منوعات

ابن ضرتي 3

، ونسبة نجاحها ضعيفة جداً. وأنا واقفة قدام باب العناية المركزة بتبكي وبدعي ربنا، ظهر المحامي طارق تاني من آخر الممر.. وبصلي وابتسم ابتسامة شمتانة، وطلع ورقة وقلم من جيبه وقرب مني: “محمود يمو.ت أو يعيش ده بيد ربنا يا مدام نوال.. بس دلوقتي، أنتي لوحدك. مفيش راجل يحميكي، ومفيش حد يقف قدام عيلة شريف. أمضي على تنازل حضانة منى دلوقتي.. وأنا هتكفل بمصاريف عملية محمود وأجيبله أكبر أطباء يلحقوا حياته.. ولو رفضتي، محمود هيمو.ت في الأوضة دي، والأسبوع هيخلص، والبنت هناخدها بقوة القانون والبيت هيترمى باللي فيه!”.

بصيت على محمود من أزاز العناية المركزة وهو ملفوف بالأجهزة ونبضه بيبطئ.. وبصيت لمنى اللي كانت ماسكة في عبايتي بتترعش من الخوف.. كنت مخيرة بين حياة جوزي اللي بيمو.ت، وبين بنتي اللي عاوزين يسرقوا عمرها مني.. والوقت كان بيمر بالثواني! وقف الزمان بي في الممر البارد ده، ريحة المطهرات في المستشفى صدمت مناخيري، وصوت أجهزة نبض محمود اللي بتبطئ كان بيحفر قبر لحياتي كلها. قدامي المحامي طارق ماسك القلم والورقة، وفي عينيه غل ونذالة عيلة كاملة عاشت تغزل في شباك حقدها سنين، وتحت إيدي منى بتترعش ومسكة في عبايتي، ومن ورا الأزاز محمود بين الحضور والمو.ت.

“قدامك دقيقة واحدة يا نوال..” طارق قالها وهو بيقدم القلم لإيدي: “يا أمضتك على التنازل وسحب القضية، وننقذ محمود فوراً بالعملية.. يا إما محمود يروح، والبنت برضه هناخدها بقرار تمكين وحضانة من عيلته بعد مو.ته، وهتطلعي من المولد بلا حمص!”. بصيت للورقة، وبصيت لإيد محمود المربوطة بالمحاليل داخل . الرعب اللي جوايا مكنش فوبيا مرتفعات المرة دي.. كان فوبيا الفقد. حسيت إن كل لحظة عجز عشتها على السلم زمان كانت بتستعد للحظة دي، للوقفة دي بالذات!

رفعت راسي، ومديت إيدي وأخدت منه القلم.. طارق ابتسم ابتسامة النصر المسمومة. بس بدل ما أمضي.. مسكت الورقة وتنيتها نصين، وشقيتها أربع أرباع وركبت تحت رجلين طارق ورميتها في وشه بقوة خلت الممر كله يتلفت علينا! “أنا مش همضي على بيع بنتي ولا همو.ت جوزي!” صرخت بصوت هز جدران المستشفى: “أنت فاكرني نوال الغلبانة بتاعة زمان اللي كانت بتتسمر من الخوف؟! أنا نوال اللي نطت من الشباك ورجلها اتكسرت عشان تحمي بنتها! نوال اللي واجهت مية النار والسلاح! جوزي ربنا هو اللي هيشفيه، مش فلوسك الحرام ولا غل عيلتك!”.

في اللحظة دي، سمعنا صوت خطوات دكاترة وجري في الممر.. عميد أطباء جراحة المخ والأعصاب دخل يجري على العناية وهو بيزعق: “فريق ا وقف جزئياً والمريض محتاج تدخل عاجل!”. حماتي كانت بايعة صيغتها وغويشتين دهب كانوا فاضلين معاها من ريحة المرحوم حمايا، وراحت دفعت مصاريف العملية في الخزنة بره في نفس اللحظة من غير ما المحامي يعرف! طارق وشه اتخ.طف، ورجع لورا وهو بيحلف ويتوعد: “ماشي يا نوال.. القضاء بينّا، والأسبوع هيخلص والبيت والبنت هيبقوا ملكنا!”.

“أعلى ما في خيلكم اركبوه!” قُلتها وأنا حاطة إيدي على كتف منى ومثبتة رجلي في الأرض. دخل محمود غرفة العمليات، وقعدت أنا وحماتي ومنى أمام الباب لمدة 6 ساعات متواصلة.. 6 ساعات كنا بنصلي ونقرأ قرآن وندعي ربنا يفرّج الكرب. وعلى أذان الفجر، خرج الدكتور وهو بيمسح عرقه وابتسامة امل على وشه: “الحمد لله.. العملية نجحت،  اتمسك ومحمود عدى مرحلة !”. بكيت وسجدت على أرضية المستشفى شكراً لله. محمود صحي بعد يومين، وأول ما فتح عينيه وشافني أنا ومنى جنبه، دموعه نزلت ومسك إيدي بكل قوته.

لكن المعركة القضائية كانت لسة بادية.. بعد أسبوع، طارق المحامي رفع القضية وطالب بالبيت والأرض وحضانة البنت بناءً على العقود القديمة بتاعة “شريف”. وقدم للنيابة أوراق بتثبت إن شريف هو المالك الأصلي لبيت العيلة. محمود كان لسة مركون في  مش قادر يتحرك، بس أنا مكنتش سكتت. رحنا أنا ومحمود لمحامي شاطر وأمين، وحكيتله القصة من أول آدم لحد شريف وطارق. المحامي ابتسم وقالنا: “شريف وطارق افتكروا إنهم أذكياء.. بس نسوا حاجة واحدة مهمة جداً في القانون!”.

في يوم الجلسة الحاسمة، المحكمة كانت زحمة، وطارق واقف بثقة وعنجهية ومعاه أوراق الملكية وبيطالب بإخلاء البيت وسحب البنت. محامينا وقف وبدأ يتكلم بثبات: “سيادة القاضي.. العقود اللي بيقدمها الدفاع حقيقية من حيث التوقيع، ولكنها باطلة ومزورة زمنيًا!”. طالب طارق بالرد، بس محامينا كمل بكشف الحقيقة: “المرحوم شريف كان مسجل عقود الشراء دي بنظام البيع الصوري عشان يهرب من الضرائب والديون اللي كانت عليه زمان قبل ، ووالد محمود (الحاج متولي المرحوم) كان أخذ منه ‘إقرار إلغاء بيع’ ومسجل في الشهر العقاري بنفس التاريخ! وشريف خبا المعلومة دي عن أخته وعن محاميه!”.

المحامي طلع الورقة الأصلية الموثقة اللي حماتي كانت شايلاها في صندوق مجوهراتها القديم ونسياها من سنين، ولقيناها بالصدفة وأحنا بنتدور في أوراق حمايا القديمة! مش بس كده.. المحامي قدم تسجيلات تفريغ مكالمات طارق وهو بيبتزني في المستشفى وبيساومني على حياة جوزي مقابل الحضانة والبيت، وهي الجريمة اللي اتسجلت بالكامل عبر كاميرات مراقبة المستشفى اللي محامينا أخد منها نسخة رسمية! القاضي ض.رب المطرقة بقوة خلت القاعة تتزلزل: “حكمت المحكمة: أولاً: برفض دعوى الحضانة وإبقائها في يد أمها السيدة نوال.

ثانياً: تثبيت ملكية البيت والأرض للسيد محمود متولي ووالدته. ثالثاً: تحويل المحامي طارق للنيابة العامة  واستعمال عقود ملغاة، والشروع في النصب والتحايل على القانون!”. طارت الصرخة من صدري في المحكمة! حماتي ح.ضنتني وبكت، ومحمود المريض وقف على حيله وعينيه مليانة دموع وفخر بيا. طارق اتسحب في الكلبشات من القاعة ووشه في الأرض. مرت سنتين كاملين على اليوم ده.. النهارده، أنا واقفة في بلكونة الدور الثاني في بيت العيلة الكبير.. أيوة، الدور الثاني!

بصيت لتحت.. الشارع كان بعيد، والهوا بيلعب في شعري، بس جسمي مكنش بيترعش، وركبي مكنتش بتتخبط في بعضها. الفوبيا مكنتش اختفت تماماً، بس بقت مجرد صورة قديمة مفيهاش أي سلطة عليا. الأمومة والشرف والدفاع عن بيتي وبنتي صنعوا مني ست تانية خالص. محمود جه من ورايا، حط إيده على كتفي  . ومنى، اللي بقت عندها 5 سنين، جت تجري ومسكت في عبايتنا وهي بتضحك. شفت الشمس بتشرق على البيت، وعرفت إن الظلم مهما طال ليله، ومهما اندس في الأقنعة وحفر في السلالم، لازم النهار يرجع يشرق، وحق المظلوم يرجعله.. وأنا، أخيرًا، قدرت أقف على الارتفاع، وأبص للسما وأنا مرفوعة الرأس.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى