هزيت راسي بسرعة بـ “ماشي”، واستأذنت وهربت على المطبخ وأنا قلبي بيدق في زوري. عملت نفسي بشرب مية، وأنا حاسة إن الأوكسجين قل في الشقة كلها. كلام تيته كان بيتردد في ودني كأنه صدى صوت في بئر مهجور: “تحت السيراميك اللي بيلمع ده فيه حاجة مدفونة.. العتبة دي مقفولة بدم!”
مرت ساعات الليل ثقيلة زي الجبل. معتز دخل نام من غير ما يتكلم كلمة زيادة، وتظاهر بالنوم، بس أنا كنت عارفة إنه صاحي.. كنت سامعة أنفاسه المنتظمة بزيادة، كأنه بيتصنع الهدوء. فضلت صاحية، قعدة على حرف السرير، كل صوت في الشقة كان بيخليني أترعب؛ صرير خشب الأثاث، صوت التكييف، وحتى صوت الريح بره. ساعة الفجر، لما تأكدت إن معتز غرق في النوم وبدأ يشخر خفيف، تسحبت من تحت الغطا بالراحة. حافية القدمين عشان ما أعملش أي صوت. الممر كان ضلمة كحل، بس النور الدافي بتاع الشارع كان داخل من شباك الصالة ومبين الخيالات.
مشيت باتجاه الأوضة المغلقة، بس المرة دي كان هدفي مش الباب.. كان هدفي مكتب معتز الصغير اللي في الصالة، اللي بيسيب فيه مفاتيحه ومحفظته. بدأت أدور في الدرج الأولاني بصوابع بتترعش.. مافيش. الدرج التاني.. أوراق وفواتير. في أخر الدرج التاني، ايدي خبطت في علبة قطيفة صغيرة، فتحتها لقيت فيها ميدالية نحاس قديمة فيها مفتاح شكلة غريب، مفتاح طويل وله سنون متنية، نفس شكل خرم باب الأوضة المقفولة! أخدت المفتاح وأنا حابسة أنفاسي. مشيت بخطوات شبحية للممر. حطيت المفتاح في الخرم، والباب أطلع صوت “تك” واطي جداً وسط ضلمة الليل. أيدي اتعاصت تراب أول ما مسكت الأكرة ولفيتها، وزقيت الباب بالراحة.
الأوضة كانت خنقة، ريحتها مش مجرد تراب.. كانت ريحة مكتومة زي ريحة بيوت الجص القديمة، أو ريحة رطوبة مق.برة! فتحت كشاف الموبايل ووجهت النور لجوه. الأوضة مكانتش مليانة كراتين زي ما قال، كانت شبه فاضية! بس في نص الأوضة، كان فيه سجادة شعر قديمة ومفروشة بغير انتظام. قربت بخطوات خايفة، ووجهت نور الكشاف على الأرضية.. وهنا الصدمة شلت حركتي!
السيراميك اللي تحت السجادة مكانش شبه باقي السيراميك اللي في الشقة! كان متكسر ومتشال ومحطوط بداله جص وإسمنت أبيض معمول بعشوائية، وكأن حد حفر الأرضية وردمها تاني بسرعة ومحترفش يقفلها صح. وعلى طرف الجص الأبيض ده، كان فيه بقعة غمقة مائلة للسواد.. بقعة ناشفة أثر لدم قديم تشربت بيه الحيطة والسيراميك! جسمي اتجمد، والموبايل كان هيقع من إيدي. في اللحظة دي، افتكرت كلام تيته بالنص: “تحت السيراميك اللي بيلمع ده فيه حاجة مدفونة تخص واحدة كانت مكانك!”
عيني وِجعتني من التركيز، ولقيت في زاوية الحفرة الإسمنتية دي حاجة بتلمع تحت كشاف الموبايل. جثيت على ركبي، وبأظافري بدأت أحفر في حافة الإسمنت الهش.. وبدأت أطلع قطعة معدنية صغيرة.. كانت سلسلة ذهب مقطوعة، فيها دلاية على شكل قلب، ولما قلبت الدلاية لقيت محفور عليها من الضهر اسم: “رانيا”. اسم رانيا نزل عليا زي التلج.. مين رانيا؟ معتز لما جيه يخطبني قال إنه عمره ما ارتبط ولا اتجوز قبلي! وفجأة.. وقبل ما ألحق ألم نفسي أو أقوم، سمعت صوت حركة ورايا.. ريحة العطر بتاعه ملأت المكان، وصوت باب الأوضة وهو بيتفرد بالراحة وبيترد ورايا..
لفيت برأسي وأنا مرعوبة، ولقيت معتز واقف عند العتبة، ضارب فيه نور الممر من وراه فكان خياله مغطي الأوضة كلها، ووشه في الضلمة مش باين منه غير عينيه اللي بتلمع. بص للسلسلة اللي في إيدي، وبعدين بصلي، وقال بنبرة هادية جداً، أهدى من المعتاد بكثير، نبرة خالية تماماً من أي رحمة: “كنت عارف إنك مش هتسمعي الكلام يا هدى.. ورانيا برضه زمان، مكانتش بتسمع الكلام.”