منوعات

كل مشكلتى في الحياه

دخلت الصالون وقعدت على الكنبة، ولادي مكنوش مستوعبين دخلوا أوضتهم جوه، وأنا فضلت باصة للفراغ والدموع نازلة زي الشلال. بدأت أحكي.. حكيت لأمي كل حاجة، من أول حب طفولتي المذل، لـ 8 سنين من الجفاء والتجاهل، لخدمة أهله واستعبادهم ليا، لحد ما وصلت للي حصل مع حماتي.. كلامها اللي زي السكاكين: “أنتِ هنا زيك زي الكرسي اللي قاعدة عليه”*.. ووصولاً للقلم اللي نزل على وشي من جواد، وكلمته الأخيرة: “لو خرجتِ مش هترجعي ثانية”*.

أمي كانت قاعدة بتسمعني وإيدها على بوقها، عينيها كانت بتوسع مع كل كلمة بقولها، الصدمة شلتها. لأول مرة أمي تعرف إن بنتها اللي كانت دايماً بتبتسم وتقول “إحنا كويسين وسمن على عسل” كانت عايشة في المفرمة دي. أمي اتكلمت بصوت مرعوب ومصدوم: “كل دا يحصلك يا ولاء وأنتِ ساكتة؟ 8 سنين بتنداسي بالمنظر دا ومبتنطقيش؟ دا إحنا ياما قُلنا جواد حنين و طيب و مهنيكي. ياما قُلنا ابن عمها وصاينها! يضــ,,ـــــربك بالقلم يا بنت قلبي؟ وتتهاني من أمه بالشكل دا عشان قُلتي مش قادرة؟ ازاي قبلتي بددا؟ دا أنتِ جالك قبله عرسان بعدد شعر راسك..

فضلت أعيط وأنا بقولها بنبرة مقهورة ومذلولة: “كنت بحبه يا ماما.. كنت بمــ,,ـــــوت في التراب اللي بيمشي. كنت فاكرة إن عطائي هيخليه يشوفني، و يحبني. كنت فاكرة إن طيبتي هتخليه يحن عليا.. أنا صغرت نفسي أوي، أنا قرفت من نفسي يا ماما.. شوفتي حماتي قالتلي إيه؟ قالتلي رضي بيكِ بعد ما كنتِ هتعنسي! بس أنا اللي عملت في نفسي كدا.. أنا اللي خليتهم يشوفوني كرسي!” أمي خدتني في حــ,,ـــــضنها وهي بتبكي معايا بحــ,,ـــــرقة، بتبكي على كسرة بنتها اللي ضيعت عمرها ورا سراب، و فجأة وسط العياط والشجن والوجع اللي مالي قلبي الباب خبط خبطات سريعة وقوية.

أمي مسحت دموعها بسرعة وقامت تفتح، وبمجرد ما فتحت الباب لقينا عمي “علي” ـ عمنا التالت اللي ملوش في المشاكل ودايماً هادي ومحايد ـ داخل ووشه متجهم وعينيه مش قادرة تيجي في عيني.
أمي رجعت لورا خطوة وقالت بقلق: “خير يا حاج علي؟ في إيه؟” عمي علي دخل، بصلي بنظرة كلها أسف وعجز، قعد على الكرسي القريب من الباب، ونزل راسه في الأرض وهو بيفرك إيده ببعض بقلة حيلة. الصمت اللي في المكان كان مرعب، لدرجة إني سمعت دقات قلبي وهي بتتسارع.

عمي علي اتنهد تنهيدة طويلة وقال بصوت مخنوق: “أنا مش عارف أقولكم إيه.. ولا عارف أجيبها لكم إزاي.. بس جواد كلمني من شوية.” أمي قربت منه بحدة وقالت: “قالك إيه حضرة الظابط؟ جاي يتأسف؟ جاي يرجع مراته اللي ضــ,,ـــــربها وهانها هو وأمه؟” عمي علي رفع راسه وبصلي، والنظرة دي خلفت في قلبي برود مرعب، قال بوضوح وصدمة هزت أركان الأوضة: “جواد مش جاي يتأسف يا أم ولاء.. جواد باعتني أقولكم تيجوا تلموا حاجات ولاء كلها من الشقة، لأنه خلاص.. مش عايز يكمل، وعايز يطلق.”
اشتريت نفسي الجزء الثاني بقلم نورهان العشري ❤️

الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة.. “عايز يطلق!” أمي صرخت وضــ,,ـــــربت على صدـ,,ـــرها: “يطلق؟! بعد ما أهانها وضــ,,ـــــربها بدل ما ييجي يصلح غلطته عايز يطلق؟! هو فاكر بنات الناس لعبة في إيده وإيد أمه؟!” في اللحظة دي، بالرغم من الصدمة اللي شلت حركتي وبالرغم من الوجع اللي حسيت بيه و إن روحي بتتسحب مني إلا إن في حاجة جوايا اتدب فيها الروح.. الوجع اتحول لكتلة نــ,,ـــــار، والدموع اللي كانت مغرقة عيني نشفت فجأة. بصيت لعمي علي ولقيت نفسي بقوم أقف بثبات مكنتش أعرف إنه جوايا، وبصوت قوي، خالي من أي رجفة، قولتله:

“كويس أنه قالك كدا. قوله كتر خيرك.. و قوله بتقولك وفرت عليها القضايا. يجهز نفسه عشان نروح للمأذون نطلق رسمي طلاق مفيش منه راجعه.حكايات نورهان العشري الشارع كان زحمة، بس مكنتش مركزة غير مع صوت دقات قلبي اللي كانت بتضــ,,ـــــرب في صدـ,,ـــري زي الطبلة. كنت ماشية جنب بابا خطوة بخطوة، نفس الخطوات اللي مشيناها من 8 سنين وأنا طايرة من الفرحة ومكسوفة وعيني مش نازلة من عليه.. بس المرة دي كنت بصه قدامي. راسي مرفوعة، ضهري مفرود، ولابسة نضارتي الشمس عشان أداري أي أثر للوجع.

جواد كان ماشي قدامنا ببدلته الميري، هيبته اللي كانت بتخليني زمان اترعش من كتر الاعجاب مأثرتش فيا النهاردة. كنت حاسة بنــ,,ـــــار بتاكل فيا نــ,,ـــــار الكسرة، ونــ,,ـــــار الـ 8 سنين اللي ضاعوا هدر، بس حلفت ميت يمين ولا دمعة تنزل.. ولا دمعة تخليه يحس إنه لسه كاسرني. دخلنا مكتب المأذون. الأوضة كانت ضيقة، ريحة الورق القديم والخشب مالت المكان. قعدت على الكرسي بكل برود، وحطيت رجل على رجل. جواد قعد قصادي، وعينيه كانت بتتحرك عليا بـ دهشة مكنش قادر يخبيها. هو كان متوقع إيه؟ متوقع إني هنهار؟ هعيط؟ هترجاه عند رجله عشان خاطر العيال وعشان خاطر حلم طفولتي؟

انت في الصفحة 2 من 6 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى