رغم إن حماتي اعتذرت وباست رأسي قدام جوزي وأخوه، ورغم إن النية كانت تبان إنها صفيت، إلا إن القلوب لما بتنجرح وتتظلــ,,ـــــم سنين مش بسهولة بترجع زي الأول في يوم وليلة. عدت أسابيع، والحياة ظاهرياً كانت هادية. ضرتي رجعت بيتها بعد ما أهلها اتدخلوا وصالحوها على جوزها، بس العلاقة بيني وبينها بقت شبه مقطوعة، مفيش غير السلام بالعافية. كانت شايفاني أنا السبب في الفضيحة اللي حصلت لها وفي العاصفة اللي هزت بيتها، مع إنها هي اللي قبلت الظلــ,,ـــــم وسكتت عنه عشان مصلحتها.
لحد ما جه اليوم اللي حماتي قررت تعمل فيه عزومة كبيرة بمناسبة سبوع ابن أختها، والعيلة كلها كانت معزومة. جوزي قبل ما ننزل قاللي: “لو حسيتي بأي حاجة ضايقتك، عرفيني فوراً ونمشي.. أنا مش هسمح بكرامتك تتأثر تاني.” أول ما دخلنا الشقة، كان فيه حالة من الترقب. الناس كلها كانت بتبصلي بنظرات فيها فضول، كأنهم مستنيين يشوفوا إيه اللي هيحصل على السفرة النهاردة، وهل “قائمة اللحمة” انتهت فعلاً ولا لسه فيه كواليس؟
حماتي استقبلتني بترحاب شديد، وكانت بتحاول تبين قدام الكل إنها بتحبني وتهتم بيا. قعدنا، ولما جه وقت الغدا، السفرة اتملت من خيرات ربنا. حماتي وقفت بنفسها مسكت معلقة التقديم، وبصت للناس كلها وقالت بصوت عالٍ: “النهاردة بقى، الطبق دا بتاع مرات ابني الغالية.. أحسن وأطعم حتة لحمة ليها هي بالذات، عشان أرد لها اعتبارها قدام الكل.” مسكت طبق كبير، وحطت فيه أشكال وألوان من اللحمة والريش، وحطته قدامي بثقل. الناس قعدت تضحك وتهزر ويقولوا: “خلاص بقى يا أختي، الصلح خير ومفيش شوربة النهاردة!”
لكن أنا، وبمجرد ما بصيت للطبق، حسيت بنغزة في قلبي. الحركة مكانتش تبان إنها حب بقدر ما كانت محاولة لإحراجي قدام القرايب وتوصيل رسالة مخفية إنني “بتاعة أكل” وإن كل المشكلة كانت عشان حتة لحمة، مش عشان المبدأ والعدل والإهانة. ضرتي كانت قاعدة قصادي بتبصلي بنظرات تشفي، وكأنها بتقوللي بينها وبين نفسها: “أهو أديكي أخدتي اللحمة اللي كنتِ همــ,,ـــــوتِ عليها.” جوزي لاحظ نظرات الناس والهمس اللي بدأ يدور على الترابيزة. مسك إيدي تحت السفرة وسألني بضيق: “أنتِ كويسة؟”
رديت عليه بابتسامة هادية جداً، وقمت وقفت مسكت الطبق المليان باللحمة اللي حماتي حطتهولي، ومشيت بيه ناحية ضرتي، وحطيت الطبق قدامها بالراحة.
السفرة كلها سكتت تماماً، وحماتي اتسمرت مكانها وبصتلي بدهشة: “إيه اللي بتعمليه دا يا بنتي؟ دا طبقك أنتِ!” بصيت لحماتي ولقرايبها المظلومين والمظلومات اللي قاعدين، وقولت بكل ثبات وكرامة: “يا طنط، أنا لما زعلت الخمس سنين اللي فاتوا، مكنتش زعلانة عشان حرمان أكل ولا عشان حتة لحمة نفساني فيها.. الأكل موجود في بيت أهلي وفي بيت جوزي وبنعمة ربنا شبعانين. أنا كان زعلي على التفرقة وعلى المعاملة اللي فيها إهانة، وعلى إن البيت دا مكنش فيه عدل.”
وكملت وأنا ببتسم لضرتي: “أنا مش محتاجة أثبت لحد إنني أخدت حقي بطبق أكل زيادة، اللحمة دي حلال على اللي محتاجها، لكن أنا كفاياني إن الحق بان وكرامتي اتردت، والعدل هو اللي ينور السفرة دي مش الكوميديا اللي بتحصل.” الكلمات نزلت على حماتي زي الصاعقة. الوشوش كلها اتغيرت، والناس اللي كانت جاية تتفرج وتتضحك بقت بتبصلي باحترام شديد، لأنهم فهموا إن الموضوع أعمق بكثير من مجرد عزومة وأكل. حماتي قعدت على الكرسي ومش قادرة تتكلم، وأخو جوزي الكبير بص لمراته وقالها: “اتعلمي منها العزة والكرامة!”
جوزي قام وقف جنب مني، وبص لأمه وللكل وقال: “مراتي عندها حق.. الكرامة مش بتباع ولا بشتري بطبق لحمة، والعدل لازم يكون طبع مش تمثيلية قدام الناس.” حماتي حسّت إن كل المحاولات اللي عملتها عشان تطلع هي الضحية وأنا المفترية فشلت، وإن السحر انقلب على الساحر للمرة التانية. وقبل ما حد ينطق بكلمة ثانية، تليفون جوزي رن برقم غريب، ولما رد، ملامح وشه اتقلبت 180 درجة وقالي بصوت مرعوب: “البيت بتاعنا…!” جوزي اتسمر مكانه والتليفون على أذنه، وشه اتخطف ولونه بقى أبيض زي الطباشير. الصالة كلها سكتت، وبقت النظرات كلها متوجهة ليه مستنيين يفهموا فيه إيه.
رد بصوت بيترعش: “يعني إيه الحــ,,ـــــريقة مسكت في المطبخ؟ الشقة مولعة؟” الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة. نسيت اللحمة، ونسيت حماتي والعزومة والسفرة، ومبقتش شايفه قدامي غير شقتنا وشقا عمرنا اللي بيتأكل في النــ,,ـــــار. قمت وقفت من غير ما أحس، وجوزي شد إيدي وجرينا على بره زي المجانين، ومن ورانا أخوه وحماتي والناس كلها بتجري وراهم حالة ذهول.
طول الطريق وأنا بدعي ربنا وددموعي نازلة على خدي. نوصل الشقة نلاقي المطافي واصلة، والدخان طالع من شبابيك المطبخ والصالة. الجيران كانوا ملمومين، والمنظر كان يرعب أي حد.
بعد ساعة كاملة من التوتر والخوف، رجال المطافي قدروا يسيطروا على الحــ,,ـــــريق قبل ما يأكل بقية الشقة، لكن المطبخ والجزء الأمامي من الصالة كانوا متفحمين تماماً. وقفنا أنا وجوزي وسط الرماد والدخان، حافيين وبنبص على تعب سنين وهو بيروح في لحظة بسبب ماس كهربائي في المطبخ. جوزي قعد على الأرض وحط إيده على رأسه وهو مش قادر ينطق، ومكسور من اللي حصل.
في اللحظة دي، حماتي دخلت الشقة وهي بتلهث من كتر الجري والصعود على السلم. بصت على الخراب اللي في البيت، وبعدين بصتلي أنا وجوزي. ولأول مرة من يوم ما دخلت البيت دا، أشوف حماتي بتتحرك بقلب أم حقيقي مش بتمثيل ولا عشان كلام الناس. قربت من جوزي، رفعت رأسه وبستها، وقالتله وهي بتعيط بحــ,,ـــــرقة: “فداكم يا بني.. الفلوس والحيطان تروح ويجي غيرها، المهم إنكم بخير وأنتوا الاتنين واقفين على رجليكم.”
وبعدين التفتت ليا، مسكت إيدي الاثنين بقوة، وقالتلي بصوت كله ندامة وكسرة: “يا بنتي.. يمكن ربنا بيعدل الموازين وبيفوقنا كلنا. البيت دا بيتك، والشقة دي هترجع أحسن من الأول وعلى حسابي أنا وأخوك. تعالي معايا يا بنتي، بيتي مفتوحلكوا ومش هتمشوا من عندي غير ورأسكم مرفوعة.” ضرتي كانت واقفة ورا عند الباب، بتبص على المشهد وهي حاسة إن الأيام دارت بجد، وإن ربنا أظهر معادن الناس في أوقات الشدة.
أنا بصيت للشقة المحروقة، وبعدين بصيت لحماتي اللي كانت بتترجاني بعيونها عشان أسامحها وأروح معاها، وحسيت إن الحــ,,ـــــريقة دي رغم قسوتها، أكلت معاها كل الغل والتمييز والظلــ,,ـــــم اللي كان مدفون في القلوب، لكن السؤال اللي كان شاغل بالي وأنا داخلة بيت حماتي تاني عشان أعيش فيه موقتاً: هل حماتي تغيرت بجد من قلبها بعد النكبة دي؟ ولا وجودي تحت سقفها الأيام الجاية وهي شايفاني مكسورة وهي اللي بتصرف على تصليح بيتي، هيرجع التحكم والقهر القديم تاني بأسلوب جديد؟
عدت الأيام الأولى في بيت حماتي، وكنت محبوسة جوه ترقب شديد. كنت مستنية اللحظة اللي هيرجع فيها الطبع القديم يغلب التطبع، أو تعايرنا في السر بالبيت اللي اتخرب وبمصاريف التصليح. لكن الموقف المره دي كان مختلف تماماً عن كل المرات اللي فاتت.
الحــ,,ـــــريقة مأكلتش بس المطبخ والصالة، الحــ,,ـــــريقة أكلت الغرور والقسوة اللي كانت جوه قلب حماتي.
شفتاها بنفسي وهي بتنزل مع جوزي الصبح بدري، تتابع العمال وصنايعية المحارة والكهرباء، وبتدفع من دهبها وفلوسها الخاصة عشان ترجع الشقة أحسن من الأول، من غير ما تمنّ علينا بكلمة ولا تحسسنا بجميل. وفي البيت، كانت بتحاول بطرق بسيطة تعالج شرخ الخمس سنين؛ كانت تصحى تعمل الأكل بنفسها، وتقعدني يرتاح، وتحط الأكل قدامي وهي بتقول: “كلي يا بنتي عشان صحتك وصحة ابنك اللي جاي، أنتِ شيلتِ كتير وكتمتِ في قلبك كتير.”
ضرتي، اللي كانت فاكرة إن وجودي في البيت هيكون فرصة عشان تتشفى فيا، لقيت نفسها في موقف بائس. المعاملة اتغيرت 180 درجة، والعدل بقى هو الأساس. لما حاولت في مرة تلمّح لكلام يضايقني، حماتي وقفت لها بكل حزم وقالت لها قدام الكل: “اللي يمس كرامة مرات ابني الصغير بكلمة، كأنه مس كرامتي أنا.. البيت دا مفيش فيه مظلوم تاني.” وبعد شهرين من الشغل والتعب، خلصت الشقة ورجعت أحسن مما كانت بمراحل.
في يوم الرجوع، جمعت حماتي العيلة كلها في بيتها قبل ما نطلع شقتنا. وقفت وسطهم ومسكت إيدي وإيد جوزي، وقالت بصوت مسموع للكل: “أنا النهاردة مش بس بسلمكم مفتاح شقتكم.. أنا بطلب من ربنا ومن مرات ابني يسامحوني على كل لحظة فرقت فيها أو ظلــ,,ـــــمت. الشدة كشفتلي مين الأصيل اللي بيصون البيت ومين اللي بيجري ورا مصلحته.” طلعت شقتي وأنا حساني خفيفة، مش شايلة من حد ولا حاسة بمرارة. اتعلمت إن الحق ممكن يتأخر، والسكوت والصبر مش ضعف لما يكون وراهم عزة نفس وكرامة.
بقيت أدخل بيت حماتي وأنا مرفوعة الرأس، مش عشان أكلت لحمة ولا أخدت حقي بالأكل، لكن لأن العدل أخيرًا دخل البيت دا، وطبق الشوربة اللي كان رمز للإهانة.. بقى هو الذكرى اللي فكرت الكل إن الظلــ,,ـــــم عمره ما يدوم.