منوعات

مراتي مسيحه سمنه ضحي

– اللي يغسل كيلو ونص سمنة بلدي بالصابون ويطير تعب ناس، لازم يتعلم القرش والنعمة دول بييجوا إزاي من أول نقطة لبن لحد ما ينزلوا في البرطمان! مراتي قربت مني بابتسامة خبيثة وقالت وهي بتميل عليا: – يلا يا حبيبي.. مش كنت عايز تعوضني؟ الهمة بقى.. الزريبة مستنياك! مسكني خالها من دراعي وشدني وراه على المزرعة. الشمس كانت بدأت تغرب، والجو في المزرعة ريحة طين وعلف وأصوات مواشي طالعة من كل ناحية. وقفني قدام جاموسة ضخمة جداً، بتبصلي بجمود وكأنها عارفة الجريم\ة اللي أنا عملتها في حق السمنة بتاعتها!

جابلي كرسك خشبي صغير واطي، وقالي: – اقعد هنا يا عريس.. امسك الجردل بين ركبتك، وسيبك من التناكة بتاعت القاهرة دي.. ادهن إيدك بشوية زيت، وسمِ الله واشتغل! قعدت على الكرسي وأنا حاسس بإهانة مفيش بعدها.. الجردل بين رجلي، والجاموسة كل شوية تضــ,,ـــــرب بديلها على وشي تظبطلي الإرسال! وكل ما أحاول ألمسها، تتحرك بضيق، وأنا أرجع لورا بظهري وأصرخ: – يا خالو ارحمني! دي بتبصلي بغل! والله حاسس إنها عارفة إن أنا اللي دلقت السمنة بتاعتها في الحوض وهتنتقم مني!

الخال والعمال واقفين يمسكوا بطونهم من الضحك عليا، وأنا إيدي أكلتني من المحاولات الفاشلة، لحد ما بعد ساعة كاملة من العذاب والتعفير بالطين ومحايلة الجاموسة، قدرت أطلع نص جردل لبن بالعافية، ودراعي بقى مش حاسس بيه تماماً وأعصابي اتدمرت.
رجعنا البيت وأنا ماشي بالعافية، جازز على أسناني ورجليا بتخبط في بعضها من التعب. لقيت الجدة مجهزة سفرة ريفية عريضة عليها فطير مشلتت وعسل ومرتة وجبنة قديمة.. قعدت أترمي على الكنبة وأنا مهدود. حمايا قعد جنبي، طبطب على كتفي وقال:

– كده يا بني تبدأ تفهم.. السمنة دي مش حتة دهن بنشتريها وخلاص، دي نقطة عرق من كل واحد هنا.. عرفت بقى ليه زعلنا؟ هزيت رأسي بتعب وقلت: – حرمت.. والله العظيم حرمت.. لو شفت حلة في البيت فيها مية حتى، مش هقرب منها ولا هغسلها غير لما أخد موافقة كتابية وموثقة من الشهر العقاري! الجميع ضحكوا، ومراتي بصتلي بنظرة فيها شوية حنية ورضا، وقالتلي: – خلاص يا سيدي.. حقك عليا تعبتك، بس كان لازم تعرف إن تعبي مكنش سهل.

تنفس الصعداء وقلت: – الحمد لله إن الكابوس ده خلص.. يلا بينا بقى نلم السمنة والبرطمانات ونرجع القاهر… قاطعتني الجدة وهي بتحط كاس الشاي بنعناع على الترابيزة وقالت بصوت هادي يقطع الخلفية: – ترجعوا فين يا ابني؟! هو خالها ما قالكش؟ السمنة دي لازم تفضل بايته في الفخار ليلة كاملة تحت الندى عشان تعقد وتظبط.. وانتوا بايتين معانا هنا للصبح.. وبكرة الصبح بدري عندك مهمة ثانية قبل ما تتحركوا! بصيت لمراتي بذهول وقلت بصوت واطي:

– مهمة إيه تاني يا نهار أسود؟! هو أنا داخل معتقل؟! بصيت للجدة ورجعت بصيت لمراتي وأنا حاسس إن فيوزاتي خلاص هتضــ,,ـــــرب. “مهمة ثانية؟!” هي الحكاية ملهاش نهاية ولا إيه؟! الجدة ابتسمت بتشفٍ وقالت: – السمنة عشان تطلع مظبوطة ومفيهاش ريحة، لازم البرطمانات الفخار تتغسل بخل ومية دافية وتنشف في شمس الصبح، وبعدين تتصب السمنة وهي دافية بدرجة معينة.. وده شغلك بكرة من أذان الفجر!

ليلتها نمت على السر,,ـــــير النحاس القديم بتاع البيت الريفي، جسمي كله مكسر ومحلول.. دراعاتي بتوجعني من كتر تقليب السمنة وحلب الجاموسة، وظهر يأن من القعدة على الكرسي الواطي. كل ما أغمض عيني، ألمح الجاموسة بتبصلي بنظرة الانتقام، وأسمع صوت كبشة السمنة وهي بتقلب! صحيت الساعة 4:30 الصبح على صوت خبط منتظم على درفة الشباك.. فتحت عيني بالعافية، لقيت خالها واقف بره الشباك ومسك بايده الخرطوم! – يلا يا عريس! الشمس هتطلع والبرطمانات مستنية المية والخل!

قمت زي القتيل، مش قادر أفرك عيني حتى. خرجت للحوش، لقيت مراتي واقفه ومجهزة البرطمانات الفخار الكبيرة ومبتسمة ابتسامة فيها كمية تشفي مش طبيعية. مسكت البرطمانات، وبدأت أغسل واشطف وأمسح، والخل ريحته طارت في مناخيري.. وأنا شغال، حمايا خرج وهو شايل الراديو الصغير وبيدندن مع أم كلثوم، وقعد على الدكة وطلّع علبة سجائره وقالي:
– الجدعنة مش بس إنك تعمل الحاجة، الجدعنة إنك تتسلمها وتصونها يا بني.. أهو إنت كده عرفت قيمة البرطمان ده من ساعة ما كان لبن في الضرة لغاية ما بقى سمنة مقدوشة!

خلصت غسيل وتنشيف البرطمانات، وجابوا حلة السمنة الدافية اللي باتت طول الليل تسقع وتظبط.. مسكت المغرفة الكبيرة، وبدأت أصب بالراحة وبحذر شديد في البرطمانات الفخار.. نقطة واحدة تقع خارج البرطمان كانت بتقابلها شهقة جماعية من العيلة كلها وكأني دايس على لغم! وبعد ساعة من التركيز الشديد اللي يعادل تركيز جراح في عملية قلب مفتوح، اتقفلت البرطمانات واتغطت بالقماش الأبيض المربوط بالدوبارة.. وبقت مصفوفة قدامي زي السبائك الدهبية. اتنفست الصعداء، ومسحت العرق من على وشي وقلت بانتصار:

– بس! كده السمنة اتسيحت، واتصبت، واتشالت في البرطمانات بعرق جبيني ومجهودي.. أظن كده الحساب بيصفى؟ خالها مسك البرطمانات وحطها في كراتين مقواة، وحطها في شنطة عربيتي بمنتهى الحرص وكأنها شحنة يورانيوم مشحونة.. ورجعت لمراتي وقلت لها وأنا بضحك بقلة حيلة: – ها يا ستي؟ رضيتي عني؟ نرجع بقى القاهر ونقفل الصفحة دي خالص؟ مراتي بصتلي، ولأول مرة من أسبوع تقرب مني وتطبيل على كتفي بحنية وقالت: – بصراحة يا حبيبي إنت أثبت إنك جدع واستحملت كتير.. يلا بينا نرجع.

سلمنا على العيلة كلها، والجدة دعتلي دعوة حلوة وأداتني حتة فطيرة مشلتتة في إيدي للسكّة، وركبنا العربية وأنا حاسس إني بطل قومي راجع من جبهة القتال بعد ما أديت واجبي وزيادة! طول الطريق وأنا ببتسم وببص للكراتين في الكنبة الورانية وأقول لنفسي: “أخيراً.. الكابوس انتهى والبيت هيرجع هادي زي زمان!” وصلنا الشقة بالليل.. شلت الكراتين بنفسي وطلعت بيها وأنا خايف عليها أكتر من عينيا.. حطينا البرطمانات جوه المطبخ على الرخامة بسلام، ومراتي دخلت تغير هدومها وتستريح.

دخلت أنا أخد دوش دافي يشيل تعب وأثر الزريبة والسفر.. خرجت وأنا حاسس إني إنسان جديد.. مشيت ناحية المطبخ عشان أعمل كوبايتين شاي ونقعد نحتفل بالنصر، أول ما دخلت المطبخ وبصيت على الرخامة… اتجمدت في مكاني والدم اتجمد في عروقي! بصيت للرخامة، ولقيت البرطمانات الفخار اختفت! مكانها كان فيه أربعة برطمانات زجاجية شفافة، متقفلين بإنشاط بلاستيك، ومحطوطين بالمسطرة.. وعلى الرخامة جنبه أكياس الفخار اللي كانت ملفوفة فيها السمنة مرمية في السلة! طلعت يجري على الصالة وأنا بصرخ بصوت مكتوم ومش قادر أتنفس:
– هدى! السمنة فين؟! البرطمانات الفخار راحت فين؟!

خرجت مراتي من الأوضة وهي بتنشّف شعرها بالفوطة وبتبصلي بمنتهى الهدوء والبساطة وقالت: – إيه يا حبيبي مالك في إيه؟ نقلتها! وقفت مشدوه وقلت بصوت طالع بالعافية: – نقلتيها؟! نقلتي إيه ومنين ولمين؟! بتسمت وقالت ببرود قاتل: – أصل بصراحة الفخار ده بحسه بيغير طعم السمنة مع الوقت وبيسحب مرارتها، وكمان شكله مش حلو على الرخامة.. فقمت نقلت السمنة كلها في البرطمانات الازاز الشفافة دي عشان تبقى باينة وشكلها أثرى وأشيك! مسكت رأسي بإيدي الإثنين وقعدت على أقرب كرسي وأنا بحس بأعراض جلطة مبكرة!

– نقلتيها؟! يعني أنا قعدت أصب نقطة نقطة بحذر جراح، ووقفت من الفجر أغسل الفخار بالخل والمية الدافية عشان يعقد ويحفظ السمنة صح، وتقومي إنتي في ثانية قلباها في إزاز؟! ضحكت مراتي ضحكة عالية، وجت قعدت جنبي وطبطبت على كتفي وهي بتقول: – يا سيدي عادي، المهم إن السمنة بقت في البيت خلاص، وبقت ملكنا! في اللحظة دي، بصيت لها، وبصيت للمطبخ، وبصيت لإيديا اللي لسه معلم فيها التعب والجهد.. وضحكت.. ضحكت من كل قلبي على كل اللي حصل!

**الحكمة:** * **أولاً:** المطبخ ده مملكة قائمة بذاتها ولها قوانينها الخاصة.. لو شفت حلة، برطمان، أو حتى طبق صاج محطوط في أي مكان غريب.. إياك تمسكه، إياك تغسله، وإياك تنقله! اسأل الأول وخد موافقة كتابية بشاهدين، لأن “النية الطيبة” في المطبخ ممكن توديك الزريبة تحلب جاموسة! * **ثانياً:** التعب اللي مبتشوفوش بعينك، مبتعرفش قيمته.. احنا بنشوف الحاجة جاهزة على السفيرة أو في البرطمان وبنفتكرها سهلة، بس ورا كل لقمة حلوة أو حاجة معمولة بحب، غزل وعرق ومجهود ناس كتير.

* **وأخيراً:** رضا الزوجة بيحتاج أحياناً سفر للبلد وقعدة قدام كانون، بس في الآخر.. البيت اللي فيه مشاركة وتسامح -حتى لو بعد محاكمة عائلية- بيضل بيت مليان دفا وخير!

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى