منوعات

متجوز من 8 سنين بقلم روماني مكرم

ما اديتهاش فرصة تكمل باقي الموشح ولا تتطاول أكتر، قفلت الخط في وشها برود لم أعهده في نفسي من ثمان سنين. رميت التليفون على الكنبة، ورحت جري على أوضة عيالي. مسكت ابني الصغير، شيلته في حــ,,ـــــضني وهو جسمه مولع نــ,,ـــــار وشفاه بتتعد من السخونية، حطيت خدي على خده وبكيت.. بكيت دموع قهر وثورة متأخرة ثمان سنين. كنت بقول لنفسي: “أنا اللي عملت في نفسي كده.. أنا اللي هانت عليا نفسي لحد ما افتكروني خدامة برتبة ملكية!”

ساعة كاملة مرت وأنا بحاول أهدي العيل وأعمله كمادات خل ومية ساقعة، وعقلي شغال ما بيهداش. عارفة إن اللي عملته دا زلزال في العيلة، وعارفة إن الحساب جاي.. بس المرة دي ما كنتش خايفة، كنت حاسة بإحساس غريب بالحرية، زي السجين اللي كسر باب سجــ,,ـــــنه بأيده. وفجأة.. سمعت صوت المحرز في الباب بيتقلب بعنــ,,ـــــف. الباب اتفتح وهبد في الحيطة بصوت هز الشقة كلها. خرجت من الأوضة ببطء، ألاقي جوزي “محمود” داخل زي الفتح المظفر، وشه أحمر زي الدم، وعيونه طالع منها شرار، وياقة قميصه متفككة وجايب آخره. واضح إن أمه كلمته وشحنت البارود على آخره قبل ما يوصل.

وقف في نص الصالة، بيمسك نفسه بالعافية، وزعق بصوت هز جدران البيت: ـ “أنتِ يا هانم! أنتِ يا اللي قلة الأدب طفحت عليكِ! إيه اللي أنتِ هببتيه دا؟! إيه الكلام اللي قولتيه لأمي في التليفون دا؟!” وقفت قدامه بثبات، حاطة إيدي في وسطي، وبصيت في عينيه بثبات لأول مرة في حياتي: ـ “أنطق إيه؟ أنت عارف أمك طلبت مني إيه قبل ما تجيلي تجعر كده؟ أمك عاوزاني أسيب ابنك اللي سخن ومولع نــ,,ـــــار وأروح أنضف شقة سلفتك وأشتريلها خضار وفاكهة من جيبي وأطبخلها! هي سلفتي اشتريتني ولا أنا خدامة أبوهما وأنا مش دارية؟!”

محمود ما استناش يسمع، ولا فكر يبص على ابنه المرمي جوة بيتألم، الشحنة اللي أمه شحنتهاله كانت أعمى من العقل. قرب مني في ثانية، وبدون مقدمات، رفع إيده ولطشني بالقلم على وشي لدرجة إن دماغي لفت، وداني رنت بصوت عالي، ورجعت خطوتين لورا وسندت على الركنة. زعق وهو بيشاور بإصبعه في وشي وبيفش غله:

ـ “أمك لما تقولك يمين تقولي أمين! أخي مسافر وبيشقى في الكويت، ومراته حبلة وفي غريبتنا، وأنتِ هنا زي الجمصة لا شغلانة ولا مشغلة! لما أمي تقولك روحي نضفي ورجلك فوق رقبتك تروحي وتجزّي على أسنانك وتعملي وأنتِ ساكتة! بيت أخويا هو بيتي، واللي يقل أدبه على أمي أكسر رقبته!”

القلم ما وجعنيش في وشي، القلم نزل على قلبي وكسر آخر خيط كان باضل بيني وبينه. الثمان سنين اللي ضيعتهم من عمري وأنا بتباع وأتشرا عشان أحتويه وأحافظ على بيته، اتبخروا في ثانية واحدة عشان خاطر كلام أمه ونطاعة سلفتي!
رفعت رأسي بصيتله، ما بكيتش، الدمعة تجمدت في عيني، وبصيتله بنظرة كره وقرف استغربها هو نفسه ورجع خطوة لورا. صوتي طلع واطي بس يرعب: ـ “بتضــ,,ـــــربني يا محمود؟ عشان رافضة أكون شغالة عند سلفتك اللي أصلها ما كملتش في العيلة سبع شهور؟ بتضــ,,ـــــربني وتبيعني وتبيع عيالك اللي مرميين جوة بالسخونية عشان ترضي أمك وتعمل فيها الراجل الأصيل؟”

ـ “أني راجل غصب عنك وعن عين اللي جابوكِ!” زعق محمود وبدأ يقرب مني تاني، بس أنا رفعت إيدي في وشه بكل قوة وقاطعت خطواته: ـ “إياك تمد إديك عليا تاني! أنت بقيت صغير أوي في نظري يا محمود.. صغير للدرجة اللي تخليك تبيع كرامة مراتك وأم عيالك عشان شوية كلام فارغ!” دخلت الأوضة فوراً، وفتحت الدولاب، وسحبت شنطة السفر الكبيرة. بدأت أرمي فيها هدومي وهدوم عيالي بعشوائية وسرعة. محمود دخل ورايا الأوضة، يتفرج عليا وهو متفاجئ من رد فعلي، افتكرني هعيط وأترجاه وأبوس على إيده زي كل مرة نتخانق فيها.

ـ “أنتِ بتعملي إيه يا مجنونة أنتِ؟ فاكرة نفسك رايحة فين؟” ما رديتش عليه، كملت لَمّ الهدوم واللعب بتاعة العيال، وسحبت علبة الدهب الصغير بتاعي اللي كنت شايلاها للزمن، وحطيتها في الشنطة. شيلت ابني الكبير اللي كان مش قادر يقف على حيله، ومسكت إيد البنت الصغيرة، وسحبت الشنطة بإيدي الثانية، وخرجت للصالة. وقف محمود قدام باب الشقة يسد عليا الطريق، وشه بقى أصفر من التوتر لما شافني مصممة بجد: ـ “أنتِ هتسبي البيت وتمشي؟ اتهدي واقعدي بدل ما أقسم بالله لو خرجتي من الباب دا ما أنتِ داخلة تاني!”

بصيت في عينيه بابتسامة وجع وقرف وقام هديت جسمي كله، وقولتله بكل ثبات: ـ “الباب دا أنا اللي مش هدخله تاني برجلي إلا وأنا واخدة كرامتي وحقي تالت ومتالت. أوصيك يا محمود.. روح كمل خدمتك عند سلفتك، روح أطبخلها ونضفلها الشقة، أصلك أولى بيها من غريب!” زقيته بكتفي بكل قوتي، وفتحت الباب وخرجت. نزلت السلم وأنا شايلة ابني وبسحب الشنطة والبنت ماسكة في جلابيتي، وصوت محمود نازل ورايا يزعق ويشتم ويهدد بيمين الطلاق، بس ولا كلمة منه كانت طالعة لمست ودني.

خرجت الشارع والشمس كانت بتغيب، والهوا يلفح وشي في أثر القلم اللي أكلته. بصيت لعيالي، وبصيت للشارع، وحسيت لأول مرة إني مش هربانة.. أنا رايحة أرجع كرامتي اللي ضاعت تحت جزمة العيلة دي ثمان سنين كاملة، والكتف اللي يشيل القهر دا كله، قادر يهد المعبد على راس الكل!

انت في الصفحة 2 من 8 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى