منوعات

ولدت من 4 ايام 4

. سامحي أمي.. قوليلها فلان مات وهو بيطلب منك العفو.. ادعي لي يا شيماء.. ادعي لي بالرحمة.” بدأ جسمه يترعش، والعينين اترفت لفوق، ونبضه على الشاشة الصغيرة جنب السر,,ـــــير بدأ يقل ويقل، لحد ما صدـ,,ـــرت منه تنهيدة طويلة وعميقة.. وخرجت روحه لبارئها، وإيده لسه ماسكة في طرف جلابيتي وفي إيد حمزة. الدكتور أسرع وغطى وشو بالملاءة البيضاء. العنبر خيم عليه سكون تام.

أبوي وقف وصلى على النبي، وأخد نفس عميق وقال: “إنا لله وإنا إليه راجعون.. طاب مقامك يا بني، وربنا يغفر لك ويجعل مرضك وندمك كفارة لذنوبك.” أنا ما بكتش بكاء جزع.. بكت دموع هادية، دموع النواية القاسية اللي انطوت. بصيت للجــ,,ـــــثه المتغطية بالملاءة البيضاء، وافتكرت النهار اللي أمه قالت لي فيه: “الشغل ما بيمو. تش ومش هتتكسر رقبتك في يوم!”.. الشغل فعلاً ما بيمو.

تش يا حماتي، بس القسوة والظلــ,,ـــــم والافتراء هما اللي بيمو. توا القلب والجسد وبيخربوا البيوت وعمرهم ما بيسيبوا صاحبهم إلا وهو في القاع! أبوي وقف زي الجبل، وقال للممرضين: “الراجل ده إحنا اللي هنغسله ونكفنه ونشيع جنازته.. ده أب ولدنا، وإحنا أصحاب أصل ومكرمة.” خرجنا من المستشفى، وأبوي تكفل بكل مصاريف الغسل والتكفين والدفــ,,ـــــن، ونقلنا جثمانه للصعيد عشان يتدفــ,,ـــــن في مقابــ,,ـــــبر بلدنا، جنب ناسنا وأهلنا، عشان ابنه يعرف يقرا له الفاتحة كل جمعة ويترحم عليه.

يوم الجنازة، الصعيد كله خرج يشيعه احتراماً لأبوي ولكرامتنا. مشي القفص الخشبي وشايلين الرجال على الكتاف، وأنا واقفة في شباك بيتنا البسيط، شايلة حمزة لابسة الأسود، ببص للجنازة وهي ماشية في شوارع البلد اللي هربت ليها زمان بدمي وكسرتي. حمزة بص لي وقال: “ماما.. بابا راح فين؟” مسحت على شعره وقُلت له: “بابا راح عند ربنا يا حبيبي.
. وأنت لازم تطلع راجل صالح، تنفع أبوك بالدعاء، وتكون سند لأمك وأهلك.” مرت شهور على الدفــ,,ـــــنة، والحياة رجعت لمجراها.

الشقة اللي في القاهرة اتقفلت وأتباعت، والأخت اللي في السعودية ما كلفتش خاطرها تنزل تحضر جنازة أخوها أو تسأل عن ابن أخوها، والفلوس اللي صارعوا عليها أكلتها الغربة والمحاكم. أما أنا، ففتحت مشغل صغير في البلد لتفصيل الهدوم، كبرت شغلي بفضل الله وعرق جبيني، وبقى عندي بنات في البلد بيتعلموا مني التفصيل والعزة.

حمزة كبر وبقى يدخل المدرسة، ولد بار بأمه وجده، مرفوع الراس، كل الناس في البلد بتحفه وبتحترمه عشان شافوا أمه إزاي وقفت وصانت كرامتها وحمت ابنها. وفي ليلة من ليالي الجمعة، بعد ما حمزة نام، قعدت على ماكينة الخياطة، بصلت للشباك المفتوح وللهواء الصعيدي الشديد النقي وهو بيدخل الأوضة. افتكرت الشقة المقفولة اللي كلها تراب، وافتكرت القيصرية وجرحها اللي طاب وما بقاش منه غير خط صغير أبيض على بطني.

. خط بيذكرني دائماً إن الجروح الجسدية بتطيب، وإن الحق ما بيمو. تش، وإن المرأة اللي بتستقوى بالله وبأهلها وكرامتها، عمر ما في قوة في الأرض تقدر تكسرها! بس الأيام ما كانتش لسه خلصت روايتها كلياً.. فبعد سنتين من وفــ,,ـــــاه أبو حمزة، وبعد ما حمزة بقى في الابتدائي، جالي للبيت محضر جديد من القاهرة، بس المرة دي الجواب ما كانش قضية ولا نفقة.
. الجواب كان من محامي خبير بالتركات والمواريث، بيبلاغنا بمفاجأة كبيرة سابها أبو حمزة قبل ما يمو. ت! أُغمضت عيناي لثوانٍ وأنا ماسكة الجواب في إيدي، ونبضات قلبي بتسابق بعضها.

أبوي عدل قعدته على الدكة، وحمزة ساب كتب المدرسة وقرب وقف جنب مني يبص للورقة الرسمية المختومة بالختم النسر. فتحت الجواب وقرأت كلماته بصوت مرتفع قدام أبوي وأمي: “إلى السيدة شيماء.. نُحيطكم علماً بصفتم الأوصياء على القاصر ‘حمزة’؛

بأنه بموجب العقد والوصية المسجلة بالشهر العقاري باسم المتوفى (فلان)، فقد قام قبل وفاته بتخصيص كافة مستحقاته من بيع شقته بالقاهرة، بالإضافة إلى قطعة أرض زراعية صغيرة كان يمتلكها ورثاً عن أبيه ولم يعلم عنها أحد، وتسجيلها بالكامل كتابةً وبيعاً ووصيةً باسم ابنه الوحيد ‘حمزة’، على أن تكون الحضانة والإدارة المالية والإشراف التام والتصرف مطلقاً للأم السيدة شيماء، بصفتها الولي الطبيعي والأمين الوحيد على حياته وماله، ولا يحق لأي وارث آخر الطعن أو التدخل.

” أمي رفعت إيدها للسماء وبكت بدموع الفرحة وهي بتقول: “سبحانك يا رب! يمهل ولا يهمل.. من بعد ما كانوا عايزين يرموكي في الشارع بعيلك ويحرموكي من اللقمة، ربنا جعل حق ولدك يجيلك لحد عندك برغبة اللي ظلــ,,ـــــموكي!” أبوي مسح على لحيته وقال بنبرة مليانة هيبة ووقار: “ده مش مال يا بتي.. ده العوض! ربنا أجرى على لسان الراجل قبل ما يمو.

ت إنه يعترف بالحق، ويأمن ولدك عشان ما يحتاجش لحد، وعشان يعلم إن القرش اللي كان فاكر إنه هيذل بيه أهلنا، بقى تحت إيدك أنتِ تديري بيه مستقبل ولدك.” في نفس الأسبوع، اتصلت أخته من السعودية لما عرفت ببيع الأرض والتخصيص، حاولت تصرخ وتتكلم عن الميراث والشرع وتطالب بنصيب، بس المحامي رد عليها بكلمة واحدة قاطعة: “أخوكي كتب كل حاجة لابنه في حياته، وحرم الكل ببيع رسمي، والقانون والشريعة بيحموا حق القاصر وأمه الأمينة عليه.

انت في الصفحة 3 من 3 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى