نفس الإجابة.
ونفس التهرب.
وده زود قلقها أكتر.
…
الساعة كانت قرب اتنين بعد نص الليل.
المستشفى هادية بشكل يخوف.
نهى فتحت عينيها على صوت خاڤت برا الأوضة.
الباب كان موارب سنة بسيطة.
في الأول افتكرت إنها ممرضة بتتكلم مع حد.
كانت لسه هتضغط على زرار استدعاء التمريض…
لكن فجأة…
سمعت صوت تعرفه كويس.
صوت حماتها.
هي شاكّة في حاجة؟
إيد نهى تجمدت فوق الزر.
ثم جه رد كريم.
هادي.
بارد.
ومن غير أي توتر.
لأ.
صدقت كل كلمة قولناهالها.
في اللحظة دي…
قلب نهى بدأ يدق پعنف.
لدرجة إنها حست إن صوت دقاته ممكن يفضح إنها صاحية.
ثبتت نفسها مكانها.
وقربت وشها من ناحية الباب من غير ما تعمل أي حركة.
حماتها همست بصوت قلق
بس لازم نخلص الموضوع بسرعة… قبل ما تطلب تشوف التحاليل.
كريم رد بثقة غريبة
مستحيل.
لأن مفيش تحاليل أصلًا.
نهى شهقت من جواها…
لكن كتمت نفسها في آخر لحظة.
حماتها قالت وهي متوترة
ولو عرفت إن اللي اتشال…
قاطعها كريم بسرعة
اسكتي…
مش هنا.
سكتوا لحظة.
ثم قال بصوت أخفض
المهم إن عملية نقل الكلية نجحت.
نهى حست إن الډم اتسحب من وشها كله.
عملية…
نقل كلية؟
هي قالولها إن كليتها كانت تالفة.
يبقى…
كلية مين اللي اتنقلت؟
وفي اللحظة دي…
سمعت حماتها تقول الجملة اللي قلبت حياتها كلها
الحمد لله إن كلية نهى طلعت مطابقة لبنت أختك… وإلا كانت ھتمـ,ـوت.
حماتها أخدت نفس طويل، وقالت بنبرة كلها ارتياح
أهم حاجة إن صوفيا هتعيش دلوقتي.
من غير عملية الزراعة دي… ما كانتش هتكمل لحد ما يجي لها متبرع.
كريم زفر براحة، كأنه خلص من حمل كان فوق كتفه.
وقال بهدوء…
إحنا عملنا الصح.
نهى عمرها ما هتعرف إن كليتها كانت سليمة مية في المية.
سكت لحظة، ثم أكمل ببرود صاډم
ولو كنا قولنالها الحقيقة…
…ما كانتش أبدًا هتوافق تتبرع لأختي.
نهى حست إن الدنيا كلها بتلف حواليها.
أنفاسها بقت متقطعة.
وإيديها بدأت ترتعش تحت الغطا.
كل كلمة كانت بتختـ,ـرقها…
أقسى من ألم العملية نفسها.
الۏجع اللي في جنبها…
بقى ولا حاجة قدام الۏجع اللي جوا قلبها.
الحقيقة ظهرت قدامها كاملة.
هما…
ما أنقذوش حياتها.
ولا شالوا كلية مريضة.
هما خدعوها.
زوروا الحقيقة.
واستغلوا ثقتها فيهم.
وشالوا كلية سليمة من جسمها…
عشان ينقذوا بيها أخت كريم.
لكن اللي صدمها أكتر…
إن حماتها قالت بعدها بصوت منخفض
الحمد لله إن الدكتور وافق يغير التقرير.
رد كريم وهو بيضحك ضحكة خفيفة
والفلوس عملت شغلها.
بعد ما حولت له خمسة ملايين جنيه…
…بقى مستعد يكتب أي حاجة إحنا عايزينها.
نهى غمضت عينيها بسرعة.
لأنها سمعت خطوات جاية ناحية الأوضة.
رجعت نامت بنفس الوضع…
وقفلت عينيها بإحكام.
الباب اتفتح بهدوء.
حست بكريم وهو يقرب من السرير.
وقف يبصلها ثواني.
ثم حط إيده على شعرها برفق…
وقال بصوت مليان تمثيل
سامحيني…
بس أنا اخترت أختي.
خرج هو وحماته، وقفلا الباب وراهم.
وسابوا نهى وحدها…
لكنهم ماكانوش يعرفوا حاجة واحدة.
نهى…
رغم إنها سابت
المحاماة من سنين…
إلا إنها قبل ما تنام كل ليلة، كانت بتحط موبايلها على وضع التسجيل، لأنها كانت متعودة تسجل ملاحظاتها الصوتية بدل ما تكتبها.
وفي الليلة دي…
الموبايل كان لسه شغال.
وسجل…
كل كلمة.
من أول
هي شاكّة في حاجة؟
لحد
أنا اخترت أختي.
ولأول مرة منذ العملية…
رغم دموعها…
ابتسمت.
لأنها أدركت أن الدليل الذي قد يدمرهم جميعًا…
أصبح في حوزتها.
نهى فهمت الحقيقة كاملة.
هما…
ما أنقذوهاش.
هما استغلوها.
استغلوا حبها.
وثقتها.
وصدقها.
وأخدوا منها جزء من جسمها…
من غير إذنها.
قفلت عينيها بهدوء.
وحاولت تخلي نفسها على نفس وضعها.
لو عرفوا إنها صحيت…
هيعرفوا إنها سمعت كل حاجة.
ومن ساعتها…
ممكن يعملوا أي حاجة عشان يسكتوها.
لكن جواها…
كانت بتصرخ.
صړخة مليانة ڠضب.
وخېانة.
وانكسار.
أما من بره…
فكانت ساكنة تمامًا.
بعد ثواني…
سمعت كريم يقول بثقة
بعد كام يوم هترجع البيت…
وكل حاجة هتخلص.
ضحك ضحكة خفيفة.
ثم أكمل
نهى طيبة زيادة عن اللزوم.
مستحيل يخطر على بالها تدور في التقارير الطبية أو تسأل ورا اللي حصل.
حماتها ضحكت هي كمان.
وقالت باستهزاء
أوقات الطيبة…
بتبقى هي نفسها الغباء.
نهى عضت على شفايفها من جوه.
لدرجة إنها حست بطعم الډم.
لو كانت فتحت عينيها في اللحظة دي…
كانت هتفضح نفسها.
لكنها تماسكت.
لأن المحامية اللي جواها…
صحيت من جديد.
وفي نفس اللحظة…
افتكرت حاجة محدش منهم يعرفها.
قبل ما تسيب المحاماة…
كانت محتفظة بنسخ إلكترونية من كل القوانين والإجراءات الطبية، وعارفة كويس إن أي نقل أعضاء بين الأحياء في مصر بيخضع لإجراءات صارمة، وموافقات مكتوبة، ولجان طبية مستقلة.
ولو كلمة واحدة من اللي سمعته صحيحة…
يبقى اللي حصل…
مش مجرد خېانة زوج.
دي جناية كاملة.
والأهم…
إنها تذكرت حاجة تانية.
قبل العملية بساعات، وهي في الاستقبال…
الممرضة طلبت منها بطاقة الرقم القومي.
لكن البطاقة اختفت بعدها.
ولحد دلوقتي…
ولا حد رجعها لها.
ابتسمت من غير ما تحرك ملامحها.
لأنها أدركت…
إن اللي سـ,ـرق كليتها…
أكيد سـ,ـرق توقيعها كمان.
وده…
هيكون أول خيط هيمسكهم كلهم.
وهما واقفين برا الأوضة…
مقتنعين إن خطتهم نجحت.
وإن نهى هترجع البيت بعد كام يوم، وتعيش باقي عمرها وهي فاكرة إنهم أنقذوا حياتها…
كانت نهى، من غير ما تنطق حرف واحد…
بتاخد أخطر قرار في حياتها.
مش هتواجههم.
مش دلوقتي.
ومش هتفضـ,ـح إنها سمعت أي كلمة.
هترجع البيت.
وهتبتسم.
وهتمثل إنها لسه الزوجة الطيبة الساذجة اللي هما فاكرينها.
لكن من النهارده…
كل نفس هتاخده هيكون بهدف واحد.
تجمع دليل.
وراء دليل.
لحد ما يبقى مفيش واحد فيهم يقدر يفلت.
لا كريم.
ولا حماتها.
ولا الدكتور اللي باع ضميره.
ولا أي شخص شارك في الچريمة.
نهى كانت عارفة إن أي مواجهة دلوقتي…
هتخليهم يدمروا الأدلة.
لكن لو صدقتهم…
هيكونوا هما بنفسهم اللي هيكشفوا باقي أسرارهم.
افتكرت أول درس اتعلمته وهي محامية.
المچرم اللي يعتقد إنه انتصر… هو أكتر شخص بيغلط.
ابتسمت من جواها.
لأنهم بالفعل…
بدأوا يغلطوا.
التسجيل الصوتي بقى معاها.
واسم الدكتور بقى معاها.
وعرفت إن التقرير الطبي مزور.
لكن كان ناقصها حاجة واحدة.
الدليل اللي يثبت إن كليتها كانت سليمة قبل العملية.
وفجأة…
افتكرت ملفها الطبي الإلكتروني.
قبل أسبوع من دخولها المستشفى، كانت عملت كشفًا شاملًا في شركة التأمين الخاصة بالشغل القديم، لأن وثيقة التأمين كانت هتنتهي.
وكان من ضمن الفحوصات…
وظائف الكلى.
افتحت عينيها للحظة قصيرة، من غير ما حد يشوفها.
لو التحاليل دي لسه محفوظة…
فهي هتنسف كذبتهم كلها.
لأنها هتثبت إنها دخلت المستشفى بكليتين سليمتين.
وفي اللحظة دي…
دخلت الممرضة تغير المحلول.
ابتسم لها كريم قدام الجميع، ومسك إيد نهى بحنان مصطنع.
وقال
الحمد لله إن ربنا رجعهالي.
الممرضة ابتسمت بتأثر.
أما نهى…
فكانت عارفة إنها ماسكة إيد الراجل…
اللي سـ,ـرق جزءًا من جسدها.
ومع ذلك…
ابتسمت له هي كمان.
ابتسامة هادئة…
خلت كريم يطمن أكثر.
ولم يخطر بباله أبدًا…
أن المرأة التي ظنها انتهت على سرير المستشفى…
كانت في الحقيقة قد بدأت للتو أخطر قضية في حياتها.
القضية…
التي لن تنتهي بالطلاق.
بل بالسجن.
لما خرجت نهى من المستشفى…
ما جابتش سيرة ولا كلمة من اللي سمعته في الليلة دي.
ولا واجهت كريم.
ولا بصتله حتى بنظرة شك.
كانت بتبتسم له.
وتشكره كل ما يساعدها تمشي.
ولما يوصلها الدوا…
كانت تقوله
ربنا يخليك
ليا.
لدرجة إن كريم بدأ يصدق إن خطتهم نجحت فعلًا.
أما حماته…
فكانت كل ما تشوفها تهمس لابنها
قولتلك… عمرها ما هتعرف.
نهى كانت تسمع…
وتبتسم.
لكن ابتسامتها ما كانتش معناها التسامح.
كانت معناها…
كملوا… كل ما تطمنوا أكتر، هتقعوا أسرع.
بعد يومين فقط…
استغلت خروج كريم للشغل.
قفلت باب البيت.
فتحت اللابتوب القديم بتاعها.
اللي ما فتحتهوش من سنين.
