منوعات

مراتي ورثت 500 الف حكايات روماني

الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة.. “لا أنا أمك ولا أعرفك ليوم الدين”. الجملة بقت بتلف في ودني وبتعمل صدى صوت مرعب. أمي أخدت شيرين ونزلوا وهم زعلانين، وسابوني في وسط الدوامة لوحدي.. مابين غضب أمي ودعوتها اللي ممكن تهد حياتي، ومابين مراتي وحقها الشرعي وكرامتها اللي لو اتدست مش هترجعلي تاني أبداً. نزلت جري وراهم ملحقتهمش، ركبت عربيتي وأنا مش شايف قدامي، دماغي وعقلي طايرين. لقيت رجلي بتسحبني لبيت حمايا.. لازم أواجه ولازم أشوف حل للمصيبة دي قبل ما تكبر وتوصل لطريق سد.

وصلت عند بيت أهل عبير، ووقفت قدام الباب وأنا قلبي بيدق بسرعة مية في الدقيقة. خبطت، وفتحلي عادل.. ملامحه كانت جامدة ومفيهاش أي ترحيب. دخلت الصالة، لقيت حمايا الكبير قاعد، وجنبه عبير وإخواتها التانيين، والكل كان بيبصلي بنظرات كلها عتاب وغضب مكتوم. قعدت وقولت: “يا جماعة.. صلوا على النبي، إحنا أهل ونسر، وميصحش اللي بيحصل ده عشان مكالمة تليفون.”

حمايا اتكلم بصوت هادي بس مليان هيبة وحدّة: “عليه أفضل الصلاة والسلام يا حسن يا ابني.. إحنا اشترينا راجل، ومطلبناش منك قرش واحد ويوم ما بنتنا ورثت قولت الحمد لله ربنا يوسع عليهم.. لكن إن الموضوع يوصل إن أختك تاخد شقة بنتي تعيش فيها وتتجوز فيها، دي اللي ميرضاش بيها ربنا ولا العبد. الشقة دي مش إيجار، دي ملك.. والملك لله وحده، بس ده حقها.. أنت ترضاها على نفسك لو أخت عبير هي اللي طلبت شقتكم؟”

قبل ما أرد، عبير اتكلمت وهي بتعيط وحرقة قلبها باينة في صوتها: “أنا مش زعلانة من أمك يا حسن.. أمك بتدور على مصلحة بنتها، أنا زعلت منك أنت! زعلت إنك مقولتلهاش في ساعتها دي شقة مراتي وتعب أبوها ومحدش ليه دعوة بيها، زعلت إنك لجلجت وفكرت.. أنت كسرتني قدام نفسك وقدم أهلها، وحسستني إن مالي وحلالي مستباح ليكم!” الكلام كان حامي، والكل كان مستني مني موقف حاسم ينهي المهزلة دي.. وفي اللحظة دي، تليفوني رن في جيبي، وبصيت على الشاشة لقيت الرقم “طه” خطيب أختي شيرين، وصوته في الرنة دي كان باين وراه حكاية تانية خالص..

طلعت التليفون من جيبي بـ إيد بترتعش، وكل عيون اللي قاعدين في الصالة كانت متعلقة بيا وبـ شاشة المانشيت اللي بتنوّر بـ اسم “طه”. عادل لمح الاسم، فـ سكت وربع إيديه ورجع ضهره لورا، وعينيه بتقولي: “وريني هتعمل إيه يا حسن”. فتحت الخط وقولت بصوت متحشرج: “أيوة يا طه، يا مرحب يا ابني.”

صوت طه مكنش فيه الفرحة اللي أمي وصفتها، بالعكس، صوته كان مليان إحراج وكسرة نفس، وصوته كان واطي وكأنه بيتكلم من حتة مستخبية: “مساء الخير يا أبكار يا حسن.. أنا متأسف جداً إني بكلمك في وقت زي ده، بس أنا لسه عارف باللي حصل من شيرين، وعرفتها إنها نزلت مع والدتك وجولك البيت.” اتعدلت في قعدتي وبصيت في الأرض وقولت: “حصل يا طه، هما لسه ماشيين من عندي من شوية.”

طه اتنهد تنهيدة طويلة طلعت من وجع قلبه وقال: “يا حسن يا اخويا، أنا راجل وبفهم في الأصول، وشيرين حكتلي على حكاية الشقة اللي ورثتها الحجة عبير مرتك. أنا صحيح غلبان وعلى قد حالي والإيجار الجديد هادد حيلي، بس أنا عمري ما أقبل أتجوز في شقة غصب عن صاحبتها، ولا أقبل إن جوازتي تبدأ بـ خراب بيت أخو مراتي وتطفيش مراته من بيتها. تعب حماك الله يرحمه لـ بنته وعياله، ومحدش ليه حق يحط عينه فيه.

أنا كلمت شيرين وقولتلها لو الحكاية دي هتعمل حساسية بين حسن ومراته، أنا مش عاوز الشقة دي، ولو قعدنا عشر سنين نلف في إيجار جديد، كرامتي وكرامة أهلي أهم عندي من سكن واسع على حساب زعل الناس.” كلام طه نزل على قلبي زي البلسم، بس في نفس الوقت حسسني بـ صغر نفسي.. الراجل الغريب برة البيت فاهم الأصول والحق، وأمي بـ حبها الأعمى لـ بنتها كانت هتهد بيتي. قولت له: “أصلك طيب يا طه، ومعدنك أصيل يا ابني، والأصول مابتطلعش إلا من أولاد الأصول.. سيبني بس أحل الأمور وإن شاء الله كل خير.”

قفلت مع طه، وبصيت لـ حماي ولـ عادل وعبير اللي كانت دموعها نشفت وبتبصلي بـ ترقب. قولت بـ نبرة عالية وفيها ثقة لأول مرة من ساعة الأزمة: “طه لسه مكلمني.. الراجل رافض تماماً وببيقولي كرامتي وكرامة أهلي أهم، ومش هقبل اتجوز في شقة على حساب خراب بيت أخو مراتي. طه طلع راجل بـ ميت راجل يا عمي، ورفض يدخل في حاجة مش حقه.”

حمايا هز راسه بـ وقار وقال: “الراجل يبان في المواقف يا حسن، وطه كبر في نظري من غير ما أشوفه.. بس الحكاية مش حكاية طه يا ابني، الحكاية حكاية موقفك أنت. أنت وقفت في النص تتفرج، وسبت أمك تظلم عبير، وسبت عبير تخرج من بيتها مكسورة الخاطر.”

قمت من مكاني وقربت من عبير، قعدت على ركبي قدامها ومسكت إيدها، والمرة دي مش عشان أهديها بـ كلام مسكن، قولت لها بـ أعلى صوت في الصالة عشان الكل يسمع: “حقك عليا يا عبير.. أنا غلطت لما سكتت في المطبخ ولجلجت، كان لازم أقول لـ أمي في نفس اللحظة إن دي شقة أبوكي وشقا عمره ومحدش ليه حق يتكلم فيها. الفلوس فلوسك والشقة شقتك، ومحدش من أهلي ولا من الدنيا كلها يقدر يغصبك على حاجة مش عوزاها. أنا شريكي في الحياة أنتِ، ومستحيل أفرط في حقك ولا كرامتك عشان أرضي حد بـ الباطل.. حتى لو كانت أمي.”

عبير بصتلي وعينيها لمعت بـ الدموع تاني، بس المرة دي كانت دموع ارتياح، حست إن جوزها رجع بقا ضهرها وحمايتها مش سكين بتهددها. عادل وقف وقال: “كده كلام رجالة يا حسن.. وإحنا ميرضناش إن أمك تغضب عليك ولا تدعي عليك، بس الأصول أصول، والشرع شرع. روح صالح والدتك بـ الكلمة الطيبة، بس فهمها إن الشقة دي برة الحسابات تماماً.” أخدت عبير في إيدي ورجعنا بيتنا، البيت اللي سيبناه من كام ساعة وهو قايد نار، رجعنا والهدوء بدأ يرجع لـ جدرانه، بس كنت عارف إن المعركة الكبيرة لسه مستنياني بكره.. مواجهة أمي.

تاني يوم الصبح، نزلت ورحت لـ بيت أمي وأنا شايل هموم الدنيا فوق كتافي. فتحت الباب بـ مفتاحي ودخلت، لقيت أمي قاعدة في الصالة، والسبحة في إيدها، وشيرين قاعدة جنبها وشها دبلان من الحزن والكسرة. أول ما أمي شافتني، لفت وشها الناحية التانية وقالت بـ جفاء: “جاي ليه يا حسن؟ جايبلي شروط مرتك وأهلها؟ ولا جاي تقولي إنك رميت أختك لـ البهدلة؟” قعدت تحت رجليها ومسكت إيدها اللي فيها السبحة وبستها: “جاي أبوس رجلك يا أمي، وأطلب رضاكي.. بس جاي أقولك كلمة حق يرضاها ربنا ورسوله.”

أمي زعقت وسحبت إيدها من إيدي: “حق إيه يا ابن بطني اللي يخليك تيجي على أختك؟” وقفت وقولت بـ حسم: “الشقة دي مش حقي يا أمي عشان أهادي بيها شيرين! دي شقة عبير وتعب أبوها اللي طفح الدم فيه، وإخواتها الرجالة واقفين وراها ومش هيسيبوا حق أختهم. حتى طه يا أمي.. طه مكلمني بـ نفسه ورافض تماماً ياخد حاجة مش بتاعته، وقاللي كرامتي متسمحليش أكون سبب في خراب بيت حسن. أختي شيرين على عيني، ورقبتي سدادة ليها..

الـ 500 ألف بتوع عبير مالناش دعوة بيهم، بس أنا معايا قرشين كنت شايلهم للزمن، وشيرين ليها في رقبتي شقة إيجار هدفع خلوها وإيجارها لأول سنة من معايا، وأنا وطه هنقف كتف في كتف لحد ما نجوزها بـ كرامتها ومن غير ما نبص لـ مال غيرنا.”

انت في الصفحة 2 من 6 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى