سابها بتنزف في المطبخ وراح يحضر عيد ميلاد أمه… وبعد يومين رجع عشان ياخد ابنه، لقى قوات من الجيش واقفة قدام العمارة. أول طلقة وجع جت لـ ندى عبدالرحمن وهي واقفة في مطبخ شقتها في مدينة نصر، ماسكة كباية مية في إيديها، ورجليها وارمة من الحمل، وكانت في الأسبوع الـ38. الوجع كان شديد لدرجة إن الكباية وقعت من إيديها. واتكسرت على سيراميك المطبخ. — يا كريم… قالت وهي حاطة إيديها الاتنين على بطنها… في حاجة مش طبيعية.
لكن كريم الشناوي حتى ما رفعش عينه من الموبايل. كان واقف قدام المراية بيظبط بدلته الكحلي، وحاطط برفانه، ومسرح شعره، ومستعد ينزل يحضر عيد ميلاد أمه الحاجة سهير اللي كانت عاملة حفلة كبيرة بمناسبة عيد ميلادها الستين. وكأن الدنيا كلها لازم تقف عشان المناسبة دي. جالها انقباض تاني… أقوى… وأوجع. سندت على رخامة المطبخ، وحاولت تاخد نفسها زي ما كانوا بيعلموها في كورس الولادة. لكن الإحساس ده ماكانش طبيعي.
الدكتورة دينا فؤاد كانت منبهة عليهم أكتر من مرة إن ضغط ندى عالي جدًا، وقالتلهم بمنتهى الوضوح: لو حصل وجع شديد، أو دوخة، أو نزيف، أو زغللة في العين… لازم تروحوا المستشفى فورًا، من غير أي تأخير. ندى بصت لجوزها وقالت بصوت متقطع: — أنا حاسة البيبي جاي… بالله عليك خدني المستشفى بسرعة. كريم اتنهد بضيق، كأنه طلبت منه يشيل جبل. وقال ببرود: — يا ندى… بلاش تبدأي دلوقتي. بصتله وهي مش مستوعبة. وشها كان شاحب، والعرق مغرقها، وجسمها كله بيرتعش.
قالت وهي بالعافية بتتكلم: — أنا مش بمثل… أنا بموت من الوجع. كريم أخد مفاتيح عربيته من على الترابيزة. وقال وهو خارج: — إنتي دايمًا لازم تبوظي أي مناسبة تخص أهلي. الكلمة دي وجعتها أكتر من وجع الولادة. لأنها ما كانتش أول مرة. من يوم ما اتجوزوا، كانت الحاجة سهير بتعامل ندى كأنها دخيلة على العيلة. كانت دايمًا تقول عليها: “البنت اللي لفت ابني حوالين صباعها.” مع إن ندى كانت محامية ناجحة، وبتصرف على نفسها، وما طلبتش من حد جنيه واحد.
لكن بالنسبة للحاجة سهير… ماكنتش أي ست تستحق ابنها. والأسوأ… إن كريم كان كل مرة يختار أمه. ندى قالت وهي دموعها نازلة: — ده ابنك إنت كمان… ابننا محتاجك.
سابها بتنزف في المطبخ وراح يحضر عيد ميلاد أمه… وبعد يومين رجع عشان ياخد ابنه، لقى قوات من الجيش واقفة قدام العمارة. أول طلقة وجع جت لـ ندى عبدالرحمن وهي واقفة في مطبخ شقتها في مدينة نصر، ماسكة كباية مية في إيديها، ورجليها وارمة من الحمل، وكانت في الأسبوع الـ38.
الوجع كان شديد لدرجة إن الكباية وقعت من إيديها. واتكسرت على سيراميك المطبخ. — يا كريم… قالت وهي حاطة إيديها الاتنين على بطنها… في حاجة مش طبيعية. لكن كريم الشناوي حتى ما رفعش عينه من الموبايل. كان واقف قدام المراية بيظبط بدلته الكحلي، وحاطط برفانه، ومسرح شعره، ومستعد ينزل يحضر عيد ميلاد أمه الحاجة سهير اللي كانت عاملة حفلة كبيرة بمناسبة عيد ميلادها الستين. وكأن الدنيا كلها لازم تقف عشان المناسبة دي. جالها انقباض تاني… أقوى… وأوجع.
سندت على رخامة المطبخ، وحاولت تاخد نفسها زي ما كانوا بيعلموها في كورس الولادة. لكن الإحساس ده ماكانش طبيعي. الدكتورة دينا فؤاد كانت منبهة عليهم أكتر من مرة إن ضغط ندى عالي جدًا، وقالتلهم بمنتهى الوضوح: لو حصل وجع شديد، أو دوخة، أو نزيف، أو زغللة في العين… لازم تروحوا المستشفى فورًا، من غير أي تأخير. ندى بصت لجوزها وقالت بصوت متقطع: — أنا حاسة البيبي جاي… بالله عليك خدني المستشفى بسرعة. كريم اتنهد بضيق، كأنه طلبت منه يشيل جبل.
وقال ببرود: — يا ندى… بلاش تبدأي دلوقتي. بصتله وهي مش مستوعبة. وشها كان شاحب، والعرق مغرقها، وجسمها كله بيرتعش. قالت وهي بالعافية بتتكلم: — أنا مش بمثل… أنا بموت من الوجع. كريم أخد مفاتيح عربيته من على الترابيزة. وقال وهو خارج: — إنتي دايمًا لازم تبوظي أي مناسبة تخص أهلي. الكلمة دي وجعتها أكتر من وجع الولادة. لأنها ما كانتش أول مرة. من يوم ما اتجوزوا، كانت الحاجة سهير بتعامل ندى كأنها دخيلة على العيلة.
كانت دايمًا تقول عليها: “البنت اللي لفت ابني حوالين صباعها.” مع إن ندى كانت محامية ناجحة، وبتصرف على نفسها، وما طلبتش من حد جنيه واحد. لكن بالنسبة للحاجة سهير… ماكنتش أي ست تستحق ابنها. والأسوأ… إن كريم كان كل مرة يختار أمه. ندى قالت وهي دموعها نازلة: — ده ابنك إنت كمان… ابننا محتاجك. جاء صوت حازم وقور، فيه هيبة السنين والمناصب: — السلام عليكم.. أيوة يا ندى يا بنتي. المسعف أخد نفس طويل وقال بسرعة:
— معاليك أنا مسعف.. صاحبة التليفون المدام ندى أحمد عبد الرحمن في حالة حرجة جدًا، نزيف ولادة وانفصال مشيمة، وإحنا حاليًا في الطريق لمستشفى الدمرداش. الناحية التانية، التليفون كان هيقع من إيد اللواء أحمد عبد الرحمن. الراجل اللي قاد عمليات وواجه أزمات هزت بلد، حس إن رجليه مش شايلاه. مفيش ثانية واحدة ضاعت، صوت نبرته اتحول لـ “أمر عمليات”: — مسافة السكة.. خمس دقايق وهكون هناك. قفل الخط وكلم السائق بتاعه وصوته بيرتعش لأول مرة: “اطلع على الدمرداش بأقصى سرعة يا ابني.. بنتي بتموت”.
في نفس الوقت ده، كانت قاعة الحفلات في التجمع الخامس منورة، وصوت الأغاني عالي، والحاجة سهير واقفة في وسط المعازيم بفستانها الدهبي، بتستقبل التهاني بمناسبة عيد ميلادها الستين. كريم كان واقف جنبها، ماسك كباية العصير وبيضحك، وكل شوية يلمس تليفونه في جيبه.. الشاشة بتنور “32 مكالمة فائتة من ندى”، ووراها رسائل صوتية. كريم اتنحنح وبص للموبايل وقال في نفسه بضيق: “برضه بتدلع عشان تبوظ الليلة.. مش هرد عليكي يا ندى لما أرجعلك”. أمه لفت وشها ليه وقالت بنبرة فيها كبرياء:
— منور يا كيمو يا حبيبي.. سيبك من التليفون وخليك معايا، الناس كلها بتبص عليك.. أمال فين المحامية بتاعتك؟ مجتش ليه؟ كريم ابتسم بتكلف وقال: — تعبانة شوية يا أمي في البيت.. سيبك منها دلوقتي، المهم اتبسطي إنتي. في المستشفى، كانت الممرات بتشهد حالة طوارئ مش طبيعية. ندى دخلت أوضة العمليات، والدكتورة دينا فؤاد استدعوها من بيتها وجت بتجري. النزيف كان شديد وضغط ندى واطي جدًا، لدرجة إن ضربات قلب الجنين بدأت تقل. الدكتورة صرخت في الممرضين: “بسرعة.. بنك الدم يبعت فصيلة (O-) فورًا.. لازم نفتح حالا عشان ننقذ الطفل والأم”.
بعد عشر دقائق، وصل اللواء أحمد عبد الرحمن. دخل المستشفى بهيبته، وراه طقم الحراسة بتاعه، ووشه خالي تمامًا من التعبيرات، لكن عينيه كان فيها شرار. سأل عن أوضة العمليات وطلع جري. وقف قدام الباب، لقى المسعف اللي جابها لسه واقف، وفي إيده تليفون ندى المحطم وعليه آثار الدم. اللواء أحمد قرب من المسعف، أخد منه التليفون، وبص للبقع الحمراء اللي عليه، وسأل بصوت متحشرج: — جوزها فين؟ كريم الشناوي فين؟ المسعف طأطأ راسه وقال بخوف:
— يا فندم، إحنا لما دخلنا الشقة كانت لوحدها تمامًا.. الشقة كانت مقفولة وهي كانت زاحفة لحد الباب، ومكنش معاها أي حد. الكلمة نزلت على اللواء أحمد كأنها طلقة. بنته.. محاميته الناجحة، الطفلة اللي كبرها على الغالي، تتساب بتموت في بركة دم لوحدها عشان جوزها يروح حفلة؟ مسك تليفونه وطلب رقم كريم. في القاعة، التليفون رن في جيب كريم.. شاف اسم “حمايا اللواء أحمد”.. كريم حس بقرصة في قلبه، وطلع برة القاعة بسرعة ورد بصوت مهذب:
— أيوة يا سيادة اللواء.. مساء الخير.