خرجتُ من أسوار الفيلا وأنا أجرّ إيد ليلى، خطوط الليل بدأت تظلم في الشوارع الهادية، والدموع اللي حبستها سنين بدأت تنزل أخيراً… مش ضعف، لكن غسيل لروحي من كل القرف والكدب اللي عشت فيه. ركبت عربيتي، وحطيت ليلى في كرسيها ورا، وربطت لها الحزام. البنت كانت ساكتة، ماسكة الأرنب بتاعها بتضمّه في صدرها، وعينيها بتراقب وشي من المراية. «ماما… هو إحنا رايحين فين؟» ابتسمت لها وسط دموعي وقلت: «رايحين نبتدئ حياتنا يا ليلى… المكان اللي محدش فيه هيقولك إنتِ مجرد “بنت”، المكان اللي هتكوني فيه كل حاجة.»
وصلت لشقة صغيرة كنت أجرّتها بسكتة من شهرين، من أول ما بدأت أشك وأدور ورا دفاتر أحمد. الشقة كانت بسيطة، بس بالنسبة لي كانت أنضف بكتير من القصر اللي سبته ورايا. أول ما حطيت ليلى في السرير ونامت، تليفوني رن. كان رقم مريم. ترددت ثواني، وبعدين رديت: «أيوة يا مريم.» صوتها جاني من الناحية التانية مرعوب وبيترعش، وصوت بكاها مالي المكان:
«نورهان… الحقيني، أحمد والحاجة ثريا حبسوني في الأوضة فوق بعد ما مشيتي… أخدوا مني التليفون القديم بس أنا كتمت التليفون ده معايا. هم بيخططوا يحيّدوا كل حاجة، وأحمد بينقل ملايين برة مصر دلوقتي عشان يسقط الشركات ويقول إنه أفلس وما تدفعيش ولا مليم، وبيسجلوا الولاد باسم مؤسسة في الخارج عشان يهربوهم!» قمت وقفت في نص الصالة، الدم غلى في عروقي. «مريم… اسمعيني كويس. الأوراق اللي معايا هي خط دفاعنا الأول، بس عشان نكسرهم، لازم تصمدي. إنتِ محبوسة فين بالظبط؟»
قالتلي بصوت واطي: «في أوضة الخزينة اللي في الملحق… نورهان، أنا مش خايفة على نفسي، أنا خايفة على الولاد. سيف سمع كل حاجة وكان بيعيط وبيقول إني أمه… أحمد ضربه قلم لأول مرة في حياته وطرده على أوضته!» لما سمعت إن سيف اضرب، حاجة جوايا اتكسرت. سيف ده أنا اللي ربيته، حتى لو مش من دمي، الولد ملوش ذنب في القذارة دي كلها. قلت لمريم: «قفلي التليفون دلوقتي، وماتخافيش. الصبح مش هيطلع عليهم وهم مرتاحين.»
كلمت المحامي بتاعي، الأستاذ فاروق، راجل مخضرم في قضايا الأسرة والجنايات. حكيتله كل التطورات. فاروق قال بصرامة: «كده اللعبة اتغيرت يا نورهان. موضوع نقل الأرحام والتزوير بقى فيه حجز حرية وتسطير على أموال وتهريب قصر. احنا مش هنستنى للصبح… إحنا هنتحرك ببلاغ للنيابة العامة وشرطة النجدة فوراً بحالة تلبس.» على الساعة تلاتة الفجر، كنت واقفة قدام البوابة الحديدية لفيلا السيوفي… بس المرة دي مكنتش لوحدي. كان معايا عربيتين شرطة، والأستاذ فاروق، وأمر نيابة بدخول الفيلا للتحري عن بلاغ باحتجاز مواطنة وتزوير مستندات.
الأمن على البوابة اتخضوا، حاولوا يمنعونا، بس الظابط قدم الورق ودخلنا بالقوة. أحمد نزل من الدور الفوقاني وهو لابس الروب بتاعه، وشّه كان أصفر زي الليمونة لما شاف الشرطة في الصالون. «إيه العبط ده؟! انتوا عارفين انتوا في بيت مين؟! أنا أحمد السيوفي!» الظابط رد ببرود: «عارفين يا فندم. وعندنا أمر نيابة بتفتيش الملحق واستدعاء المدعوة مريم السيد، وبلاغ بتزوير في أوراق نسب وإثبات ملكيات.» الحاجة ثريا نزلت وهي بتترعش، الإسورة الدهب اللي في إيدها كانت بتخبط في بعضها من الرعب.
«نورهان! إنتِ جننتي خلاص؟! جايبة الشرطة بيتنا؟!» قربت منها وقفت قصادها وش لوش: «ده مش بيتكم يا ثريا هانم… ده مسرح الجريمة بتاعكم. والست اللي حبستوها في الملحق عشان تداروا على قذارتكم طالعة دلوقتي.» العساكر فتحوا باب الملحق، وخرجوا مريم وهي بتعيط وتترعش. أول ما شافتها الحاجة ثريا صرخت: «الخدامة دي كدابة! دي مجرد ممرضة مختلة بتتبلى علينا!» في اللحظة دي، سيف وعمر وآدم نزلوا على الصوت. سيف بص لأحمد، وبعدين بص لمريم، وجري عليها وحضنها وهو بيعيط: «ماما مريم… متسيبيناش!»
أحمد وقف مذهول، مش قادر يسيطر على الموقف. الأستاذ فاروق طلع الملف البني، وقال بثقة: «أستاذ أحمد السيوفي… التحاليل المبدئية والوثائق اللي اتسحبت من المستشفى الخارجي ثبتت بالكامل. والنيابة مستنياك الصبح لإعادة الاستجواب في قضايا تزوير عقود، والتأجير غير القانوني، وحجز الحرية، بالإضافة لقضية النصب والاحتتيال على السيدة نورهان عبد الرحمن في ممتلكاتها.» أحمد بصلي بنظرة كلها كره ورعب في نفس الوقت: «إنتِ دمرتيني يا نورهان… دمرتي العيلة.» رديت عليه بثبات: «إنت اللي دمرت نفسك لما افتكرت إن الفلوس والاسم يقدروا يشتروا بني آدمين، ولما افتكرت إن بنتي ليلى مالهاش قيمة… الدور دا انتهى يا أحمد، والحساب يلا هيتدفع.»
تم إلقاء القبض على أحمد لحين استكمال التحقيقات في حجز الحرية والتزوير، والحاجة ثريا انهارت وسقطت على الأرض مغمى عليها من الصدمة. أنا أخدت مريم والولاد الثلاثة معايا في العربية عشان نحميهم لغاية ما النيابة تبت في حضانتهم القانونية. ولما طلعت الشمس، كنت قاعدة في العربية، ليلى نايمة في حضني، وسيف وعمر وآدم ومريم حواليا. كنت عارفة إن المعركة في المحاكم هتكون طويلة وصعبة… بس لأول مرة من عشر سنين، حسيت إن الهواء اللي بتنفسه نقي.
مشهد الشمس وهي بتطلع على شباك عربيتي كان أول إحساس حقيقي بالحرية، بس كان مجرد الهدوء الذي يسبق العاصفة. وصلنا الشقة. الولاد الثلاثة، سيف وعمر وآدم، كانوا مصدومين وساكتين، مش فاهمين إزاي في يوم وليلة سابوا القصر الأنيق والألعاب الكتيرة وجوم شقة بسيطة في مكان متوسط، بس وجود مريم جنبهم كان مهدي خوفهم. أما ليلى، فكانت ماسكة في طرف فستاني، بتتحرك معايا في كل حوض وخطوة، كأنها خايفة تصحي وتكتشف إن كل ده كان حلم وأنها لسه في الأوضة الصغيرة تحت السلم.
قعدت مريم والولاد في الصالة، وعملت لهم أكل سريع. سيف، الكبير ذو التسع سنين، مكنش بياكل. كان باصص للأرض، وفجأة رفع عينه وبصلي وقال بصوت مكسور: «يا ماما… هو بابا هيتسجن؟ وهي تيتة ثريا مش بتحبنا بجد؟» نزلت لمستواه، حطيت إيدي على كتفه وقعدت قصاده. الحقيقة كانت تقيلة على طفل في سنه، بس الكدب هو اللي وصلنا للهاوية دي.
«سيف يا حبيبي… بابا وتيتة عملوا أخطاء كبيرة أوي في حق ناس كتير، وأولهم إنتوا ومريم. أنا دايماً هفضل جنبكوا وهحميكوا، بس لازم تفهموا إن الحق لازم يرجع لأصحابه، ومريم هي أمكم اللي من حقها تضمكم لقلبها من غير ما تعيش في الخفاء.» مريم بدأت تبكي بصوت مكتوم، وسيف قرب منها وحضنها، ولأول مرة يشوفها كـ «أم» مش مجرد «الممرضة مريم» اللي بتديه الدوا وتغيرله الملايات لما يتعب. ساعتها تليفوني رن. كان الأستاذ فاروق المحامي.
«نورهان هانم… المحاضر اتفتحت، وأحمد اتعرض على النيابة صباحًا. بس الوضع بيتعقد بسرعة. محامي عائلة السيوفي، المستشار فتحي الضبع، دخل على الخط. الراجل ده ثعلب، وبيحاول يقلب الطاولة بالكامل.» اتقبض قلبي: «يقلب الطاولة إزاي يا أستاذ فاروق؟ الأوراق والتحاليل والشهود معانا!»
رد فاروق بجدية وحذر: «فتحوا خط هجوم جديد. بيطالبوا بإسقاط أهليتك النفسية، ومجهزين ملف طبي مزور بيدّعوا فيه إنك بتعاني من مرض نفسي وتخيلات وهلاوس من وقت ولادة ليلى، وأنك إنتِ اللي زرعتي الأوراق دي. والأدهى من كده… أحمد خرج بكفالة مالية ضخمة بضمان محل إقامته وشركاته، لأن التزوير محتاج لجان فحص أصلية للأوراق المستخرجة من الخارج، وده بياخد وقت. هو دلوقتي برا يا نورهان، ومش هيسيبك.» حسيت ببرودة بتجري في جسمي. أحمد السيوفي مش مجرد راجل غني، ده شبكة نفوذ متغلغلة في السوق والمؤسسات. خرج بكفالة، ومعاه أسطول من المحامين الجاهزين لهرس أي حد يقف في طريقهم.
وقفت في نص الشقة وقلت بثبات: «مش هسمحله يا فاروق. مش بعد كل اللي شفته.» «اسمعيني كويس يا نورهان…» كمل فاروق: «النيابة حددت جلسة استماع مغلقة ومواجهة شاملة بعد أربعين ساعة من دلوقتي. المواجهة دي هتكون في مكتب رئيس النيابة الكلية. هيحضر فيها أحمد، والحاجة ثريا، ومريم، وإنتِ. ولازم تكون معانا أصول التقرير المالي الخارجي الموثق بالكامل من الخارجية، لأن دي القنبلة الوحيدة اللي هتمنعهم من تحويل القضية لنزاع أحوال شخصية عادي ويقفلوا اللعبة.» في اللحظة دي، افتكرت حاجة مهمة أوي.
أصول المستندات المالية والتقرير الطبي الصادر من المستشفى السويسري اللي اتعملت فيه عمليات نقل الأرحام والتلاعب بالشركات… مكنتش في الظرف البني! أنا كنت حاطة نسخ مصورة فقط! الأصول كانت متشالة في صندوق أمانات محمي برقم سري في بنك دولي في وسط البلد… باسمي القديم، الاسم اللي أحمد حاول يمسحه: نورهان عبدالرحمن. النهار كان بدأ ينتصف. قلت لمريم تقفل الأبواب كويس وما تفتحش لأي حد مهما كان. أخدت ليلى معايا في العربية لأن قلبي مكنش مطمن أسيبها، وطلعت فوراً على وسط البلد.
طول الطريق، كنت بلمح عربية سوداء بفيميه غامق ماشية ورايا. كل ما أغير الحارة، تتغير معايا. أحمد بدأ يراقبني. كان عايز يتأكد أنا رايحة فين، أو يمكن كان بيحاول يرهبني عشان أضعف وأتراجع. دُست على البنزين وقدرت أهرب منهم في زحمة شارع قصر النيل. نزلت بسرعة ودخلت البنك. استلمت الصندوق الحديدي من الخزنة السفلى. فتحته بإيد بتترعش… الأوراق الأصلية كانت هناك. شهادات المبالغ المحولة من حسابي الشخصي باسم شركات وهمية، العقد المكتوب بخط إيد أحمد والحاجة ثريا مع المصحة السويسرية، وصور من كشوفات الحسابات المزدوجة التي تثبت غسيل الأموال والتزوير المالي.
ولكن بين الأوراق… لقيت حاجة ثالثة مكنتش واخدة بالي منها قبل كده. دفتر مذكرات صغير بخط يد الحاجة ثريا، كانت حافظاه في نفس الخزنة القديمة قبل ما تسلمني التوكيل العام من سنين. فتحت الصفحات الأخيرة… والدم جمد في عروقي. الموضوع مكنش بس تأجير أرحام عشان يجيبوا «ورثة لعيلة السيوفي» لأن أحمد عنده مشكلة طبية… الموضوع كان أكبر وأبشع من كده بكتير.