ولأول مرة منذ تركها المحاماة…
أنشأت مجلدًا جديدًا.
كتبت اسمه
القضية رقم ١.
ثم بدأت أول خطوة.
قدمت طلبات رسمية للحصول على نسخة كاملة من ملفها الطبي.
مش التقرير المختصر اللي ادوه لكريم.
لا…
كل حاجة.
نتائج التحاليل.
الأشعات.
تقارير العمليات.
أوامر دخول غرفة الجراحة.
واسم كل شخص دخل أو خرج من أوضة العمليات في يوم الجراحة.
وكمان…
طلبت حفظ نسخة من تسجيلات كاميرات المراقبة الخاصة بالمستشفى قبل ما تتمسح تلقائيًا.
وبعتت طلب تاني…
للحصول على جميع نتائج معامل التحاليل اللي اتعملت باسمها.
كل طلب كانت بتبعتُه…
كان بيتبعت من بريد إلكتروني جديد، باسم مختلف.
علشان محدش يحس إنها بدأت تشك.
وفي نفس الوقت…
كلمت واحدة من زميلاتها القدام في المحاماة.
أقرب واحدة كانت بتثق فيها.
المحامية دينا.
ما قالتلهاش كل الحقيقة.
اكتفت بجملة واحدة.
لو واحدة شاكّة إن فيه تزوير في عملية جراحية… تبدأ منين؟
دينا سكتت ثواني.
ثم قالت
ابدئي من الورق.
لأن الكذاب يقدر يمثل…
لكن المستندات… عمرها ما بتمثل.
ابتسمت نهى.
لأن ده بالضبط…
اللي كانت ناوية تعمله.
لكنها ما كانتش تعرف…
إن أول مستند هيوصلها بعد أقل من ثمانٍ وأربعين ساعة…
مش هيكشف تزوير العملية فقط.
بل هيكشف…
إن اسم المړيض المكتوب على تقرير استئصال الكلية…
لم يكن اسمها أصلًا.
بعد ما بعتت كل الطلبات…
كلمت اتنين من زملائها القدام.
واحد كان متخصص في القضايا الطبية.
والتانية كانت محامية شاطرة في قضايا التزوير.
ما حكتلهمش كل التفاصيل في التليفون.
لكن أول ما شافوا المستندات…
طلبوا منها تقابلهم فورًا.
وخلال يومين…
كانوا رتبوا إن لجنة طبية مستقلة تراجع كل ملفها من البداية.
نهى كانت قاعدة قدامهم…
وقلبها بيدق.
لحد ما كبير الأطباء قفل الملف.
وبص لها.
وقال بهدوء
مدام نهى…
حضرتك عمرِك ما كان عندك أي حالة تستدعي استئصال الكلية.
سكت لحظة.
ثم أكمل
لا كانت فيه حالة طارئة.
ولا كان فيه خطړ على حياتك.
ولا حتى فيه تقرير واحد يبرر اللي حصل.
نهى غمضت عينيها.
كانت عارفة الحقيقة…
لكن سماعها من طبيب مستقل…
ۏجعها أكتر.
لسه الصدمة ما خلصتش.
خبير المستندات الجنائية رفع ورقة موافقة العملية.
وبعد ما قارن التوقيع بأوراقها الرسمية…
قال الجملة اللي أنهت أي أمل عند كريم.
التوقيع مزور.
وده مش توقيع مدام نهى.
سكت الجميع.
ثم أضاف
حتى البصمة الموجودة على الاستمارة… منقولة بطريقة غير قانونية.
يعني…
حد استغل أوراقها الشخصية…
وزور موافقتها بالكامل.
في اللحظة دي…
القضية خرجت من مجرد تعويض مدني.
وبقت قضية جنائية.
تزوير.
واستعمال محررات مزورة.
واستئصال عضو بشړي دون موافقة صاحبه.
والاشتراك في ارتكاب الچريمة.
…