت على باب المستشفى، وأنا ومايا وأبويا مستنيينها. أول ما شافت أبويا، وقفت مكانها. سكتت ثواني. وبعدين جريت عليه.
حضنته وهي بتبكي: “سامحني.” أبويا حضنها وقال: “أنا مستني اليوم ده من 15 سنة.” أما أنا، فوقفت قدام أمي ومديت لها إيدي. نظرت للعلامة اللي رسمتها لي. ابتسمت وسط دموعها وقالت: “كنت عارفة إنك هتفهمي.” قلت لها: “ليه العلامة دي؟” قالت: “عشان لو قلت لك الحقيقة بصوت عالي، كنت خايفة حد يسمعنا.” ثم ضحكت لأول مرة منذ سنوات وقالت: “بس كنت متأكدة إن بنتي الكبيرة هتعرف تقرا الرسالة.” وفي يوم فرحي، كانت أمي واقفة جنبي.
لابسة فستان بسيط، وشعرها الأبيض مرفوع، وعينيها مليانة دموع. لما مسكت إيدي وقالت: “كنت خايفة أمـ,ـوت قبل ما أشوف اليوم ده.” حضنتها وقلت: “إنتِ رجعتيلي يا ماما… وده أحلى من الفرح نفسه.” أما مايا، فكانت واقفة جنبنا وهي بتضحك. وأبويا كان بعيد شوية، بيبص علينا والدموع في عينيه. بعد 15 سنة من الظلم والخوف والسكوت… رجعت عيلتنا تتجمع تاني. وعرفت أخيرًا إن أحيانًا، الشخص اللي الناس كلها بتفتكره “مجنون”… بيكون هو الوحيد اللي شايل الحقيقة كاملة.
وإن أمي لم تكن مجنونة. كانت أمًا اختارت أن تُدفـ,ـن الحقيقة داخلها… حتى لا تُدفـ,ـن ابنتها معها. تمت.