لكلمة نزلت على راسنا كلنا زي المية المغلية: “لازم تسافر الفجر يا إما هتمــ,,ـــــوت”. الصالة اتجمدت تماماً، حتى صوت عياط آدم اللي كان طالع من ورا الباب كأنه هدي فجأة وبقى وشيش خفيف، كأنه كان بيسمع الكلام من ورا الخشب. طارق رفع عينه لأمه بنظرة مفيهاش أي خوف من المـ،،و،تـــ،ـ، عينه كانت باردة، باصة على باب أوضة ابنه المقفول برزعته اللي لسه بترن في الحيطان. هز راسه ببطء شديد وقال بنبرة هادية بس قاطعة:— مش مسافر يا أمي.
مريم صرخت صرخة مكتومة وضــ,,ـــــربت على صدـ,,ـــرها:— أنت اتجننت يا طارق؟! الدكاترة قالوا إن التجلط اللي ضاغط على النخاع الشوكي وقريب من شرايين المخ بيزيد، لو ما اتفتحتش في ظرف 48 ساعة هيحصل نـ،،ز،يـــ،ـف داخلي ومش هتلحق! بقالك عشر سنين بتستنى الفرصة دي عشان تقف على رجلك، ودلوقتي لما يجي ميعادها ترفض؟! طارق مسك الكرسي ولف وشه ناحيتي، عينيه كانت غرقانة دموع بس ثابتة:— أقف على رجلي عشان أروح فين يا أمي؟
أعيش عشان إيه؟ أنا عشت عشر سنين ميـ،،تـــ،، ولما ربنا رد فيا الروح وشوفت ابني، دخلت عليه كسرت قلبه وخليته يصرخ في وش جدته اللي ربته! لو همــ,,ـــــوت، همــ,,ـــــوت هنا… قدام بابه، وهو عارف إني مهربتش منه تاني، مستحيل أركب طيارة وأسيبه فاكر إني راجل ندل اتخلى عنه وعن أمه! قربت منه، حسيت بوجع الأم اللي جواه، الوجع ده كواني أنا قبله، مسكت إيده بقوة وقولتله بحزم:— هتقوم وتسافر يا طارق.
بصلي بذهول، كملت وأنا بضغط على صوابعه الباردة:— سارة مـ،،ا،تـــ،ـت وهي بتولد عشان تخرّج الروح دي للدنيا، سارة ضحت بحياتها وسمعتها عشانك وعشان ابنها، تيجي أنت تضيع نفسك بغباء وتقول أمــ,,ـــــوت؟! أنت فاكر إن آدم لو صحي الصبح وعرف إن أبوه مـ،،ا،تـــ الليلة دي هيرتاح؟ أنت كده بتكتب عليه يتم مرتين! بتديله ذنب يعيش بيه طول عمره ويقول أنا اللي قولتله مش عايزك فمـ،،ا،تـــ بسببي! طارق انهار ودفــ,,ـــــن وشه بين كفيه، كتافه كانت بتتهز بنحيب يقطع نياط القلب:— مش قادر أمشي وهو كارهني يا حاجة…
مش قادر، كلامه بيقطع في لحمي، معاه حق في كل كلمة، أنا أب عاجز مكنتش موجود لما احتاجني. مشيت بخطوات بطيئة ناحية أوضة آدم، وقفت قدام الباب، مديت إيدي وحطيت كفي على الخشب، حسيت بيه قاعد ساند ضهره على الباب من جوه. اتكلمت بصوت حنين وواطي، الصوت اللي كان بيهديه وهو طفل لما يصحى مفزوع من كابوس:— آدم يا حبيبي… افتح لتيتة. مردش، بس سمعت صوت شهقة صغيرة. — آدم… أنا عمري ما كدبت عليك، لما قولتلك معرفش مكان أبوك، كنت صادقة، طارق مكنش يعرف إنك في الدنيا، وجده الشرير هو اللي حك على الكل وفرّقكم.
..
أبوك عمل حـ،،ا،د،ســـ،ـه عشان يوصل لمامتك، ودلوقتي هو قدامه ساعات ويسافر يعمل عملية خطيرة أوي في راسه وضهره، عملية ممكن ميرجعش منها… هو مش عايز يسافر، عايز يقعد هنا عشانك، بس لو قعد… هيمــ,,ـــــوت يا آدم. مامتك سارة سايباهولك أمانة زي ما سابتك ليا، هتقبل تضيّع أمانة مامتك؟ السكوت رجع تاني للصالة، مرت دقيقة، اتنين، تلاتة… طارق كان حابس أنفاسه، عينه متبتة على مقبــ,,ـــــض الباب، مريم كانت بتدعي وتتحسبن وهي بتبوس سجادة الصلاة اللي فرشتها في الركن.
وفجأة… طقطقة المفتاح لفت جوه الكالون. الباب اتفتح ببطء شديد، وظهر آدم. عينيه كانت منفوخة وحمرا، وخدوده مخططة بالدموع، كان ماسك في إيده السلسلة الفضة بتاعة سارة، والدلاية اللي على شكل قلب كانت بتلمع في كفه الصغير. آدم مطلعش من الأوضة، وقف على العتبة، باصص لطارق اللي الكرسي بتاعه كان على بعد مترين منه. طارق حاول يبتسم، شفايفه كانت بتترعش ومش قادر ينطق، خايف أي كلمة تطرد الولد تاني جوه الأوضة.
آدم مشي خطوة… خطوة تانية… لحد ما وصل قدام الكرسي المتحرك، رفع عينه في عين طارق، وسأله بصوت طفولي موجوع:— هو أنت… بجد كنت بتحب ماما؟ طارق نزل راسه لمستوى آدم، مد إيديه الاتنين وحاوط كتاف ابنه الصغير، ولمس وشه بحنية الدينا كلها:— كانت روحي يا آدم… وأنت حتة من روحها، أنا عشت السنين دي كلها عشان اللحظة دي بس، عشان أقولك إني فخور بيك، وإنك أحسن حاجة حصلت في عمري.
آدم بص للسلسلة اللي في إيده، وبعدين مد إيده وحطها في رقبة طارق، صوابعه الصغيرة قفلت القفل بتاع السلسلة:— ماما كانت بتسيبلك دي… عشان ترجعلك. أنت لازم تسافر وتعمل العملية، وتخف وترجعلي على رجلك، عشان تلعب معايا كورة زي ما الآباء بيعملوا. طارق مقدرش يستحمل أكتر من كده، شد آدم لحــ,,ـــــضنه بكل ما فيه من قوة متبقية، وآدم دفــ,,ـــــن راسه في رقبة أبوه وبدأ يعيط بصوت عالي، عياط سنين الحرمان والخوف والأسئلة اللي ملهاش إجابة، وأنا ومريم كنا واقفين بنبكي في صمت، صمت امتزجت فيه النهاية بالبداية. الساعة كانت داخلة على اتنين بالليل.
مريم بصت في ساعتها برعب وقالت بصوت مرتعش:— طارق… عربية الإسعاف المجهزة اللي هتنقلك للمطار تحت، الطيارة الخاصة الإقلاع بتاعها الساعة أربعة الفجر، مفيش دقيقة نضيعها. طارق فك الحــ,,ـــــضن بصعوبة، باس جبين آدم مية مرة، وباس إيدي وأنا بساعده يظبط قعدته ع الكرسي، بص لآدم وقاله:— هرجعلك يا بطل… والله العظيم هرجعلك ماشي على رجلي، وهكون الأب اللي تستحقه. نزلنا معاه لحد عربية الإسعاف تحت العمارة، آدم كان ماسك إيدي جامد وواقف يلوح بإيده وهو بيشوف باب العربية بيتقفل على أبوه، طارق كان باصص من الإزاز وراسم ابتسامة وسط دموعه، والعربية اتحركت مسرعة وسابت وراها سكون الفجر البارد.
طلعنا الشقة، آدم نام من كتر التعب والعياط في حــ,,ـــــضني وهو ماسك في كراسة الرسم بتاعته. مرت ساعات الصبح تقيلة ومملة، وبعدها مرت أيام زي السكاكين، مريم سافرت وراه وكانت بتطمنا كل شوية بمكالمات سريعة. لحد ما جه اليوم الموعود… اليوم التالت للعملية، التليفون رن في نص الليل. جريت على التليفون، رفعت السماعة وإيدي بترتعش:— ألو… مريم؟! صوت مريم جه من ورا السماعة، بس مكنش صوتها الطبيعي… كان صوت بينهج، مشوش، وفيه صوت أجهزة إنذار مستشفى بتصفر في الخلفية بشكل مرعب، وقالت بصوت بيصرخ ومكتوم:— الحقيني يا أم سارة…
العملية خلصت من ساعتين، بس حصل مضاعفات في المخ، طارق قلبه وقف والدكاترة بيحاولوا ينعشوه ومش عارفين هيفوق ولا لأ! الجملة نزلت على ودني زي الصاعقة، صوت صفير أجهزة العناية المركزة في الخلفية كان بيخترق السماعة كأنه سكاكين بتقطع في صدـ,,ـــري: “طارق قلبه وقف والدكاترة بيحاولوا ينعشوه ومش عارفين هيفوق ولا لأ!”. — مريم! الو! مريم ردي عليا! قولي إنه عايش! مريم!! الخط قطع فجأة، ومفضلش غير صوت التوتة السريعة الباردة.
رجعت خطوتين لورا ورجلي خارت تحتي، قعدت على الأرض في الصالة وسندت ضهري على الحيطة، حطيت إيدي على وشي وأنا بنهج ومش قادرة أتنفس، شريط الذكريات كله اتعرض قدامي في ثانية واحدة… سارة وهي بتمــ,,ـــــوت في العمليات وسابتني لوحدي، ونفس الخوف اللي حسيته من عشر سنين بيعيد نفسه دلوقتي مع الراجل اللي حبته ومـ،،ا،تـــ علشانه، مع أب حفيدها اللي لسه دوبك بادئ يلمس أمان الدنيا في وجوده.
— تيتة؟
رفعت راسي برعب، لقيت آدم واقف في طرقة الأوضة، لابس بيجامته وماسك في إيده كراسة الرسم بتاعته، عينيه كانت مليانة خوف واستغراب وهو شايفني واقعة على الأرض والسماعة مدلدلة من السلك بتاعها. قرب مني بخطوات بطيئة، نزل على ركبه ومسك إيدي الباردة:— مين كان بيكلمك يا تيتة؟ طنط مريم؟ بابا حصله حاجة؟ حاولت أبلع ريقي، حاولت أرسم أي ابتسامة كدابة أطمنه بيها زي ما كنت بعمل زمان، بس مقدرش