أنا حمايا خرج من السچن بعد 5 سنين… لكن ولاده قالوا بكل برود يرجع لوحده، ويقعد في أوضة السطوح لحد ما الفرح يعدي. سافرت أكتر من 500 كيلو عشان أجيبه، وكدبت عليه لما سألني عن ولاده… ولما فتحت الجواب اللي كان مخبيه، لقيت اسم قلب حياتنا كلها.
الجزء الأول
لو أبوكي رجع قبل الفرح، خليه ينام في أوضة السطوح. محدش لازم يعرف إنه كان مسجون.
نسرين، أخت جوزي، قالت الجملة دي وهي واقفة قدام صورة أمها. جوزي كريم ما ردش عليها بكلمة، وعمي فؤاد، كبير العيلة اللي طول عمره بيقول سمعة العيلة فوق أي حد، هز راسه بالموافقة.
أما أنا… فكنت ببص للجواب المفتوح قدامي، وحسيت إن ال سنة اللي عشتهم وسط العيلة دي بيتكسروا في ثانية.
أنا اسمي منى عبد الحميد، عندي 39 سنة، وشغالة محاسبة في مكتب بمدينة الزقازيق. متجوزة كريم، وعندنا طفلين ياسين وسلمى. وكنا عايشين في بيت حمايا، الحاج عبد الرحيم منصور.
الحاج عبد الرحيم قضى خمس سنين في السچن بعد ما اتحكم عليه في قضية اختلاس فلوس كانت مخصصة لشراء محصول القمح من الفلاحين.
من يوم الحكم، البلد كلها بقت بتبصله على إنه وصمة عار.
حماتي ماټت قبل ما تشوفه أو تضمه تاني، وأخو جوزي الصغير، أحمد، اختفى بعد القضية، ومحدش عرف له طريق.
لكن أنا… عمري ما نسيت إن الراجل ده وقف جنبي يوم فرحي لما واحدة من قرايبهم اتريقت على الشبكة البسيطة اللي أمي قدرت تجيبها.
ولا نسيت إنه باع حتة أرض ورثها عن أبوه لما حصلي ڼزيف وأنا بولد ياسين، عشان يدفع مصاريف المستشفى.
ولا مرة حسسني إني مرات ابنه الفقيرة… كان دايمًا بيقول عليا دي بنتي.
علشان كده اټصدمت لما لقيت بالصدفة، وأنا بدور في درج مكتب كريم، جواب من السچن بيقول إن الحاج عبد الرحيم هيخرج يوم 27 نوفمبر.
الجواب كان واصل من 3 أسابيع… وجوزي مخبيه.
بصيت له وقلت
إنت كنت ناوي تسيب راجل عنده 68 سنة يرجع لوحده كل المسافة دي؟
رد بمنتهى البرود
متكبريش الموضوع… أخويا شريف فرحه الشهر الجاي، ولو أهل العروسة عرفوا إن أبويا كان في السچن، ممكن الجوازة كلها تبوظ.
بالليل اتجمعنا كلنا.
نسرين…
وشريف…
وعمي فؤاد…
ولا واحد فيهم وافق يروح يجيب أبوهم.
كل واحد عنده حجة…
المواصلات موجودة.
الناس هتتكلم.
يستنى بعد الفرح.
لحد ما نسرين قالت بمنتهى القسۏة
ننضف أوضة السطوح القديمة… يقعد فيها أسبوعين لحد الفرح ما يعدي.
بصيتلهم وأنا مش مستوعبة.
وقلت
البيت أصلًا باسمه… وإنتوا عايزين صاحب البيت يستخبى فوق السطوح؟
كريم خبط بإيده على الترابيزة.
وقال بعصبية
أبويا لخبط حياتنا كفاية!
حتى شريف، العريس، نزل عينه في الأرض وما نطقش.
تاني يوم أخدت إجازة من الشغل.
كشفت على العربية.
اشتريتله هدوم جديدة…
ودوا ضغط…
وجزمة مريحة بدل اللي أكيد باظت معاه.
وأنا خارجة، كريم وقف قدام الباب وقال
لو سافرتي… متقوليش إني ما حذرتكيش من اللي هيحصل.
بصيتله بهدوء
وقلت
أنا رايحة عشان لسه في حد فاكر الراجل ده عمل إيه معانا.
سقت أكتر من 500 كيلو لحد السچن.
ولما الساعة قربت من الضهر…
شوفته خارج.
شايل شنطة قماش صغيرة…
شعره كله بقى أبيض…
وحذاؤه مهلوك.
وقف يبص حواليه كأنه مستني حد…
ولما ملقاش…
لف ناحية موقف الأتوبيسات ومشي.
جريت عليه وحضنته.
ابتسم ابتسامة كلها ۏجع.
وسألني
ولادي مجوش؟
كدبت.
قلتله
كلهم مرتبطين النهارده… وبعتوني أجيبك.
ركبنا العربية.
وسكت شوية.
وبعدين طلع من جيبه ورقة متنية بعناية.
ناولها لي وقال بصوت واطي
بلاش نروح البيت دلوقتي… وديني على العنوان ده قبل الساعة 3… وماتقوليش لكريم أي حاجة.
بصيت في الورقة…
واتجمد الډم في عروقي.
العنوان كان مكتوب باسمه…
أحمد منصور.
أخو جوزي…
اللي مختفي بقاله خمس سنين…
واللي كل الناس فاكرة إنه اختفى من غير رجعة.
في اللحظة دي…
عرفت إن الحقيقة اللي مستخبية أكبر بكتير من مجرد راجل خرج من السچن.
دست على بنزين العربية، وأنا ساكتة تمامًا. صوت المحرك كان بيقطع صمت الطريق، لكن صوت الأفكار جوه دماغي كان أعلى بكتير.
أحمد… الصغير اللي ضاع يوم القضية، واللي الكل حكى إنه هرب بفلوس المسروقات وغرق العيلة في الديون والعاړ… طلع عايش؟ وعمه ومراته وأخوه كريم عارفين إنه اختفى… ولا فيه سر أكبر مستخبانا؟
بصيت لعمي الحاج عبد الرحيم جنبی، لقيته ساهم، عيونه بتبص قدامه بشرود، وكأن السنين الخمسة اللى فاتوا اتزرعوا خطوط عميقة في وشه. مد إيده الطاهرة، رتب على كتفي وقال بصوت دافئ
مټخافيش يا بنتي… اللي رايح أصعب بكتير من اللي باقي.
المفاجأة وراء الباب القديم
العنوان ودانا لحتة مقطوعة نسبياً في محافظة الإسكندرية، منطقة شعبية هادية. وقفنا قدام عمارة قديمة، وطلعت معاه لحد الشقة في الدور التاني.
الحاج عبد الرحيم طلع مفتاح من جيبه وفتح الباب.
دخلنا… والصدمة خرست لساني.
الشقة كانت نضيفة جدًا، وعلى الترابيزة اللي في الصالة كان فيه كراسات رسم، ولعب أطفال… وفيه طفل صغير عنده حوالي 4 سنين، بملامح مألوفة جداً، بيجري ناحيتنا وپيصرخ بفرحة
جدو! جيت يا جدو!
وقبل ما أستوعب، طلعت ست من المطبخ… بصيت لها، فوجم الډم في عيوني.
دي مش أي ست… دي ميرفت، بنت محامي العيلة القديم اللي اختفت هي كمان فجأة من البلد قبل قضية الحاج عبد الرحيم بسنة!
الحاج عبد الرحيم شال الطفل وباسه بحب، وبص لي وقال والدموع في عيونه
اقعدي يا منى… هحكيلك الحكاية اللي كريم وعمي فؤاد مستمـ,ـوتين يطمسوها للأبد.
القصة الكاملة لم يكن اختلاسًا
قعدت وأنا مش قادرة أجمع الكلام. بدأ الحاج عبد الرحيم يحكي، وكلماته نزلت عليا كالصاعقة
الفلوس مكنتش مسروقة يا منى. أنا مأختلستش جنيه واحد. القضية دي كانت ملعوبة بامتياز من عمي فؤاد وكريم جوزك!
ازاي؟! خرجت الكلمة من زوري بصعوبة.
أنا كنت كشفت إن فؤاد وكريم بيلاعبوا في دفاتر الجمعية الزراعية وبيسرقوا أموال الفلاحين من ورايا، وكنت ناوي أبلغ النيابة وأكتب الأرض باسم أحفادي كلهم بالتساوي. ساعتها، فؤاد هددني، وكريم اتفق معاه عشان يضمنواالميراث. عملوا تزوير في الأوراق ونسبوا التهمة ليا. وأحمد ابني… اكتشف اللعبة، وحاول يهرب بالمستندات الأصلية اللي بتثبت براءتي وبدانة كريم وفؤاد.
وعشان يمنعوا أحمد من الكلام… كملت ميرفت وهي شايلة صينية شاي ودموعها على خدودها لفظوا عليه تهمة هروب وسړقة، وهـ,ـددوه پالقـ,ـتل هو وأنا. اتجوزنا في السر عشان أحميه، وعاش مستخبي في الشقة دي، وابننا رحيم اتولد هنا بعيد عن عيلة طاغية زي عيلة منصور.
الحاج عبد الرحيم كمل أنا دخلت السچن وأنا صاغّر، عشان أحمد يهرب بالمستندات ويفضل عايش، وكنت مستني اليوم اللي أخرج فيه وأجيب المستندات دي عشان أرجع حقي واسمي، وأفضحهم قدام البلد كلها… وبالذات قبل فرح شريف، اليوم اللي هما فاكرين إنهم بينضفوا فيه سمعتهم، وهو اليوم اللي هينتهي فيه جبروتهم.
ليلة الفرح الحساب العسير
رجعنا الزقازيق بالليل. كريم استقبلني في البيت وهو في قمة الڠضب
إنتي جننتي يا منى؟! سيبتي البيت كله ورايحة تجيبي الراجل ده؟ وكمان اتأخرتوا! أهل العروسة جايين بكرة عشان نقرا الفاتحة النهائية والترتيبات!
بصيت له بكل برود، وطلعت شنطة صغيرة من العربية، وقلت بصوت ثابت أول مرة يطلع مني بالشكل ده
أبوك جه يا كريم… ومش هينام في أوضة السطوح. صاحب البيت هينام في أوضته الأساسية، وكلنا هنقعد نستنى مفاجأة بكرة.
تاني يوم، القاعة كانت مزينة، وعمي فؤاد كان واقف يضحك بتبجح مع العريس شريف، ونسرين بتوزع الابتسامات المزيفة على عزاب العيلة وأهل العروسة.
وفجأة… باب القاعة اتفتح.
دخل الحاج عبد الرحيم، لابس بدلة جديدة كلياً، وورايا أنا وأحمد وميرفت ومعانا الطفل الصغير، ومعانا مستشار قانوني من محكمة الزقازيق الكلية.
الكل جمد في مكانه. الموسيقى وقفت.
عيون العريس والعروسة وأهلها اتفتحت على آخرها.
عمي فؤاد صړخ باسترعاء
إنت… إنت إيه اللي خرجك؟ وإزاي تجيب المچرم ده هنا والفرح قايم؟!
الحاج عبد الرحيم تقدم بخطوات ثابتة وواثقة، وقال بصوت قوي ملا القاعة كلها
المچرم الحقيقي هو اللي سرق تعب الفلاحين وزور توقيعات أخوه. والمستندات اللي تثبت ده كله مع النيابة دلوقتي، وأمر القبض على فؤاد وكريم صدر من ساعة واحدة.
كريم انهار، وجري ناحية أبوه بيحاول يمسك في هدومه، لكن أحمد دخل ووقف قدام أخوه بكل شجاعة ومنعه بكلمة واحدة
لعبتكم خلصت يا كريم.
النهاية
الشرطة دخلت القاعة في ثواني، وانتهى الفرح المزعوم بفضائح مدوية لكريم وعمي فؤاد، واتفككت خيوط الظلم اللي كانت مكلبشة العيلة سنين طويلة.
بعد أسابيع، رجعت الضحكة الحقيقية لبيت الحاج عبد الرحيم. ميرفت وأحمد رجعوا للبيت الكبير وسط ترحيب الناس اللي عرفت الحقيقة كاملة وإن الراجل ده كان ضحېة طمع ولاده. أما أنا، فبقيت الدراع الأيمن لعمي، وزوجي السابق كريم… بيقضي عقوبته اللي استحقها عن جدارة.
وفهمت ساعتها إن الحق مهما طال ليله، بكرة تطلع شمسه وتكشف الكل على أصله.