يا أحمد يا ابني.. العقل يقول إن الفرصة دي مش بتيجي غير مرة واحدة في العمر. أنت شفت الفقر وعرفته، وشفت العيشة الناشفة. طلّق، وربنا يعوضها ويعوضك، والفلوس دي ه تؤمن بنتك طول عمرها. الستات يروحوا وييجوا يا ابني، لكن الملايين لو راحت مش هترجع!
أمي كانت واقفة في الناحية التانية، عينيها فيها نظرة طمع وأمل إن ابنها يبطل غباوة ويرجع لبيت عزهم، قالت بصوت واطي بس مسموع
اسمع كلام عمك يا أحمد.. كفاية طيش، الخمس سنين دول كانوا درس ليك، انشف بقى واعرف مصلحتك!
في اللحظة دي.. دماغي كانت شغال زي المفرمة. 20 مليون جنيه!
20 مليون يعني
هطلع من الشقة الإيجار اللي حيطانها مقشرة، مش هشيل هم مصاريف مدرسة فريدة، مش هقف في الطابور ولا أحسب القرش بالقرش، مش هشوف نظرة الكسرة في عين مراتي وهي بتطبخ اللي موجود في البيت وبتقول الحمد لله بابتسامة وهي جعانة.
لكن.. في نفس اللحظة، عدت قدام عيني شريط الخمس سنين.
افتكرت يوم ما خرجت من البيت ده وأنا ماليش غير هدومي اللي عليا، ونور مسكت إيدي وقالتلي أنا معاك في العشة قبل القصر.
افتكرت لما كنت بمرض، وكانت بتفضل صاحية طول الليل حاطة كمادات على راسي وبتبكي وبتدعيلي.
افتكرت لما كانت بتداري هدومها القديمة علشان ما تحسسنيش بالتقصير، ولما كانت بتجمع القرش على القرش علشان تشتريلي طقم جديد أروح بيه المقابلة.
افتكرت العيش والجبنة اللي كنا بناكلهم وإحنا بنضحك من قلبنا، واللفتة البسيطة اللي كانت بتعملها عشان تخليني أحس إني ملك.
هو أنا بجد ممكن أبيع كل ده؟ عشان شوية ورق؟
عشان فلوس راجل فضّل يكسرني وهو حي، وجاي يذلني وهو ميت تحت التراب؟
جدي.. جدي اللي كان فاكر إن فلوسه تقدر تشتري النفوس، وكان عايز يكسر كبريائي في موته زي ما فشل يكسره في حياته.
المحامي هز الورقة بقلة صبر وقال
أستاذ أحمد.. وقت الجلسة بيخلص، لازم تديني قرارك دلوقت عشان أثبت الطلاق في المحضر
أو أعلن بطلان البند وتحويل المبلغ للتركة العامة.
الكل سكت.. كأن النبض وقف في الصالة.
نور غمضت عينيها واستسلمت للدموع، كأنها بتستعد للصدمة.
أنا أخدت نفس عميق.. عميق أوي، حسيت بيه بيدخل جوه صدري بيحرق كل التردد والخوف. بصيت لعمي، وبعدين بصيت لأمي، وأخيراً بصيت للمحامي.
ابتسمت.. ابتسامة صدمت الكل. ابتسامة هادية، مفيهاش أي توتر.
ربعت إيدي وقلت بصوت عالي وثابت هز جدران البيت الكبير
يا سيادة المحامي.. اكتب عندك في المحضر.
عمي ابتسم ابتسامة النصر، وعمي التاني فرك إيده ببعضها، ونور جسمها اتنفض..
كملت كلامي بصوت أشد وأقوى
اكتب عندك.. إن أحمد فتحي، بيعلن تنازله الكامل وغير المشروط عن ال 20 مليون جنيه! واكتب إن قرش واحد من فلوس راجل شرطه الوحيد علشان يورثني إنه يخرب بيتي ويذل مراتي اللي صانتني.. الفلوس دي ما تلزمنيش، ولا تدخل بيتي، ولا تصرف على بنتي!
الصالة شهقت!
عمي لسانه اتعقد، وأمي صرخت أنت اتجننت يا أحمد؟! 20 مليون يا غبي?!
أعمامي الباقيين عينيهم طلعت لبرة، الذهول أكل وشوشهم.
ما حدش كان متوقع إن حد في الدنيا ممكن يرمي 20 مليون جنيه تحت رجله عشان ست!
ما استنيتش حد يتكلم.. مشيت بخطوات ثابته، قربت من نور، مسكت إيدها اللي كانت بتترعش، ورفعتها قدام
الكل وبستها. بصيت في عينيها وقلت
لها بصوت دافي
أنا بعت الدنيا كلها علشانك زمان يا نور.. فاكرة إن شوية الورق دول ممكن يخلوني أبيعك؟ أنتِ وفريدة ال 20 مليون بتوعي، أنتِ الثروة اللي جدي وأعمامي بالفلوس دي كلها ما يقدروش يشتروا راحة البال والرضا اللي أنا عايشه معاكي.
نور انهارت من البكاء، بس المرة دي ما كانش بكاء كسرة.. كان بكاء فرحة وفخر. حضنتني جامد وهي بتشهق، وفريدة مسكت في رجلين ببابا وماما وهي بتضحك.
التفت لأعمامي اللي كانوا واقفين زي الأصنام، الوجوه ألوان، بين الغل والصدمة والذهول.
قلت لعمي الكبير وأنا ببتسم بتحدي
مبروك عليكم الملايين يا عمي..
اتفضلوا خدوها واقسموها بينكم، يمكن تعرفوا تشتروا بيها راحة بال أو ناس تحبكم بجد من غير مصالح. إحنا ماشيين.. وعزة جلال الله ما طالع من بيتكوا ده تاني.
شلت فريدة على كتفي، ومسكت إيد نور جامد، ولفينا ضهرنا للبيت الكبير وعيلته وفلوسه، وخرجنا..
خرجنا للشارع.. الشارع اللي كان الهوا فيه أنضف بكتير من جوة الصالة. نفس الهوا الحر اللي بتنفسه وأنا راسي مرفوعة.
أول ما أخدنا أول خطوة في الشارع، نور بصتلي وعينيها مليانة دموع بس وشها منور، وقالتلي
سامحني يا أحمد.. أنا لحظة واحدة الشك دخل قلبي، افتكرتك هتدوس عليا عشان الفلوس.
ضحكت من قلبي وقلت لها
أنا أبيع نفسي وما أبيعكيش يا نور. الفلوس بتروح وتيجي، لكن الست اللي بتقف مع راجلها في المرة قبل الحلوة، دي ما تتعوضش بكنوز الأرض.
رجعنا شقتنا البسيطة.. الشقة اللي إيجارها جديد وعفشها
بسيط. لكن في اليوم ده، الشقة كانت شكل تاني، كان فيها دفء وحب ما يتقدرش بمال.
عدت الأيام عادي.. ورجعت لقصة حساب القرش بالقرش، بس المرة دي ورجلي على الأرض وقلبي مرتاح، وراسي مرفوعة فوق السحاب. كنت شغال في شركة مقاولات صغيرة، وربنا شاهد إني كنت بشتغل بضمير وبسعى بكل طاقتي.
بعد أسبوعين بس من اليوم ده..
تليفوني رن.
رقم غريب.. فرديت
السلام عليكم، مع حضرتك أحمد؟
أيوه أنا، مين معايا؟
أنا الأستاذ سعيد، مدير المكتب الهندسي لخالد بيه العطار.
خالد العطار ده كان واحد من أكبر رجال الأعمال في مصر في مجال المعمار، راجل معروف بالنزاهة والشدة، وما بيشتغلش مع أي حد.
قلت بتفاجؤ
أهلاً وسهلاً يا فندم.. خير؟
خالد بيه عايز يقابلك بكره في المكتب الرئيسي الساعة 10 الصبح.. في موضوع مهم جداً.
الليل ده ما نمتش من التفكير.. خالد العطار عايزني أنا ليه؟ أنا مهندس صغير في شركة على قدها، إيه اللي جاب اسمي عنده؟
تاني يوم، لبست أحسن طقم عندي، ودخلت البرج الفخم اللي فيه مكتب خالد بيه. سكرتارية، وأمن، وناس رايحة وجاية ببدل شيك. دخلوني مكتب فخم جداً، أترد الباب، وقعدت مستني.
بعد دقايق، دخل راجل في الستينات من عمره، شعره أبيض، عينيه حادة بس فيها طيبة وهيبة مش طبيعية.
أهلاً يا أحمد يا ابني.. اتفضل استريح.
قعدت وقلت باحترام
شكراً يا خالد بيه.. أنا تحت أمرك، بس بصراحة مش فاهم سبب الاستدعاء.
خالد بيه ابتسم ابتسامة هادية، وحط إيده على المكتب وقال كلام صدمتي
أنا كنت
صاحب جدك الله يرحمه من 30 سنة..
وعلى فكرة، أنا كنت عارف كل تفاصيل الوصية!
فتحت عيني على آخرها حضرتك كنت عارف؟!
خالد بيه كمل وهو بيبصلي بتقدير
جدك الله يرحمه كان راجل صعيدي ناشف، وكبريائه كان يعميه أحياناً. لما عيلتك طردتك، كان بيتابع أخبار من بعيد لبعيد. وعرق الدم حن لما مرض، وعرف إنك الوحيد اللي كنت بتسأل على دكاترته بالسر من غير ما تطلب منه جنيه. لكن جدك كان عنده عقدة.. كان فاكر إن كل الناس في الزمان ده بتجري ورا الفلوس، وكان بيراهن أعمامك إنك أول ما تشوف ال 20 مليون هتبيع مراتك وتجري ورا العز.
أنا سكت ومصدوم، وهو كمل
جدك حط الشرط ده عشان يختبرك.. وكان قايلي لو أحمد باع مراته عشان 20 مليون، يبقى طلع زيهم ورخيص، وياخد الفلوس وهو مكسور العين. لكن لو رفض الفلوس واختار كرامته ومراته.. يبقى ده الراجل الوحيد اللي ينفع يتأمن على اسمي وشغلي.
دموعي اتجمعت في عيني وأنا مذهول.. خالد بيه طلع ملف كبير من درج المكتب وحطه قدامي
جدك قبل ما يموت بأسبوع، عمل توكيل خاص وإعادة تنظيم لشركة المعمار القديمة بتاعته اللي أعمامك ما يعرفوش عنها حاجة عشان كانت مقفولة ومتحفظ عليها..
وحطها تحت إشرافي أنا شخصياً، وكتب في الشرط تسلم إدارة الشركة بالكامل بالشرط الجزائي والأصول اللي حيلتها واللي تتعدى قيمتها 50 مليون جنيه لحفيده أحمد.. بشرط واحد إنه يرفض وصية ال 20 مليون ويختار مراته!
الدموع نزلت من عيني من غير ما أحس.. الفلوس اللي رفضتها حلال بكرامتي،
ربنا ردها لي أضعاف أضعاف، ومن غير ما أظلم حد ولا أبيع ناسي!
خالد بيه وقف، ومسك إيدي وشد عليا وقال
جدك كان قاسي يا أحمد، بس في أخر أيامه أدرك مين الأصيل ومين المزيف.
أعمامك خدوا ال 20 مليون وتقاسموها، وتقريباً من يومها طاحنين بعض في المحاكم على القرش.. أما أنت، خدت الامتحان الصعب، ونجحت فيه. الشركات والأصول دي بتاعتك من النهاردة، وأنا هكون جنبك خطوة بخطوة لحد ما تسوق الشغل بنفسك.
رجعت الشقة يومها وأنا مش شايل الأرض.. فتحت الباب، لقيت نور
واقفة بتبتسم وبتقولي عملت إيه يا أحمد؟
مسكت إيدها، ونزلت على ركبتي قدامها، وبست إيدها وقلت لها بدموع الفرحة
ربنا ما بيضيعش حق حد صان الأمانة يا نور.. إحنا ربنا عوضنا، عوض كبير أوي!
حكيت لها كل حاجة، ونور انهارت بالبكاء وهي بتسجد لله شكر في نص الصالة.
عدت السنين..
الشركات كبرت، وأنا بقيت من أكبر مهندسين المعمار، ربنا فتحها عليا من وسع. بنينيا بيت كبير، وفريدة كبرت ودخلت أحسن مدارس، ونور فضلت هي هي.. الست الصالحة البسيطة اللي عينها مليانة بالرضا، ما غرتهاش الملايين زي ما ما كسرهاش الفقر.
أما أعمامي.. فالفلوس اللي جرو وراها كانت سبب خراب بيوتهم. اختلفوا على التقسيم، ودخلوا قضايا وبلاغات ضد بعض، والغل أكل قلوبهم وخسروا بعض وخسروا أصلهم.
وفي كل مرة كنت بمر فيها قدام المراية، أو بأعدي قدام البيت الكبير، كنت بفتكر اليوم ده وبقول لنفسي
الراجل مش بالفلوس اللي في جيبه.. الراجل بكلمته، وبأصله، وبصونه
للست اللي وثقت فيه لما الدنيا كلها باعتته.